علجية عيش.. عندما تكون النّخبة في وادٍ و الدّهماء في وادٍ

ما يحدث في الجزائر من انتكاسات سببه الفراغ المفاهيمي

انطلاقا من ما قاله مالك بن نبي رحمه الله : "في الجزائر يوجد فراغ مفاهيمي جعل الجزائر تعيش الإنتكاسة في كل أشكالها منذ الإستقلال إلى اليوم الحاضر الذي تعيشه"، نعم يوجد فراغ مفاهيمي، فالجزائر تغرق في مشاكل سياسية ، اجتماعبة و اقتصادية و مشاكل فكرية ( مفاهيم) و لنبدأ بقضية استدعاء الناشطين السياسيين في كل مرة أمام قاضي التحقيق، حيث تحولت العملية إلى لعبة تتسلى بها السلطة من أجل تخويف المعارضة و إرهابها و إعاقة تحركاتها ، حتى لو كانت هذه التحركات في إطار فسحة قصيرة أو سياحة داخلية، مثلبا يلتقي مجموع أصدقاء في مكان عام ، فيتم اعتقالهم بتهمة التجمهر الغير مرخص له ، طبعا النظام في كل دولة سواء كان جمهوري أو برلماني أو ديمقراطي، يعتبر البعبع الوحيد الذي يتفنن في التكشير عن الأنياب في وجه كل من يحاول التطاول على السلطة و زعزعة استقرارها ، أظن أن المشكلة تكمن في غياب "التنظير" في كثير من المسائل، ثم أن الديمقراطية تقتضي أن تكون هناك قناعات إيديولوجية، وهذه القناعات توفر للأشخاص الحرية في التفكير و إبداء الرأي و الإيمان بمنهج ما، يختاره المرء ، فلا أحد يفرض قناعاته أو سلطانه إن صح التعبير على الآخر، لا السلطة و لا المعارضة أيضا التي لم تبادر هي الأخرى في أن تراجع ما يمكن مراجعته لتقديم البديل الأصلح للكل، إن إرجاء البث في القضايا الجوهرية و الخطيرة و الأمور المصيرية سببه الفراغ المفاهيمي و غياب العقل الجامع، العقل الرزين المُدَبِّرُ و المُنَظِّرِ، فهذا الغياب ترك ترسبات في النفوس و كرّس سلوكيات خاصة، كل ذلك حال دون تحقيق سيادة الشعب و سيادة الدولة ، و مما زاد في الطين بلة، هو ضعف "النخبة" و إن كانت هذه الأخيرة مغيّبة بقرار فوقي، فقد سجلت هي الأخرى غيابها بسبب ضعفها و انغلاقها على نفسها، في الساحة فراغ سياسي و فراغ فكري وفراغ ثقافي ، كذلك الفجوة السياسية التي تحدث في المجتمعات عندما تنفصل القيادات الفكرية والسياسية ( النخبة) عن واقع وهموم عامة الناس

أمّة لا تقرأ هي أمّة مهزومة

فالنخبة - elite - تعرف على أنها الأقلية التي تمتاز بقدرات ومَلَكات و لها أفكار، سواء كانت سياسية أو فكرية أو عسكرية أو جامعية و بالأفكار وحدها تصنع القيادة و السيادة في البلاد، لكننا لم نعد نراها سوى في مواقع التواصل الإجتماعي facebook و في المنصات الرقمية ( التيك توك tik tok )، و تنتظر ردود الفعل على ما تنشره من جامات و تعليقات ، دون الحديث عن المنظومتين التربوية و الجامعية ، فكل المنظومات مُعَطَّلَة و لا نقول هي تحتضر، لكي لا نضخم الأمور و نزرع البلبلة و ندخل الرعب في قلوب الناس، فما نقرأه بعناوين كبيرة ملونة و ببند عريض في الصحف لا يُعَبِّرُ عن اهتمام الشعب الذي لا زال يقف في الطابور من أجل شراء كيس حليب و الرغيف، و لا يزال يقف بالساعات في محطات النقل ينتظر قدوم الحافلة و ما يتبعها من مظاهر سلبية و الحرب االقائمة للحصول على مقعد داخل الحافلة أو الترامواي ـ هي مظاهر ليست حضارية نشاهدها يوميا، لأنه لا توجد أفكار و لا مخططات و كيف تكون هناك مخططات إذا لم تكن هناك برامج تؤسس لمشروع المجتمع، فالنخبة في وادٍ و الدهماء في وادٍ آخر، فكيف لها أن تتابع و تهتم بما يجري من أحداث و ما حدث للأطفال المسعفين في الجزائر (كعينة) خير دليل، و ما تقوله الأحزاب المعارضة ( لويزة حنون) و من يؤيدها مجرد زوبعة في فنجان دون تقديم الحلول ، خاصة و أن هذه الحادثة أدت بحياة أطفال أبرياء لا يعرفون من هو أبوهم؟ و من هي أمّهم؟ و أحدثت هلعا و جدلا عبر مواقع التواصل الإجتماعي ، الكل يدلو بدلوه و لا أحد سأل إن كانت هناك تحقيقات أجريت بالفعل لمعرفة إن كان الحادث طبيعيا أم بفعل فاعل؟

و إن كان بفعل فاعل، فالجربمة لم تكن فردية بل جماعية أراد مرتكبوها أن يوصلوا رسالة إلى جهة معيّنة، يذكرني هذا بتصريح أحمد بن بلة في خطابه في المؤتمر الخامس لإتحاد الطلبة حين قال: ليس لنا إلا برنامج واحد ، هو برنامج طرابلس، و ليست لنا إيديولوجية، كانت رؤية قادة الأحزاب في الجزائر هي العودة إلى برنامج طرابلس للنهوض بعجلة الجزائر السياسية و الإقتصادية و الإجتماعية و تطهير قطاع التربية و الثقافة من التغريب ، لكن للأسف لا برنامج طرابلس و لا برنامج مراكش و لا برنامج القيروان و لا برنامج الأزهر و لا أيّ برنامج أو سياسة تنموية تحققت في الميدان ، لأن معظم المشاريع مُقلّدة سواء كان البرنامج جزائري أصيل أو مغاربي أو عربي، و كم هي المشاريع التي هي مخططتها مستوردة لا تتناسب و خصوصية كل دولة ، مثلما نراه في دار الأيتام التي شبّ فيها الحريق، البناية لا تشبه الدار، بل و كأنها مؤسسة عقابية ، نوافذها مثبتة و محكمة لكي لا يستطيع السجناء الهروب منها ، ما يمكن قوله هو أن الخونة وحدهم لا زالوا يحملون الفكر الإستعماري و لهم القابلية للإستعمار، هي الثقافة التي يمارسها بعض المسؤولين في الجزائر، يعملون على تذليلك و لا يمنحونك حقوقك لكي يبقونك جامدا لا تتحرك و يجعلونك في مؤخرة الصفوف، نحن في حاجة إلى رؤية جديدة للواقع لأن العصابة لا تزال موجودة في كل القطاعات ، نحن إذن في زمن التفاهات على حد قول مالك بن نبي رحمه الله، و الخلاصة نقول إن أمة لا تقرأ هي أمة مهزومة.


علجية عيش

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...