د. حسام الدين فياض - هل نختار ما نطمح إليه؟

" ما نطمح إليه يقول شيئاً عن أنفسنا، لكنه يكشف أيضاً عن البيئة الاجتماعية التي نشأنا فيها، فأحلامنا الشخصية تحمل صوراً عن النجاح والمكانة والحياة التي تعلمنا أن نراها جديرة بالسعي " (الكاتب).
يهدف المقال الحالي إلى الإجابة عن سؤال جوهري: من أين جاءت طموحاتنا في الأصل؟

يحمل كل إنسان صورة عن المستقبل الذي يريد أن يعيشه، ويبدو له في البداية امتداداً طبيعياً لرغباته الشخصية. غير أن هذه الصورة تتشكل داخل عالم اجتماعي يسبقه منذ الطفولة، فالأسرة تقدم أول تصور عن النجاح، والمدرسة تفتح بعض الاحتمالات، والمجتمع يعرض نماذج معينة للحياة، بينما تمنح الثقافة الإنسان اللغة التي يفهم بها طموحاته وتوقعاته. يتعلم الفرد ما الذي يستحق أن يطمح إليه، وما الذي يمنحه المكانة، وما الذي يجعل الحياة ناجحة في نظر الآخرين. لذلك تختلف صور المستقبل باختلاف البيئات الاجتماعية والثقافية، فالحلم يبدأ داخل الإنسان، لكنه يتشكل أيضاً من العالم الذي تعلم فيه معنى النجاح والحياة التي يريدها.

ويمتد هذا التأثير إلى الطريقة التي يتصور بها الإنسان قدرته على الوصول إلى ما يريد. فالمجتمع الذي يربط التقدم بالتعلم والعمل والمثابرة يعزز الإحساس بالفعل والمسؤولية، بينما قد تمنح بيئات أخرى العلاقات أو الحظ أو الظروف مكانة أكبر في تفسير النجاح. وبذلك يتعلم الفرد، إلى جانب ما ينبغي أن يريده، ما الذي يبدو ممكناً له. فالمستقبل الذي يبدو ممكناً لشخص قد يبدو بعيداً لشخص آخر، ليس فقط بسبب اختلاف الرغبات، وإنما بسبب اختلاف الموارد والخبرات والفرص والتوقعات التي يتحرك فيها كل منهما.

ويصبح الأمر أكثر وضوحاً عندما يتحول الحلم إلى مشروع للحياة. فالرغبة في النجاح تحتاج إلى معرفة ومهارة، والاستقلال يحتاج إلى تحمل المسؤولية، والمكانة تحتاج إلى بناء ما يمنحها قيمتها. عندها يتحول المستقبل إلى سلوك يومي يظهر في طريقة إدارة الوقت والتعلم والعمل والاختيار. كما تكشف هذه المرحلة أثر القيم الاجتماعية، فالمجتمع الذي يقدر المعرفة يجعل التعلم جزءاً من الطريق إلى المستقبل، بينما قد تجعل البيئات التي تعلي من شأن المظاهر والنتائج السريعة الوصول إلى المكانة أكثر أهمية من بناء القدرة التي تستحقها. وهكذا لا تؤثر البيئة الاجتماعية فيما نطمح إليه فقط، بل في الطريقة التي نتخيل بها الطريق الذي يقود إلى هذا الطموح.

وقد يكتشف الإنسان، مع مرور الوقت، أن بعض ما يريده هو مما تعلم أن يريده. فقد يختار مهنة لأن أسرته ربطت بها النجاح، أو يسعى إلى مكانة لأنها تمثل في بيئته دليلاً على قيمة الإنسان، أو يطارد نمطاً معيناً من الحياة لأن محيطه قدمه بوصفه صورة للتفوق. وقد يصل إلى ما ظنه حلمه، ثم يكتشف أن الإنجاز لم يمنحه ما انتظره. عندئذ تبدأ مراجعة الطموح، ويتغير السؤال من كيف أصل إلى ما أريد؟ إلى ما الذي أريده فعلاً، ولماذا أريده؟ وهنا يكتشف الإنسان أن بعض رغباته كانت اختياراته بالفعل، بينما تشكل بعضها الآخر داخل منظومة من القيم والتوقعات التي اعتادها منذ وقت مبكر.

