لم تجفل عيناي، ولم يرتجف في داخلي عرقُ خوفٍ واحد، وأنا أتابع ما يصدر عن “المجنون البرتقالي” من ضجيجٍ سياسيٍّ مألوف، كأن العالم قد اعتاد أن يطالع كل موسمٍ شكلاً جديداً من العبث نفسه، بثياب مختلفة وصوتٍ أعلى، ولكن بالفراغ ذاته. لقد غدت تهديداته أقرب إلى طقسٍ إعلاميٍّ متكرر: غزواتٌ لفظية مراهقة، وانفعالاتٌ دبلوماسية بلا بوصلة، وكأن السياسة عنده لا تُبنى على هندسة الدول بل على نزوات اللحظة وارتجال المزاج.
غير أنني، وأنا أتابع خرجته الأخيرة حين توعّد سلطنة عُمان وهددها بالجحيم والنار إن هي اختارت، بسيادتها الرصينة، أن تنسّق مع جارتها إيران في تنظيم الملاحة بمضيق هرمز، شعرت أن العبث تجاوز حدود الضجيج إلى محاولة المساس بذاكرة الجغرافيا نفسها. هناك، حيث يلتقي البحر بالتاريخ، لا تُقال الكلمات خفيفة، ولا تُهدَّد الدول كما تُهدَّد صورٌ في نشرة عابرة.
تذكّرتُ، في تلك اللحظة، أن لحظةً صغيرة من تاريخ عُمان لا تُقاس فيها موازين القوة بما تملكه الإمبراطوريات الطارئة، بل بما راكمته هذه الأرض من صبرٍ سيادي طويل، جعلها تقف، عبر القرون، كجسرٍ بين البحار لا كملحقٍ في خرائط الآخرين. وكيف يمكن لمن لا يقرأ خرائط الزمن إلا بعين القوة اللحظية، أن يفهم معنى دولةٍ تشكّلت على إيقاع التجارة والملاحة والحكمة، لا على منطق الاستعراض والهيمنة؟
لقد قالت بعض القراءات التاريخية الحديثة إن عُمان لم تكن مجرد “ساحلٍ على بحر”، بل كانت “عقلاً بحرياً” يصوغ علاقاته الدولية من داخل توازن دقيق بين الاستقلال والانفتاح. ويكفي أن نعود إلى ما يورده المؤرخون حول الدولة اليعاربية والبوسعيدية، لنفهم أن هذه البلاد لم تكن يوماً هامشاً في التاريخ، بل فاعلاً فيه، يمتد أحياناً إلى سواحل الهند وشرق إفريقيا، حيث تشكّلت شبكات نفوذٍ تجاري وثقافي، لا بالغزو وحده، بل أيضاً بالدبلوماسية والملاحة والتبادل.
ويكاد ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة، أن يضع لنا قاعدةً يمكن إسقاطها على مثل هذه اللحظات: فالدول، في نظره، لا تُقاس بحدة خطابها، بل بعمق عصبيتها واستقرار عمرانها؛ وما يبدو صاخباً في لحظةٍ سياسية قد لا يكون إلا “زَبَداً” يعلو ثم يذهب جفاءً، بينما يبقى ما ينفع الناس في الأرض من بنيةٍ راسخةٍ وصبرٍ طويل.
ومن هذا المنظور، يبدو التهديد الخارج عن سياق التاريخ والجغرافيا مجرد ضجيجٍ عابر في محيطٍ أوسع من الوقائع الصلبة. فمضيق هرمز ليس نقطة على ورق تفاوضي، بل عقدة من أعقد عقد الاقتصاد العالمي، تديره توازنات دقيقة لا تُختزل في الانفعال السياسي ولا في لغة الإنذار.
وإذا كان التاريخ، كما يذهب بعض المؤرخين، “ذاكرة القوة حين تصير حضارة”، فإن عُمان، في مسارها الطويل، لم تكن مجرد متلقٍّ لرياح التاريخ، بل صانعة لمساراته في لحظاتٍ كثيرة، حين كانت السفن العُمانية تصل إلى موانئ بعيدة، حاملةً معها نموذجاً مختلفاً عن فكرة السيطرة: نموذج التفاعل بدل الإلغاء، والتبادل بدل الإملاء.
لذلك، يا صديقي محمد، حين أسمع هذا الضجيج العابر، لا أراه سوى قشرةً سطحية فوق محيطٍ عميق من التاريخ الذي لا يُهدَّد بالصوت العالي. فالأمم التي تتكئ على ذاكرةٍ ممتدة لا ترتجف من عابر التصريحات، بل تبتسم لها أحياناً بوصفها دليلاً على أن العالم، رغم تقدمه التقني، ما زال يكرر طفولته السياسية بأشكالٍ جديدة.
