قرأت «المهاتر» أكثر من مرة، وفي كل قراءة كان النص يفتح
لي طريقا جديدا؛ فما بدا في القراءة الأولى عبورا في واد النار،
سرعان ما تحول إلى عبور في الإنسان نفسه: في قلقه، وشوقه،
وخيبته، ووعده المؤجل، وفي ذلك الإصرار الغريب الذي يجعل
الإنسان يواصل السير، حتى حين لا تكون الطريق كريمة معه.
وأنا، ابن البادية، لا أستطيع أن أقرأ الطريق كما يقرأه ابن
المدينة.
في البادية، للطريق فلسفة أخرى؛ فالصمت الذي يحيط بالمسافر
ليس فراغا، والصحراء التي تبدو ساكنة ليست بلا حكايات.
هناك يتعلم الإنسان أن المسافة لا تقاس بالكيلومترات وحدها،
وأن الصعود ليس ارتفاعا في المكان فقط، وإنما ارتفاع في قدرة
الإنسان على الاحتمال.
ومن هنا قرأت «المهاتر» بمنهجية أقرب إلى الوصف، ثم
التفسير، ثم الكشف عن المعنى الكامن وراء الصورة؛ فالحصى
عندك ليس حصى، والجفاف ليس جفافا، وواد النار ليس مجرد
موضع جغرافي، والدرابزين ليس قطعة حديد يتكئ عليها العابر.
إنها جميعا علامات في طريق أكبر، طريق الإنسان نحو غايته،
وما يعترضه في ذلك الطريق من عثرات ومغريات ووعود
ومتاهات.
وأحسب أن أجمل ما يستوقفني في هذا السياق هو أن المعوقات
في النص لا تظهر دائما بوصفها عوائق فقط؛ بل تتحول، في
لحظة ما، إلى أدوات لصناعة الإنجاز.
وهذه فكرة أعرفها جيدا من البادية.
فالطريق الوعر علّم أبناءها الصبر، وقلة الموارد صنعت في
أهلها القدرة على التدبير، وبعد المسافة أنشأ فيهم الاعتماد على
النفس، وقسوة الطبيعة جعلت التحمل خلقا قبل أن يكون
ضرورة. وكأن الحياة، حين تضيق مسالكها، توسع الإنسان من
الداخل.
ولذلك لم أقرأ صعودك اللولبي بوصفه مشقة عابرة؛ رأيته صورة
للإنجاز نفسه. فما من وصول حقيقي إلا وكان وراءه شيء من
التعب، وما من غاية تستحق إلا وكان الطريق إليها قد اختبر
صاحبها قبل أن يمنحه حق الوصول.
وهنا يلتقي نصك مع فلسفة الصحراء التي أعرفها: ليس كل ما
يعترض طريقك جاء ليمنعك من الوصول؛ بعض العوائق جاءت
لتصنع منك الشخص القادر على الوصول.
حتى «الكسلان» الذي يفوز في السباق، والكسيح الذي يتجاوز
الصحيح، والحسناء التي تعد ثم تنكث، والشاعر الذي يمر في
الطريق، كلها عندي ليست شخصيات أو صورا منفصلة، وإنما
وجوه مختلفة لاختبار الإنسان في طريقه. أنت تضع القارئ أمام
عالم لا تنتظم فيه النتائج دائما مع الاستحقاق، ولا تأتي فيه
الوعود على قدر الانتظار، ولا ينتصر فيه الأقوى بالضرورة.
وهذه، في ظني، إحدى طبقات «المهاتر» العميقة: أن الحياة
ليست سباقا عادلا دائما، لكنها تظل سباقا ينبغي أن نكمله.
أما القدس في النص، فهي ليست نهاية جغرافية بقدر ما تبدو لي
نهاية رمزية؛ غاية تتقدم أمام العابر كلما ظن أنه اقترب منها.
ورام الله، بصخبها المصطنع، تبدو في المقابل محطة أخرى في
هذا العبور؛ مدينة يزداد فيها الضجيج كلما احتاج الإنسان إلى
شيء من الصمت كي يسمع نفسه.
وأنا ابن الصمت، لذلك استوقفتني المدينة في نصك.
في البادية، حين يهدأ كل شيء، تسمع أشياء لا يسمعها
الضجيج: وقع الخطوة، حركة الريح، حفيف الشجر، وصوت
النفس وهي تستعيد توازنها. ولعلني لذلك أقرأ مدينتك من زاوية
مختلفة؛ فأنت تكتبها من الداخل، وأنا أراها من تخوم الصحراء،
حيث لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الأصوات ليعرف ما في
داخله.
