الاثنين /
ارهقتني رحلة العودة للبيت بحافلة تبقعت مقاعدها بالشحوم . وبعد نزولي منها كان علي ان اقطع ما يقارب الكيلومترا كي اصل الى غرفتي وهي في الاصل كرفان اقيم على صفوف من الآجر في سطح تابع لملحق بيت لا املك ادنى فكرة عن افراده قمت باستئجاره من مكتب عقاري في الجوار .
بدت غرفتي ــ عدا موقعها المنعزل ــ اشبه بنيزك ساقط من حالق . دلفت للداخل مزيحا ستارة الشباك الصغير ليمنحني الموشور المتسلل من خلل الشباك ما يكفي من نور الظهيرة كيما يجنبني الارتطام بأثاثها المتزاحم حيث السرير ومنضدة الركن المغطاة بلوح زجاجي تناثرت عليه صور شخصية جلبتها من محل التصوير الذي اعمل فيه.
ارحت كاميرتي على تلك المنضدة قاذفا ببدني المتهالك على السرير مستسلما لإغفاءة قصيرة ، وحين استيقظت لهوت بتأمل البوسترات الجدارية المتعددة الاحجام وكان معظمها لفاتنات ، ممثلات كنت اقع في غرامهن مقضّيا سنوات في انتظارهن فلا يجئن ولا يجئ غودو !
يقع محل التصوير بالقرب من الجسر الاحمر الذي تطوق سياجه اشجار صفصاف ودفلى ويوكالبتوس ويتمايل على تياره المندفع غربا ما تبقى من نخيل البستان الذي اعتاد اهل المدينة في ماضي الايام التنزه في افيائه قبل زحف الاسفلت !
اتجنب النظر الى الكامرتين اللتين اعتدت اصطحابهما معي ايام كنت مصورا متجولا ومرد ذلك التحاشي راجع الى وخزات افتقاد لتلك النزهات التي لن تعود !
الاثنين ايضا /
ارتجت جدران الغرفة وتناهت الى سمعي ارتطامات ذرات الرمل التي كانت ريح السطح تثيرها في اركانه الفسيحة المهجورة .بغتة وبالتزامن مع عصف الخارج هوى مصباح الغرفة الفاقع الصفرة ليتهشم على ارضها فتناولت المكنسة والمغرفة ونظفت البقعة واضعا الشظايا في كيس بلاستيكي محاذرا من السير حافيا . فتحت الباب بدون عناء ملاحظا توقف هبات ريح السطح فقررت اغتنام تلك الفرصة ورميت الحطام الى جوف حاوية قريبة من الباب واذا بي اباغت بمشهد لنبات تسلقت اغصانه متكئة على جدار الكرفان !
كانت اوراق الاغصان لا تفتقد النضارة على الرغم من عدم انبعاث ايما رائحة منها . تصلبت في وقفتي وقد دوهمت بانذهال جعلني اتساءل عن كيفية وصول هذا النبات الى زاوية الكرفان . هل التصق بإهاب بجامتي او ان رياحا رخية قد جاءت به الى حيث السطح فعاش على موجات المطر التي هطلت في اواخر الربيع ؟ لاحظت ان بعض الاوراق لم يتحمل لهب القيظ فتحول الى هشيم ورقي فيما اصفر قسم اخر من الاوراق وتهيأ للذبول والانطفاء ،اما المجموعة الثالثة من تلك الاوراق فبقيت خضراء نضرة بعد ان افادت من شآبيب مطر هطل قبل زمن ليس بالبعيد .
