منال ياسين - لماذا؟

منذ أن وُلدت الفلسفة، وهي تدفع ثمن السؤال. فلم يكن الفيلسوف يومًا مجرد حامل لقب أكاديمي، بل ذلك الإنسان الذي يوقظ العقول، ويجرؤ على مساءلة المسلمات، ولذلك دفع كثير من الفلاسفة حياتهم ثمنًا لأفكارهم، بين نفيٍ وسجنٍ واتهامات بالزندقة أو الجنون. فالتاريخ لم يكن رحيمًا بمن يسبق عصره، لأن المجتمعات غالبًا ما تخشى من يهز اليقين أكثر مما تخشى من يهدم الجدران.

وإذا انتقلنا إلى تاريخنا العربي والإسلامي، نجد أن لقب الفيلسوف يكاد يتوقف عند ابن رشد، آخر من قدّم مشروعًا فلسفيًا متكاملًا ترك أثرًا ومدرسة. ومنذ ذلك الحين، لم يعد هذا اللقب يُمنح لأحد بالمعنى التاريخي للكلمة، رغم أن عالمنا العربي أنجب عقولًا كبيرة مثل عبدالرحمن بدوي، وزكي نجيب محمود، وحسن حنفي، وغيرهم من أصحاب المشاريع الفكرية العميقة.

ولكننا نطلق عليهم جميعًا لقب ( المفكرين )، لا الفلاسفة.

والسؤال هنا ...لماذا ؟؟؟

ربما لأن كلمة "فيلسوف" لم تعد عندنا توصيفًا علميًا، بل أصبحت محمّلة بإرث طويل من الريبة. حتى تسللت هذه النظرة إلى لغتنا اليومية، فأصبحنا إذا تحدث شخص بعمق قلنا ساخرين: "انت بتتفلسف"، وكأن التفلسف تهمة لا فضيلة.

والمفارقة أننا ما زلنا ندرّس الفلسفة في المدارس والجامعات، ونمنح فيها أعلى الدرجات العلمية، لكن وجودها في المناهج لا يعني أن المجتمع قد تصالح معها. فهناك فرق شاسع بين أن تُدرَّس الفلسفة، وأن تصبح قيمة راسخة في الوعي الجمعي.

فالأفكار لا تتجذر لأنها كُتبت في كتاب، وإنما لأنها تجد طريقها إلى وجدان الناس. ويشبه الأمر، إلى حدٍّ ما، ما يُعرف في السياسة بـ"التطبيع". فمن السهل أن تُوقَّع الاتفاقيات، لكن من الصعب أن تتغير قناعات الشعوب. فالوجدان لا يوقّع على الورق، والذاكرة لا تُمحى بقرار.

ولهذا اعترفت مؤسساتنا التعليمية بالفلسفة، بينما ظل المجتمع مترددًا في الاعتراف بالفيلسوف. فما زال كثيرون ينظرون إلى التفلسف باعتباره ترفًا أو تعقيدًا أو خروجًا عن المألوف، وبقي لقب "الفيلسوف" غريبًا على الأسماع، رغم أن أقسام الفلسفة ما زالت تخرّج الباحثين عامًا بعد عام.

ولعل المشكلة الأعمق تكمن في نظرتنا الضيقة إلى الفلسفة والفيلسوف. فنحن لا نتردد في وصف سقراط وأفلاطون وكانط ونيتشه بأنهم فلاسفة، لكننا نستكثر اللقب على مفكر عربي معاصر، وكأن الفلسفة توقفت عند حدود الجغرافيا أو عند حقبة زمنية بعينها.

والحقيقة أن الفلسفة ليست حقلًا دراسيًا منعزلًا، بل طريقة في النظر إلى الإنسان والعالم. إنها قد تتجلى في قصيدة، أو رواية، أو مشروع عمراني، أو نظرية علمية. ولذلك فإن كتاب «عمارة الفقراء» للمهندس حسن فتحي ليس مجرد كتاب في العمارة، بل مشروع فلسفي متكامل للإنسان والمجتمع والبيئة. وكثير من الشعراء والأدباء والمبدعين حملوا في أعمالهم رؤى فلسفية عميقة، وإن لم يحملوا لقب "فيلسوف".

ليست الأزمة أن الفلسفة غابت عن حياتنا، بل أننا ضيّقنا معناها، حتى صرنا نُجِلُّ الفيلسوف إذا تكلم بلسان أعجمي ونسخر منه إذا نطق بلغتنا .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...