عند هذه النقطة يصبح اختيار المستقبل نوعاً من التفاوض مع البيئة الاجتماعية. يحتفظ الإنسان ببعض ما تعلمه، ويعيد تفسير بعضه، ويتخلى عن توقعات لم تعد تعبر عنه، ثم يبحث عن مساحة يستطيع فيها أن يعيش وفق اختياراته. وتظهر هنا فاعلية الفرد داخل البنية الاجتماعية، فهو يتحرك في ظروف لم يخترها، لكنه يستطيع أن يفكر فيها، وأن يراجع ما ورثه، وأن يوجه أفعاله في ضوئها. فالمجتمع يشارك في تشكيل ما نرغب فيه، لكنه لا يلغي قدرتنا على إعادة تعريف ما نريده.

وتتأثر قدرة الإنسان على تحويل طموحه إلى واقع بالموارد والفرص المتاحة له. فالتعليم الجيد، والموارد المادية، والعلاقات الداعمة، والموقع الاجتماعي، كلها توسع مجال الاختيار وتزيد فرص تحقيق الطموح. لذلك تبدو الإرادة وحدها غير كافية لفهم اختلاف النتائج، فالاختيارات تتحرك داخل فرص متفاوتة، والمسافة بين الحلم وإمكان تحقيقه تتأثر بالسياق الاجتماعي الذي يعيش فيه الفرد. ولهذا قد يتساوى الناس في الطموح، لكنهم لا يتساوون بالضرورة في الشروط الاجتماعية التي تسمح لهم بتحويله إلى واقع.

ومع اتساع خبرة الإنسان بالحياة، يصبح أكثر قدرة على التمييز بين ما يريد وما تعود على الرغبة فيه، وبين ما يحقق له معنى حقيقياً وما يمنحه فقط اعتراف الآخرين. وهنا يبدأ الطموح نفسه في الخضوع للمراجعة، لا من حيث إمكانية تحقيقه فقط، وإنما من حيث قيمته بالنسبة إلى الإنسان. فليس كل ما يمنحه المجتمع مكانة يستحق بالضرورة أن نجعله غاية، وليس كل ما يلقى التقدير الاجتماعي يعبر بالضرورة عن الحياة التي نريد أن نعيشها.

وهكذا نجد أن المستقبل الذي يستحق أن نعيشه يحتاج إلى خيال يوسع أفق الممكن، وإلى عمل يمنحه فرصة للتحقق، وإلى وعي يراجع مصدر الرغبة نفسها. وبين ما تعلمناه عن الحياة وما نريد أن نعيشه، تنفتح أمام الإنسان مساحة مهمة للنضج، حين يصبح قادراً على التمييز بين ما ورثه من مجتمعه، وما اختاره بإرادته، وما يستطيع أن يعيد تشكيله. فالمستقبل يتشكل في هذه المسافة بين ما ورثناه وما اخترناه، وبين القيود التي نعيش داخلها والمساحة التي نستطيع أن نمارس فيها اختيارنا.

نصيحتي لك، انظر إلى حياتك بوصفها احتمالاً مفتوحاً، لا مشروعاً مكتمل المعالم، فالأيام تكشف للإنسان أشياء عن نفسه لم يكن يعرفها، وتعيد ترتيب أولوياته كلما اتسعت خبرته ورؤيته للعالم. فما يستحق أن نحافظ عليه ليس صورة ثابتة عن المستقبل، وإنما القدرة على أن نعيد النظر في وجهتنا كلما تغير فهمنا لأنفسنا وللحياة. فبعض التحولات الكبرى تبدأ بسؤال بسيط هل ما أسعى إليه ما زال يستحق السعي؟

----------------------------------​
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...