عبدالكريم كاصد - بلدي يا بلدي:

هل سمعتم ببلد يحكمهُ اللصوص؟
إنه بلدي
كم يبدو هذا السؤال نافلاً! وقد عاد جواباً لم يعلنه معترضٌ (أي أنني بريءٌ منهُ)، ومن أعلنه الوطن نفسه بلسان لصوصه أنفسهم ... رؤسائه، ومرؤوسيه، ونواب شعبه، بفئاته وطوائفه، وضيوفه ومحتليه، وهو لسعته و"شساعته" لم يعد سرّاً. وكيف يكون سرّاً وقد نهبوا الخزينة بأكملها... ألصوصيةٌ وفي وضح النهار! ولو كان في الخزينة بقيةٌ لاستتروا وتقاسموا السرّ بينهم، ولا بأس أن تظهر بعض أطراف هذا السر هنا وهناك فللسر علنُهُ أيضاً، مثلما لكل شيء نقيضُهُ، وللحكومات، إن صغُرت وإن كبرُت، أسرارُها وعلنُها وإلّا لانتفى الديالكتيك الذي عرفته البشرية قبل هيغل وماركس بقرون سحيقةٍ حتى أن هيراقليطس أبى أن ينزل النهر مرتين.
وحتى هذه الفضائح العلنية التي يعلنها الوطن بلسان أقطابه، لها أسرارها المفضوحة أيضاً... الغامضة أيضاً، والتي لا تتطلب منا تفسيراً وكيف تفسر ما هومكشوفٌ أصلاً: مليارات تخزن في المعالف، وآخرى تُحرق في التنانير، وثالثة تهرّب مع الأغنام والأبقار والبشر، ورابعة .... وخامسة ... وسادسة لولا أن رأوا برهان ربكَ لا ربهم...
ومن يخزنها ليس حراسها الحاكمين الراسخين، بل صغار الصغار الصغار: موظفون هامشيون، نواب شعب مجهولون لم يقتصر سعيهم على الخزن وحده، بل تعداه إلى ما هو أشقُّ وأخزى: الذهب والفضة، و"الكلاسين" الذهبية، والخيول الأصيلة، والأسلحة.....
وإذا كان كل ذلك تحصيل حاصل لمقدمةٍ صغرى وما يعقبها من مقدمةٍ كبرى لاندري بماذا سيستتبعان، فإن السؤال الأعمّ هو لِمَ ولمن الأسلحةُ؟ وما الحكمة في مجاورة الأسلحة للكلاسين الذهبية؟ وإن كان كل هذه الفنون يجيدها الصغار فما هي فنون الكبار؟
حسناً لقد ظهر هؤلاء الصغار الخازنون ليؤدوا الأدوار على مسرح لم يكتمل، فكيف تُرى تُسدل الستارة على ملهاتهم المأساة، ولم يظهر الكبار أبطالها حتى هذه اللحظة الحاسمة.
وقد يقول قائل: وكيف يظهر الكبار وكثرتهم فاقت كثرة الصغار؟
وقد يسأل الآخر: وكيف تكاثروا؟
فيرد القائل ملغزاً: بتكاثر الوطن الذي صغّروه.
- وكيف تكاثر الوطن؟
- ألم تر كيف صار جنوبه شمالاً، وشماله جنوباً، وشرقُه غرباً، وغربُه شرقَاً، ولكل جهة لصوصها المؤمنون بكل ما جاء في كتب الجهات:
- دعني من هذيانك... قل لي متى تُسدل الستارة فالجهمور ينتظر:
- أجل هناك حلّ واحد وحيد
ستهبط حين يغادر الجمهور مسرحه العريق العراقيّ، أقصد مسرحهم...
بلدي يا بلدي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...