الاربعاء /
عدت الى سريري جالسا على حافته دون ان اتوقف عن التساؤل بشأن هذا الاجتياح الغير المتوقع . لمحت مجلة كنت احضرتها معي ونسيت تصفحها فتناولتها ورحت اقلب صفحاتها طردا للسأم الذي يهيمن على مثل هذا المكان الذي اسكن فيه . وانا اقلب صفحات تلك المجلة ، جذب انتباهي عنوان لقصة من خيال كاتب سومري تحت عنوان ( المصور رودريغو الذي مات سعيدا ) (*) ، وحين قرأت النص ذهلت بدرجة التخييل الابداعي الذي انتجته موهبة الراحل فقمت بتدوين ملخص له في كراسة يومياتي :
" خطرت لمصور كورسيكي بائس يدعى رودريغو فكرة جنونية تمثلت بالتقاط صورة لممثلة الاثارة والاغراء مارلين مونرو سعيا وراء المجد والمال اللذين حرم منهما . في البداية رفضت مارلين مونرو فكرته ثم وافقت اشفاقا منها على وضعه البائس لاسيما وانه كان يعيش في مأوى للمتشردين ، بشرط ان يلتقط صورة واحدة لها وهي نائمة ، وبالفعل تسلل المصور الى غرفة مارلين ليجدها لفرط ذهوله غارقة في نومها فقرفص وراح يتأمل جسد المرأة الكريستالي الممدد امامه الى ان سحبته الخادمة الى الخارج عنوة . ومرت الايام وتوقعت الممثلة ان يقوم ذلك المصور بنشر الصورة كسبق صحفي لكن انتظارها طال كثيرا حتى اتها نسيت امر الصورة مع زحام الايام . وبعد اكثر من عشرين سنة توفي رودريغو بالسرطان في مأوى للمتشردين لكن اصدقاءه رووا عنه قصصا مشوقة لاسيما حينما كان يصف لهم انكسار الضوء المتسلل من النافذة على وجنتي مارلين وهي نائمة وصدرها وهو يعلو ويهبط ورائحة الجاردينيا الممزوجة بعطرها فكانوا يقولون : " لقد شممنا ذلك العطر يا رجل !"
اثر رحيل رودريغو بقي جثمانه مسجى لثلاثة ايام متتالية ذلك لأن المأوى لم يكن يمتلك ثمن الدفن حتى عثروا في حاجياته على صورة مارلين مونرو هي نائمة بصورة فوضوية .لقد فضل الفقر والعوز على ان يشاركه احد تلك اللحظة النادرة التي جمعته مع نجمة الاغراء في غرفة واحدة فاضطر المأوى لبيع الصورة لتغطية نفقات دفنه . وفي يوم احد ماطر كئيب دفن رودريغو في مقبرة ( سان انطونيو ) المخصصة للغرباء على نحو لائق ! "
الخميس /
في صبيحة اليوم التالي وبعد تناول بيضة مسلوقة بدون رغيف عزمت على ممارسة تسكعي اليومي في ركن من اركان المدينة ، لكنني ــ وفيما كنت اهم بالنزول ــ ادرت اكرة باب السطح دافعا به الى الداخل فلم يستجب كما لو ان يدا خفية قد عمدت لإيصاده من داخل البيت .
شعرت بالاختناق جراء هذا الاحتجاز على سطح مهجور بلا حياة عدا هديل القبرات وزقزقة الطير وريشه المتهافت وفضلاته المنتشرة في كل مكان .. هل ستكون خاتمتي كخاتمة الملياردير روتشيلد الذي مات حبيس الخزانة العملاقة التي تضم ثروته الخرافية ؟! هدأت من سورة قلقي .. اليس المفلس في القافلة امين ؟ !
خرجت الى فيافي السطح تاركا باب غرفتي مواربا .ادنيت الوعاء من النبتة العطشى ساكبا الماء على الطبقة الترابية الرقيقة التي كانت تطوق جذورها ، فيما اندفعت هبات ريح لولبية مجتاحة مدخل الكرفان . فأسرعت بالدخول ساحبا مزلاج الباب . ادركت من خلال نظرة خاطفة ان الصور التي كانت متناثرة على منضدة التصوير لم تعد موجودة هناك فقد تطايرت بعد ان بعثرتها هبات الريح قاذفة بها الى ارضية الغرفة !
