أسامة محمود اليوسف - الموتى يبدّلون غرفهم

مقدمة :
كنت قد كتبت في مكان ما:
لا أعرف إن كانت القصائد تنقذ أحدًا، لكنني أعرف أنها تمنح الأشياء التي نحبها فرصة أخرى كي لا تموت، ربما لهذا تأخرت في جمع هذه القصائد ونشرها.
كتبت الهايكو لسنوات عدة، كان بالنسبة إلي تمرينًا على الإصغاء، ورقة تسقط، نافذة تترك نصف الضوء، طائرًا يعبر سماء لا تنتظره، أو لحظة قصيرة تكفي كي يتغير شيء في الداخل، ثم جاءت القصائد، كأنها خرجت من ذلك الصمت بخطوات أبطأ وأكثر ارتباكًا.
كتبت أغلب القصائد عام2016، وبقيت حبيسة الأدراج سنوات طويلة، رغم أن بعضها وجد طريقه إلى النشر منفردًا، فالقصيدة حين تكون وحيدة تستطيع أن تختبئ خلف لغتها.
أما المجموعة
فتفضح صاحبها، تكشف ما يتكرر فيه، وما يعجز عن قوله، وما ظل يعود إليه دون أن ينتبه.
لم أكن متأكدًا أن هذه القصائد قد انتهت حقًا، كنت أشعر أن بعضها ما زال يعيش في المنطقة الفاصلة بين الكتابة والنجاة، وأن جمعها في كتاب قد يكون أشبه بإغلاق باب على شيء لم يفرغ بعد من النظر إلى الخارج.
ثم أدركت أن القصيدة لا تنتهي حين ينتهي الشاعر منها، وأن بعض النصوص تحتاج إلى سنوات كي تعرف لماذا كتبت .
لهذا تأخرت
لا لأنني كنت أبحث عن القصائد الأفضل، ولا لأنني كنت أنتظر كتابًا كاملًا بلا شقوق، بل لأنني كنت أنتظر اللحظة التي أتوقف فيها عن الدفاع عنها، وحين وصلت إليها، أدركت أن الكتاب لا يحتاج إلى أن يكون كاملًا كي يكون صادقًا وأن بعض الكسور ليست عيوبًا في المرآة، بل الطريقة الوحيدة التي يدخل منها الضوء
في هذه الصفحات، قد تجدون أثرًا من الهايكو تلك العين التي اعتادت أن ترى الكثير في الأشياء الصغيرة، لكن القصيدة هنا توسعت قليلًا، مشت أبعد، وحملت معها ما لم يكن الهايكو قادرًا على حمله، الذاكرة، والحرب، والمدن، والغياب، والخوف وأشياء أخرى لا أعرف لها أسماء دقيقة، فلاشيء يحدث بصوت عالٍ.
رجل يعبر جسرًا عند الفجر، وامرأة تنتظر خلف نافذة، وبيت ما زال يحتفظ بأشياء الذين غادروه، ومدن تواصل حياتها كأنها لم تفقد شيئًا.
الحرب تمر من بعيد، لكنها تترك شيئًا في القلب، والغياب لا يغلق الباب خلفه إنه يجلس في الغرفة ويتعلم كيف يصمت، وربما لهذا تبدو القصيدة أحيانًا كحديث عابر بين شخصين، أو نظرة طويلة من نافذة، أو فنجان قهوة ترك على الطاولة ولم يأت صاحبه.
كتبت هذه القصائد لأن الإنسان، حين يعجز عن تغيير العالم، يحاول على الأقل أن يمنح ألمه اسمًا، وحين لا يستطيع أن يعيد ما ذهب، يضع يده على مكان الغياب، كأنه يتأكد أن الفراغ نفسه ما زال موجودًا.
ولأنني لا أعتقد أن الشعر قادر على إيقاف حرب، أو إعادة ميت، أو إنقاذ مدينة من خرابها، فإنني لا أطلب منه معجزة، يكفيني أن يفعل شيئًا أصغر، وربما أصعب، أن يجعلنا نرى ما اعتدنا المرور بجانبه دون أن نراه.
هذه القصائد ليست شهادة على زمن مضى بقدر ما هي محاولة للاستماع إلى ما بقي منه.
وإذا كان ثمة سبب آخر لتأخري في نشرها، فهو أنني كنت أخشى أن أقول للقارئ هذه قصائدي، ثم فهمت متأخرًا أن الكتابة الحقيقية لا تمنح صاحبها ملكية كاملة لما كتب، فالقصيدة، بمجرد أن تخرج من يد الشاعر، تبدأ حياة أخرى لا يستطيع التحكم بها لذلك أترك هذه الصفحات الآن
لا بوصفها أجوبة، ولا بوصفها نجاة مكتملة، بل بوصفها آثارًا صغيرة لشخص حاول في وقت ما، أن يفهم ما يحدث حوله وداخله.
وإذا بقي شيء بعد القراءة، فليكن شيئًا بسيطًا:
أن نتذكر أن الحياة، رغم كل ما يحدث، لا تزال تنمو بصمت في مكان ما
وربما تكون القصيدة واحدة من تلك الأشياء التي لا تنقذنا، لكنها تمنحنا وقتًا إضافيًا قبل الغرق
لعلها فقط تؤخر الغرق قليلًا
وهذا، أحيانًا، طقس عادي جدًا للنجاة .



من مقدمة كتابي
الموتى يبدّلون غرفهم

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...