مقتطف عبدالكريم حامدي - من كتاب "ابن الفحم"... جزء من رواية

... مضت السنون، ونحن نتنفس هواءً مثقلًا بدخان الفحم في زمهرير الشتاء، ونبتلع الغبار الأسود مع كل هبّة ريح، ونشتاق إلى خضرةٍ لا تكاد تُرى في محيطنا. كنا نعيش على وقع أخبار موجعة، تتكرر من حين لآخر؛ أخبار عن فواجع الموت ردمًا في أعماق المنجم، وعن ضحايا الموت البطيء بداء السيليكوز ، الذي كان يشتدّ وطأة يوما بعد يوم، مع قسوة الشتاء. وظلّ الرفيق الخفي لكثير من المنجميين، ينهش صدورهم في صمت.
أتذكر يوم تعالت أصوات العويل والبكاء في زقاقنا الضيق، وهرع الجميع إلى منزل جارنا الذي أنهكه داء السيليكوز بعد معاناة طويلة، قبل أن يرحل مخلفاً أطفالاً صاروا يتامى في سن مبكرة. يومها، مشينا نحن أطفال الحي في جنازته على الأقدام، نرافق النعش بصمت ثقيل لم نكن نفهم معناه كاملاً، لكننا كنا نشعر بثقله في وجوه الكبار ونظراتهم المنكسرة.
كانت المقبرة تبعد عن الحي بحوالي ثلاثة كيلومترات. وفي زمنٍ لم تكن فيه سيارة لنقل الموتى، كان النعش يُحمل على الأكتاف وسط أصوات التكبير والتهليل، ويتناوب الرجال على حمله كلما بدا التعب على أحدهم، أو تحت إلحاح بعض المرافقين طلباً لأجر “تشييع الجنازة”. وكان الموكب يشق الطريق ببطء في صمت مهيب، لا يقطعه سوى تلاوة الشهادة أو وقع الخطوات المتعبة فوق التراب.
كنا نسير إلى جانب طفل الفقيد، نواسيه بطريقتنا البسيطة، بما علق في ذاكرتنا من كلام الكبار، فنردد أمامه أن أباه ذهب إلى الجنة، وأن الملائكة استقبلته هناك لأنه كان رجلا صالحا في حياته، دون أن نكون قادرين على فهم معنى الرحيل أو إدراك حقيقة الموت.
كانت كلمات نقولها ببراءة، نحاول بها التخفيف عنه، وربما عن أنفسنا أيضاً، ونحن نرى لأول مرة كيف يمكن لطفل في سننا أن يعود من المقبرة بعدما ترك أباه هناك، في حفرة وُوريَت بالتراب.
وببراءة طفولية صادقة، اتفقنا، نحن أطفال الحي، ألا أحد يجرؤ بعد ذلك على الاعتداء عليه، وكأن اليتم، في مخيلتنا الصغيرة، كان يجعل صاحبه بحاجة إلى حماية الجميع.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...