ھدى حجاجي أحمد - ظلُّ امرأةٍ في باريس الجزء الأربعون: خلفَ الوشاح... حيثُ يولدُ الضوء

خلفَ الوشاح، كنتُ أتحصّن في منجمِ الروحِ المثقلِ بالمعاركِ الصامتة.

لم يكن الوشاحُ قطعةَ قماشٍ كما ظنّ الجميع، بل كان آخرَ جدارٍ بيني وبين العالم. كلُّ امرأةٍ تحملُ وشاحًا لا تخفي وجهها، بل تخفي الحروبَ التي عبرتْها ولم يلمحها أحد.

ذلك الظلامُ الذي عشتُه لم يكن سوى فحمٍ وتربةٍ سحيقة، صهرتْ سنواتُ العمرِ طبقاته في أعماقي حتى حسبتُ أنني صرتُ جزءًا منه. لكنني أدركتُ متأخرةً أن الفحمَ نفسه يحملُ في جوفه احتمالَ الماس، وأن الأرضَ لا تدفنُ الأشياءَ دائمًا... بل تُنضجها.

كنتُ أسيرُ في باريس كما يسيرُ الغرباءُ داخلَ أحلامهم. الوجوهُ تمرُّ بي دون أن تعرفَ أن امرأةً تحملُ على كتفيها قارةً كاملةً من الذكريات. المقاهيُ مزدحمة، وضفافُ السين تعكسُ زرقةَ السماء، أما أنا فكنتُ أبحثُ عن ضفةٍ أخرى... ضفةٍ تصلُ بين المرأةِ التي كنتُها، والمرأةِ التي بدأتُ أولدُها الآن.

وقفتُ أمام واجهةِ متجرٍ قديم، فرأيتُ انعكاسَ صورتي. لم أعد أرى تلك المرأةَ المنكسرة التي جاءت إلى باريس هاربةً من رمادِ الأمس، بل رأيتُ امرأةً حفرتْ داخلَ الصخرِ حتى لامستْ أولَ ومضةٍ من الضوء.

هناك... في عمقِ الحدقة، كانت طعنةُ الماسِ الأولى.

ومضةٌ صغيرةٌ، لكنها كانت كافيةً لتشقَّ هذا السوادَ العتيق، وتعلنَ أن الليلَ مهما طال، لا يستطيعُ أن يمنعَ الفجرَ من التكوّن.

تذكّرتُ أمي.

كانت تقولُ لي وأنا طفلة:
"الأرضُ لا تمنحُ كنوزَها لمن يخافُ الحفر."

ولم أفهمْ يومها أن الإنسانَ هو المنجمُ الحقيقي، وأن أثمنَ الكنوزِ لا تُستخرجُ من باطنِ الأرض، بل من باطنِ الألم.

في تلك الليلة، عدتُ إلى غرفتي الصغيرة، وفتحتُ الصندوقَ الذي حملته معي منذ سنوات. رسائلُ كريم، وصورةٌ باهتةٌ لأبي، ومنديلُ أمي المطرَّزُ بخيطٍ أزرق، وتذكرةُ قطارٍ قديمةٌ لم أستطع يومًا أن أرميها.

أغلقتُ الصندوقَ بهدوء.

لأولِ مرةٍ، لم أشعر أنني أودّع الماضي، بل أشكره.

لولا كلُّ تلك الكسور، لما عرفتُ كيف يُعادُ تشكيلُ القلب.

ولولا كلُّ تلك الخسارات، لما أدركتُ أن بعضَ النجاةِ لا تأتي على هيئةِ انتصار، بل على هيئةِ سلامٍ داخلي.

نزعتُ الوشاحَ عن رأسي، ووضعته على حافةِ النافذة.

دخلتْ نسمةٌ باردةٌ من باريس، فحرّكتْ أطرافَه كأنها تلوّحُ لامرأةٍ أخرى تستعدُّ للرحيل.

لكنني هذه المرة، لم أكن أهرب.

كنتُ أتقدّم.

أخيرًا فهمتُ أن الضوءَ لا يولدُ بعيدًا عن العتمة، بل يولدُ منها.

وأننا نرتدي هذا المعتمَ فينا كغطاءٍ مؤقت، يحمي ولادةَ الضياءِ الرافضِ للانطفاء.

أما باريس...

فلم تعد مدينةً أعيشُ فيها.

بل أصبحت شاهدًا صامتًا على امرأةٍ استطاعت، بعد عمرٍ كاملٍ من الانكسارات، أن تعثرَ أخيرًا على نفسها.
بقلم الكاتبة الروائية ھدى حجاجي احمد

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...