ويبقى ما قاله بعض المؤرخين عن دول البحر صالحاً هنا أيضاً: “إن من يملك البحر، يملك زمنه الطويل”، وعُمان، في هذا المعنى، ليست مجرد دولة على حافة الماء، بل ذاكرة مائية ممتدة، لا تُختصر في تهديد، ولا تُمحى بخطابٍ عابر، مهما ارتفع صوته في لحظة طيش انفعالي.
غير أنني، وأنا أتابع خرجته الأخيرة حين توعّد سلطنة عُمان وهددها بالجحيم والنار إن هي اختارت، بسيادتها الرصينة، أن تنسّق مع جارتها إيران في تنظيم الملاحة بمضيق هرمز، شعرت أن العبث تجاوز حدود الضجيج إلى محاولة المساس بذاكرة الجغرافيا نفسها. هناك، حيث يلتقي البحر بالتاريخ، لا تُقال الكلمات خفيفة، ولا تُهدَّد الدول كما تُهدَّد صورٌ في نشرة عابرة.
تذكّرتُ، في تلك اللحظة، أن لحظةً صغيرة من تاريخ عُمان لا تُقاس فيها موازين القوة بما تملكه الإمبراطوريات الطارئة، بل بما راكمته هذه الأرض من صبرٍ سيادي طويل، جعلها تقف، عبر القرون، كجسرٍ بين البحار لا كملحقٍ في خرائط الآخرين. وكيف يمكن لمن لا يقرأ خرائط الزمن إلا بعين القوة اللحظية، أن يفهم معنى دولةٍ تشكّلت على إيقاع التجارة والملاحة والحكمة، لا على منطق الاستعراض والهيمنة؟
لقد قالت بعض القراءات التاريخية الحديثة إن عُمان لم تكن مجرد “ساحلٍ على بحر”، بل كانت “عقلاً بحرياً” يصوغ علاقاته الدولية من داخل توازن دقيق بين الاستقلال والانفتاح. ويكفي أن نعود إلى ما يورده المؤرخون حول الدولة اليعاربية والبوسعيدية، لنفهم أن هذه البلاد لم تكن يوماً هامشاً في التاريخ، بل فاعلاً فيه، يمتد أحياناً إلى سواحل الهند وشرق إفريقيا، حيث تشكّلت شبكات نفوذٍ تجاري وثقافي، لا بالغزو وحده، بل أيضاً بالدبلوماسية والملاحة والتبادل.
ويكاد ابن خلدون، في مقدمته الشهيرة، أن يضع لنا قاعدةً يمكن إسقاطها على مثل هذه اللحظات: فالدول، في نظره، لا تُقاس بحدة خطابها، بل بعمق عصبيتها واستقرار عمرانها؛ وما يبدو صاخباً في لحظةٍ سياسية قد لا يكون إلا “زَبَداً” يعلو ثم يذهب جفاءً، بينما يبقى ما ينفع الناس في الأرض من بنيةٍ راسخةٍ وصبرٍ طويل.
ومن هذا المنظور، يبدو التهديد الخارج عن سياق التاريخ والجغرافيا مجرد ضجيجٍ عابر في محيطٍ أوسع من الوقائع الصلبة. فمضيق هرمز ليس نقطة على ورق تفاوضي، بل عقدة من أعقد عقد الاقتصاد العالمي، تديره توازنات دقيقة لا تُختزل في الانفعال السياسي ولا في لغة الإنذار.
وإذا كان التاريخ، كما يذهب بعض المؤرخين، “ذاكرة القوة حين تصير حضارة”، فإن عُمان، في مسارها الطويل، لم تكن مجرد متلقٍّ لرياح التاريخ، بل صانعة لمساراته في لحظاتٍ كثيرة، حين كانت السفن العُمانية تصل إلى موانئ بعيدة، حاملةً معها نموذجاً مختلفاً عن فكرة السيطرة: نموذج التفاعل بدل الإلغاء، والتبادل بدل الإملاء.
لذلك، يا صديقي محمد، حين أسمع هذا الضجيج العابر، لا أراه سوى قشرةً سطحية فوق محيطٍ عميق من التاريخ الذي لا يُهدَّد بالصوت العالي. فالأمم التي تتكئ على ذاكرةٍ ممتدة لا ترتجف من عابر التصريحات، بل تبتسم لها أحياناً بوصفها دليلاً على أن العالم، رغم تقدمه التقني، ما زال يكرر طفولته السياسية بأشكالٍ جديدة.
ويبقى ما قاله بعض المؤرخين عن دول البحر صالحاً هنا أيضاً: “إن من يملك البحر، يملك زمنه الطويل”، وعُمان، في هذا المعنى، ليست مجرد دولة على حافة الماء، بل ذاكرة مائية ممتدة، لا تُختصر في تهديد، ولا تُمحى بخطابٍ عابر، مهما ارتفع صوته في لحظة طيش انفعالي.