--------------------------------------
(*) النص المقصود لصاحبه القاص السومري القدير محمد حياوي
Rédiger
Écrire à محمدسهيل احمد
ارهقتني رحلة العودة للبيت بحافلة تبقعت مقاعدها بالشحوم . وبعد نزولي منها كان علي ان اقطع ما يقارب الكيلومترا كي اصل الى غرفتي وهي في الاصل كرفان اقيم على صفوف من الآجر في سطح تابع لملحق بيت لا املك ادنى فكرة عن افراده قمت باستئجاره من مكتب عقاري في الجوار .
بدت غرفتي ــ عدا موقعها المنعزل ــ اشبه بنيزك ساقط من حالق . دلفت للداخل مزيحا ستارة الشباك الصغير ليمنحني الموشور المتسلل من خلل الشباك ما يكفي من نور الظهيرة كيما يجنبني الارتطام بأثاثها المتزاحم حيث السرير ومنضدة الركن المغطاة بلوح زجاجي تناثرت عليه صور شخصية جلبتها من محل التصوير الذي اعمل فيه.
ارحت كاميرتي على تلك المنضدة قاذفا ببدني المتهالك على السرير مستسلما لإغفاءة قصيرة ، وحين استيقظت لهوت بتأمل البوسترات الجدارية المتعددة الاحجام وكان معظمها لفاتنات ، ممثلات كنت اقع في غرامهن مقضّيا سنوات في انتظارهن فلا يجئن ولا يجئ غودو !
يقع محل التصوير بالقرب من الجسر الاحمر الذي تطوق سياجه اشجار صفصاف ودفلى ويوكالبتوس ويتمايل على تياره المندفع غربا ما تبقى من نخيل البستان الذي اعتاد اهل المدينة في ماضي الايام التنزه في افيائه قبل زحف الاسفلت !
اتجنب النظر الى الكامرتين اللتين اعتدت اصطحابهما معي ايام كنت مصورا متجولا ومرد ذلك التحاشي راجع الى وخزات افتقاد لتلك النزهات التي لن تعود !
الاثنين ايضا /
ارتجت جدران الغرفة وتناهت الى سمعي ارتطامات ذرات الرمل التي كانت ريح السطح تثيرها في اركانه الفسيحة المهجورة .بغتة وبالتزامن مع عصف الخارج هوى مصباح الغرفة الفاقع الصفرة ليتهشم على ارضها فتناولت المكنسة والمغرفة ونظفت البقعة واضعا الشظايا في كيس بلاستيكي محاذرا من السير حافيا . فتحت الباب بدون عناء ملاحظا توقف هبات ريح السطح فقررت اغتنام تلك الفرصة ورميت الحطام الى جوف حاوية قريبة من الباب واذا بي اباغت بمشهد لنبات تسلقت اغصانه متكئة على جدار الكرفان !
كانت اوراق الاغصان لا تفتقد النضارة على الرغم من عدم انبعاث ايما رائحة منها . تصلبت في وقفتي وقد دوهمت بانذهال جعلني اتساءل عن كيفية وصول هذا النبات الى زاوية الكرفان . هل التصق بإهاب بجامتي او ان رياحا رخية قد جاءت به الى حيث السطح فعاش على موجات المطر التي هطلت في اواخر الربيع ؟ لاحظت ان بعض الاوراق لم يتحمل لهب القيظ فتحول الى هشيم ورقي فيما اصفر قسم اخر من الاوراق وتهيأ للذبول والانطفاء ،اما المجموعة الثالثة من تلك الاوراق فبقيت خضراء نضرة بعد ان افادت من شآبيب مطر هطل قبل زمن ليس بالبعيد .
