د. حسام الدين فياض - لماذا يكبر بعض الناس قبل أوانهم؟ (تأمل في أثر التجربة والحياة)

" يكبر الإنسان حين تترك الحياة أثقالها في داخله، فبعض التجارب تمنحه عمراً لا يظهر في وجهه، بل في نظرته إلى الحياة والناس " (الكاتب)

يمثل العمر في الوعي الاجتماعي مؤشراً زمنياً يقاس بعدد السنوات، إلا أن التجربة الإنسانية تكشف عن مستوى آخر للعمر يتشكل من طبيعة الحياة التي يعيشها الفرد داخل مجتمعه. فالإنسان لا يستهلك سنواته في الفراغ، وإنما يعيشها في إطار من المسؤوليات والعلاقات والالتزامات والتوقعات الاجتماعية التي تحدد مقدار ما ينبغي عليه أن يتحمل وأن ينجز وأن يتكيف معه. ومع تراكم هذه المتطلبات، يمكن للضغوطات الاجتماعية أن تتجاوز حدود الموقف العابر لتصبح خبرة داخلية تؤثر في طريقة التفكير والانفعال والتعامل مع الآخرين. عند هذه النقطة لا تعود المشكلة في كثرة ما يواجهه الإنسان فحسب، وإنما في استمرار أثر تلك الضغوط داخله حتى بعد انتهاء الظروف التي أنتجتها. بذلك، يظهر اختلاف جوهري بين العمر الذي تحدده السنوات والعمر الذي تصنعه التجربة، فالأول يتقدم بصورة طبيعية، بينما يتشكل الثاني وفقاً لما يتركه المجتمع والحياة من آثار في وعي الإنسان وقدرته على الاحتمال ورؤيته.

بمعنى أدق، يتشكل هذا العمر الداخلي تدريجياً عندما تتحول المسؤوليات الاجتماعية من أدوار يؤديها الإنسان إلى حالة مستمرة من الاستنفار الذهني. فالعمل الذي يتطلب حضوراً دائماً، والأسرة التي تفرض التزامات متواصلة، والعلاقات التي تحتاج إلى قدر كبير من التكيف، والمطالب الاجتماعية التي تتسع مع الوقت، تجعل الإنسان يعيش في حالة استعداد دائم للاستجابة لما هو مطلوب منه.

وتزداد وطأة الأمر حين تتجاوز هذه المتطلبات قدرة الفرد على تنظيمها أو منح نفسه مساحة يستعيد فيها توازنه، إذ يتحول التفكير من وسيلة لمعالجة الواقع إلى نشاط مستمر يعيد إنتاج المشكلات حتى في لحظات غيابها. عندها لا ينتهي الضغط بانتهاء الموقف الذي أحدثه، لأن أثره يكون قد انتقل إلى الداخل وأصبح جزءاً من طريقة الإنسان في النظر إلى يومه. وعندئذ يمكن فهم سبب ظهور التعب على أشخاص لا تبدو حياتهم، من الخارج، شديدة القسوة، فالمعيار لا يكمن دائماً في حجم ما يحدث لهم، وإنما في مقدار ما يظل قائماً داخلهم بعد انتهاء ما حدث. وحين يصبح الإنسان مطالباً بأن يكون حاضراً لكل شيء، ومسؤولاً عن أشياء كثيرة، ومتحفظاً في التعبير عن إرهاقه، فإن حياته تبدأ في استهلاك طاقته قبل أن يستهلك الزمن سنواته.

ويتعمق هذا الأثر حين تتحول التجارب المتراكمة إلى طريقة مستقرة في إدراك الذات والعالم. فالإنسان لا يترك تجاربه خلفه بمجرد انتهاء أحداثها، وإنما يحمل منها أنماطاً من التفكير والتوقع والحذر تتدخل لاحقاً في تفسير المواقف الجديدة. والخبرة التي كانت في البداية استجابة لظرف محدد قد تصبح مع الوقت موقفاً عاماً من الحياة، فيصبح الإنسان أكثر توقعاً للمشكلات، وأقل استعداداً للمجازفة، وأكثر ميلاً إلى حساب النتائج قبل خوض التجربة.

