د. حسام الدين فياض - في حضرة النضج تتبدل لغة الكلام

" ينضج الإنسان فتتغير مكانة الكلام في حياته، فلا يعود صوته وسيلة دائمة لإثبات حضوره، ولا يصبح صمته علامة على غيابه، وإنما يتعلم أن الحضور ليس مطلوباً في كل موقف، وأن بعض الأمور يمكن أن يتركها تمر دون أن ينشغل بها " (الكاتب).

لا يقاس النضج بقدرة الإنسان على الكلام، وإنما بقدرته على معرفة ما الذي يستحق أن يقوله. ففي مراحل مبكرة من الحياة، يرتبط التعبير عن الرأي بالرغبة في إثبات الحضور والدفاع عن الموقف وإقناع الآخرين. ومع اتساع التجربة، يتغير هذا الفهم، إذ يكتشف الإنسان أن كثرة الكلام لا تعني بالضرورة قوة الموقف، وأن بعض النقاشات لا تقود إلى فهم أعمق بقدر ما تطيل الخلاف.

ويرتبط كثير من الكلام بحاجتنا إلى أن نحافظ على صورتنا أمام الآخرين، فالفرد لا يتحدث دائماً للتعبير عن فكرة، وإنما قد يتحدث أيضاً ليحافظ على موقعه داخل التفاعل الاجتماعي. لذلك تتحول بعض الاختلافات إلى مواجهات، ويصبح التراجع عن الرأي وكأنه خسارة، ويغدو سوء الفهم سبباً لمزيد من التبرير. فالمجتمع لا يعلّم الإنسان ما يقوله فقط، بل يضع أمامه، بصورة مباشرة أو ضمنية، تصورات عما يعنيه أن يكون قوياً، واثقاً، ثابتاً، أو قادراً على الدفاع عن موقفه. ولهذا قد يشعر الإنسان أحياناً بأن الاعتراف بالخطأ أو التراجع عن موقفه يتعارض مع الصورة الاجتماعية التي ينتظر منه الحفاظ عليها، فيستمر في الدفاع حتى عندما لا يعود الدفاع متعلقاً بقوة الفكرة نفسها، وإنما بما يترتب على التراجع عنها داخل التفاعل.

وعندئذ، قد تتحول بعض النقاشات من مساحة لتبادل الأفكار إلى اختبار اجتماعي للثبات والمكانة. فكل طرف لا يدافع عن رأيه فحسب، بل يتعامل أيضاً مع ما يفرضه الموقف من توقعات حول كيفية التصرف، هل يتراجع أم يصر، هل يعترف بالخطأ أم يواصل التبرير، وهل يظهر مرونة في موقفه أم يتمسك به حتى النهاية؟ ومع تكرار هذه التفاعلات، قد يصبح الإصرار على الرأي وسيلة للحفاظ على موقع اجتماعي أكثر منه تعبيراً عن قوة القناعة. وفي هذه الحالة، لا يعود استمرار النقاش دليلاً على أهمية الموضوع، بل قد يكون نتيجة لتحول الاختلاف نفسه إلى اختبار للثبات والقدرة على الدفاع.

ومع النضج، يبدأ الإنسان في الفصل بين قيمة ذاته وبين صحة مواقفه. فيدرك أن الاعتراف بالخطأ لا ينتقص من مكانته، وأن تغيير الرأي عندما تتغير القناعة ليس ضعفاً، وأن الاختلاف مع الآخرين لا يفرض عليه الدخول في معركة لإثبات ذاته. وبذلك تخف حاجته إلى تحويل كل اختلاف إلى مواجهة، ويصبح أكثر قدرة على وضع بعض المواقف في حدودها، بدل أن يسمح لها بأن تتوسع أكثر مما تستحق.

ويأخذ الصمت معنى مختلفاً عندما يصبح الإنسان أكثر وعياً بموقفه. فقد يكون الكلام في بعض الحالات ضرورة حتى لا يتحول الصمت إلى قبول، بينما يصبح في حالات أخرى مجرد استجابة لخلاف لا يحتاج إلى مزيد من الكلام. لذلك لا يرتبط النضج بكثرة الكلام أو الصمت، وإنما بالقدرة على قراءة الموقف قبل اختيار أحدهما.

ويمتد هذا التحول إلى علاقة الإنسان بصورته أمام الآخرين. فمع النضج، يدرك أن صورته لن تكون متطابقة في عيون الجميع، وأن محاولة تصحيح كل انطباع عنه يمكن أن تستنزف جزءاً كبيراً من حياته. لذلك لا يجعل فهم الآخرين له شرطاً لاستقراره، وإنما يوضح موقفه عندما يكون التوضيح ضرورياً، ثم يترك للآخرين مساحة تكوين أحكامهم.

بذلك يصبح النضج أكثر من مجرد تغير في طريقة الكلام، إنه تغير في طريقة التعامل مع ما يحدث حول الإنسان. فبعض المواقف التي كانت تستحوذ على اهتمامه تفقد قدرتها على ذلك، وبعض الخلافات التي كان يرى ضرورة لحسمها تصبح أقل أهمية. لا يعني هذا تراجع اهتمامه بالآخرين، وإنما يعني أن نظرته أصبحت أكثر تمييزاً بين ما يستحق الوقوف عنده وما يمكن تجاوزه.

وفي نهاية المطاف، لا يتغير الإنسان الناضج لأنه فقد رغبته في الكلام، بل لأنه لم يعد بحاجة إلى أن يكون حاضراً في كل شيء. يعرف أن بعض المواقف تحتاج إلى كلمة واضحة، وأن بعضها ينتهي حين يتوقف الإنسان عن منحه المزيد من الاهتمام. وهكذا يصبح الكلام أكثر دقة، والصمت أكثر وعياً، والحضور أكثر تحرراً من الحاجة إلى الاستجابة لكل ما يحدث حوله.

نصيحتي لك، تعلّم أن تمنح المواقف حجمها الحقيقي، فلا تتعجل في الرد على كل ما يثيرك، ولا تجعل كل اختلاف يستنزفك. امنح نفسك وقتاً للتفكير قبل أن تتكلم، واختر كلماتك حين يكون لها معنى، واترك بعض الأمور تمر دون أن تحملها معك. فالنضج لا يظهر في قدرتك على الرد دائماً، بل في قدرتك على معرفة ما يستحق ردك وما لا يستحقه.

---------------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...