الاربعاء /
عدت الى سريري جالسا على حافته دون ان اتوقف عن التساؤل بشأن هذا الاجتياح الغير المتوقع . لمحت مجلة كنت احضرتها معي ونسيت تصفحها فتناولتها ورحت اقلب صفحاتها طردا للسأم الذي يهيمن على مثل هذا المكان الذي اسكن فيه . وانا اقلب صفحات تلك المجلة ، جذب انتباهي عنوان لقصة من خيال كاتب سومري تحت عنوان ( المصور رودريغو الذي مات سعيدا ) (*) ، وحين قرأت النص ذهلت بدرجة التخييل الابداعي الذي انتجته موهبة الراحل فقمت بتدوين ملخص له في كراسة يومياتي :
" خطرت لمصور كورسيكي بائس يدعى رودريغو فكرة جنونية تمثلت بالتقاط صورة لممثلة الاثارة والاغراء مارلين مونرو سعيا وراء المجد والمال اللذين حرم منهما . في البداية رفضت مارلين مونرو فكرته ثم وافقت اشفاقا منها على وضعه البائس لاسيما وانه كان يعيش في مأوى للمتشردين ، بشرط ان يلتقط صورة واحدة لها وهي نائمة ، وبالفعل تسلل المصور الى غرفة مارلين ليجدها لفرط ذهوله غارقة في نومها فقرفص وراح يتأمل جسد المرأة الكريستالي الممدد امامه الى ان سحبته الخادمة الى الخارج عنوة . ومرت الايام وتوقعت الممثلة ان يقوم ذلك المصور بنشر الصورة كسبق صحفي لكن انتظارها طال كثيرا حتى اتها نسيت امر الصورة مع زحام الايام . وبعد اكثر من عشرين سنة توفي رودريغو بالسرطان في مأوى للمتشردين لكن اصدقاءه رووا عنه قصصا مشوقة لاسيما حينما كان يصف لهم انكسار الضوء المتسلل من النافذة على وجنتي مارلين وهي نائمة وصدرها وهو يعلو ويهبط ورائحة الجاردينيا الممزوجة بعطرها فكانوا يقولون : " لقد شممنا ذلك العطر يا رجل !"
اثر رحيل رودريغو بقي جثمانه مسجى لثلاثة ايام متتالية ذلك لأن المأوى لم يكن يمتلك ثمن الدفن حتى عثروا في حاجياته على صورة مارلين مونرو هي نائمة بصورة فوضوية .لقد فضل الفقر والعوز على ان يشاركه احد تلك اللحظة النادرة التي جمعته مع نجمة الاغراء في غرفة واحدة فاضطر المأوى لبيع الصورة لتغطية نفقات دفنه . وفي يوم احد ماطر كئيب دفن رودريغو في مقبرة ( سان انطونيو ) المخصصة للغرباء على نحو لائق ! "
الخميس /
في صبيحة اليوم التالي وبعد تناول بيضة مسلوقة بدون رغيف عزمت على ممارسة تسكعي اليومي في ركن من اركان المدينة ، لكنني ــ وفيما كنت اهم بالنزول ــ ادرت اكرة باب السطح دافعا به الى الداخل فلم يستجب كما لو ان يدا خفية قد عمدت لإيصاده من داخل البيت .
شعرت بالاختناق جراء هذا الاحتجاز على سطح مهجور بلا حياة عدا هديل القبرات وزقزقة الطير وريشه المتهافت وفضلاته المنتشرة في كل مكان .. هل ستكون خاتمتي كخاتمة الملياردير روتشيلد الذي مات حبيس الخزانة العملاقة التي تضم ثروته الخرافية ؟! هدأت من سورة قلقي .. اليس المفلس في القافلة امين ؟ !
خرجت الى فيافي السطح تاركا باب غرفتي مواربا .ادنيت الوعاء من النبتة العطشى ساكبا الماء على الطبقة الترابية الرقيقة التي كانت تطوق جذورها ، فيما اندفعت هبات ريح لولبية مجتاحة مدخل الكرفان . فأسرعت بالدخول ساحبا مزلاج الباب . ادركت من خلال نظرة خاطفة ان الصور التي كانت متناثرة على منضدة التصوير لم تعد موجودة هناك فقد تطايرت بعد ان بعثرتها هبات الريح قاذفة بها الى ارضية الغرفة !
--------------------------------------
(*) النص المقصود لصاحبه القاص السومري القدير محمد حياوي
Rédiger
Écrire à محمدسهيل احمد