وتكشف لنا هذه الحالة أن الإنسان قد يتقدم في العمر الداخلي أسرع من عمره الزمني، لأن بعض التجارب تختصر عليه مراحل كاملة من التعلم، وتدفعه إلى التعامل مع الحياة بوعي أكثر حذراً مما يقتضيه عمره. ويظهر ذلك خصوصاً عندما تتكرر الخيبات أو تتراكم المسؤوليات دون أن يجد الإنسان فرصة حقيقية لإعادة ترتيب علاقته بما مر به. فالتجربة حين تستوعب تمنح الإنسان معرفة، وحين تبقى عالقة تتحول إلى عبء، والفرق بين الحالتين لا تحدده شدة الحدث وحدها، بل قدرة الإنسان على فهمه ضمن سياق حياته، بدلاً من ترك أثره يستمر في داخله. ولهذا قد يبدو النضج أحياناً شبيهاً بالتعب، لأن كليهما يترك أثراً في طريقة الإنسان في الاقتراب من الأشياء، غير أن النضج يوسع الرؤية، بينما يدفع الاستنزاف إلى تضييقها.

وتنعكس هذه التحولات بالضرورة على علاقة الإنسان بالآخرين، لأن العلاقات هي المجال الذي تظهر فيه آثار التجربة الداخلية بصورة أكثر وضوحاً. فالإنسان الذي عاش طويلاً تحت ضغط التوقعات أو الخيبات لا يدخل علاقاته الجديدة بالوعي نفسه الذي كان لديه في بداياته، فهو يتذكر ما حدث، ويقارن، ويراقب، ويضع حدوداً أكثر وضوحاً، وقد يتردد في منح الثقة بالسرعة نفسها. وهذه ليست مجرد تغيرات في السلوك، وإنما إعادة تنظيم للعلاقة بالآخر انطلاقاً من خبرة تراكمت في الداخل.

ومع ذلك، تكمن الخطورة في أن يتحول الحذر الذي أنتجته التجربة إلى عدسة ثابتة يرى الإنسان من خلالها الجميع، فحين يصبح الماضي معياراً وحيداً للحاضر، يفقد الإنسان قدرته على التمييز بين ما يتكرر فعلاً وما يخشاه فقط. وعندئذ يصبح النضج الحقيقي مرتبطاً بقدرة الإنسان على الاستفادة من تجربته دون أن يسمح لها بإدارة حياته نيابة عنه. فالمطلوب ليس أن يعود الإنسان إلى براءة البدايات، ولا أن يتخلى عن حذره، وإنما أن يمتلك وعياً يسمح له بأن يضع كل تجربة في حجمها الصحيح. وحين يصل إلى هذه المرحلة، يصبح أكثر قدرة على اختيار علاقاته، وأقل حاجة إلى إثبات نفسه، وأكثر إدراكاً لقيمة وقته وطاقته، لأنه لم يعد يتعامل مع الحياة من موقع من يخشى أن يخسر دائماً، وإنما من موقع من يعرف ما يستحق أن يمنحه وما ينبغي أن يتركه.

وفي نهاية المطاف، يكبر الإنسان حين تتحول ضغوط الحياة الاجتماعية إلى خبرة مستقرة داخله، وحين يصبح ما يواجهه في الخارج جزءاً من الطريقة التي يفكر ويشعر ويتعامل بها مع العالم. فالسنوات لا تمنح النضج تلقائياً، كما أن المعاناة لا تنتج الحكمة بالضرورة، وإنما يتشكل النضج عندما يستطيع الإنسان أن يفهم تجربته دون أن يجعلها سجناً لوعيه. عندها يتحول العمر الداخلي من تراكم للأعباء إلى معرفة أكثر اتزاناً بالحياة، ويصبح الإنسان أكثر قدرة على التمييز بين ما يستحق أن يبقى وما آن أوان تجاوزه.
نصيحتي لك، لا تحمل معك من كل تجربة سوى ما يجعلك أكثر وعياً بالحياة، احتفظ بما علّمك، وتجاوز ما أثقلك، واترك لنفسك دائماً فرصة أن ترى القادم بعين جديدة. فليس النضج أن تمضي حاملاً كل ما مر بك، وإنما أن تعرف ما يستحق أن يصبح جزءاً من طريقك.

------------------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...