عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

في صباح هادئ، عادت تلك الفتاة التي كانت قد استأذنت رفوف المكتبة قبل يومين، وحجزت عشرة مراجع وازنة في التاريخ المغربي ؛ كنت أظن أنها ستعيد بعضها، أو ستكتفي بعنوان أو عنوانين، كما يفعل كثير من الباحثين حين تضيق بهم الميزانية أو يضيق بهم الوقت ، لكنها خالفت كل التوقعات ، اقتنت الكتب جميعها، دون أن تستثني منها واحدا، ثم وقفت قبل المغادرة وقالت: هل تعرف دار نشر مغربية يمكن أن أتواصل معها لطبع أطروحتي الجامعية؟
سألتها وكأن الجواب محسوم: لا شك أنها أطروحة في التاريخ؟
فضحكت وقالت: بل في علم الاجتماع ، أما هذه المصادر ، فهي بداية باب جديد أفتحه في بحث آخر، وهذه المرة في التاريخ.
غادرت، وبقيت أحدق في الفراغ الذي تركته خلفها، كأنها حملت درسا بليغا إضافة إلى تلك الكتب ، كأن العلوم ليست جزرا متباعدة، لكنها أنهار تلتقي في مصب واحد ، فالتاريخ يستعير من علم الاجتماع، وعلم الاجتماع يصغي للفلسفة، والفلسفة تفتح أبوابها للأدب، وكل معرفة تمد يدها إلى معرفة أخرى، حتى تتشكل في النهاية صورة الإنسان ، ولعل الباحث الحقيقي لا يتخرج من الجامعة فحسب ، وإنما يتنقل من قلق معرفي إلى آخر أرقى، ومن سؤال إلى سؤال أعمق ، فكلما ظن أنه بلغ الشاطئ، اكتشف أن البحر يبدأ من هناك.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...