ثم تأخذنا، يا روائي، من الطريق إلى الحب، ومن الحب إلى
الشعر، ومن الشعر إلى الناقوس والختم والتصديق؛ وكأنك لا
تترك للقارئ مستقرا. كلما ظن أنه وصل إلى معنى، فتح له
النص بابا آخر.
وهذه ليست متاهة مجانية؛ إنها تشبه الحياة نفسها.
نعد، وننتظر، ونسافر، ونصعد، ونخسر، ثم نعاود السير. وقد
نظن أحيانا أن ما أضاعنا كان عدوا لنا، ثم نكتشف بعد سنوات
أنه هو الذي صنع قدرتنا على الوصول.
ولذلك، وأنا أقرأ «المهاتر»، لم أبحث عن إجابة السؤال: إلى أين
يصل العابر؟
بل كنت أبحث عن سؤال أعمق: ماذا يصير إليه العابر بعد كل
هذا الطريق؟ وهنا تكمن قيمة الرحلة.
فالطريق لا يغير المكان وحده؛ إنه يغير سالكه.
وأظن أن هذا هو الخيط الذي جمع أطراف نصك كلها: واد النار،
القدس، رام الله، الحب، الشعر، الوعود، الناقوس... كلها صور
مختلفة لرحلة واحدة؛ رحلة الإنسان وهو يحاول أن يعبر من
حال إلى حال، ومن ظن إلى يقين، ومن عجز إلى قدرة.
يا صديقي الروائي،
أنت ابن المدينة التي تعرف ضجيجها، وأنا ابن البادية التي
أعرف صمتها، وبين الضجيج والصمت مساحة واسعة يستطيع
الأدب وحده أن يردمها.
أنت ترسل لي المدينة في قصاصات التذاكر، وأنا أستقبلها من
جهة الصحراء؛ من حيث الطريق لا يعدك بشيء، لكنك تمضي
فيه لأن التوقف ليس من طباع الذين تربوا على احتمال الطريق.
ولعل أجمل ما تعلمناه من البادية أن الإنجاز لا يولد دائما من
سهولة الطريق؛ كثيرا ما يولد من وعورته.
فالطريق السهل قد يوصلك، أما الطريق الصعب فقد يصنعك قبل
أن يوصلك.
وهكذا قرأت «المهاتر» يا نافذ؛ لا باعتبارها حكاية عابر في
الطريق، بل باعتبارها حكاية الطريق في العابر.
فامض في مهاترتك الجميلة مع المدن والطرقات والحب والشعر،
ودع الناقوس يقرع بلا فزع؛ فما دام في الطريق شيء يستحق
الوصول، فليس علينا إلا أن نواصل السير.
دمت روائيا يكتب الطريق،
ويترك للقارئ أن يكتشف أن الطريق، في النهاية، كان يكتبنا
نحن..
أمين كعابنة/ ابن البادية
لي طريقا جديدا؛ فما بدا في القراءة الأولى عبورا في واد النار،
سرعان ما تحول إلى عبور في الإنسان نفسه: في قلقه، وشوقه،
وخيبته، ووعده المؤجل، وفي ذلك الإصرار الغريب الذي يجعل
الإنسان يواصل السير، حتى حين لا تكون الطريق كريمة معه.
وأنا، ابن البادية، لا أستطيع أن أقرأ الطريق كما يقرأه ابن
المدينة.
في البادية، للطريق فلسفة أخرى؛ فالصمت الذي يحيط بالمسافر
ليس فراغا، والصحراء التي تبدو ساكنة ليست بلا حكايات.
هناك يتعلم الإنسان أن المسافة لا تقاس بالكيلومترات وحدها،
وأن الصعود ليس ارتفاعا في المكان فقط، وإنما ارتفاع في قدرة
الإنسان على الاحتمال.
ومن هنا قرأت «المهاتر» بمنهجية أقرب إلى الوصف، ثم
التفسير، ثم الكشف عن المعنى الكامن وراء الصورة؛ فالحصى
عندك ليس حصى، والجفاف ليس جفافا، وواد النار ليس مجرد
موضع جغرافي، والدرابزين ليس قطعة حديد يتكئ عليها العابر.
إنها جميعا علامات في طريق أكبر، طريق الإنسان نحو غايته،
وما يعترضه في ذلك الطريق من عثرات ومغريات ووعود
ومتاهات.
وأحسب أن أجمل ما يستوقفني في هذا السياق هو أن المعوقات
في النص لا تظهر دائما بوصفها عوائق فقط؛ بل تتحول، في
لحظة ما، إلى أدوات لصناعة الإنجاز.
وهذه فكرة أعرفها جيدا من البادية.
فالطريق الوعر علّم أبناءها الصبر، وقلة الموارد صنعت في
أهلها القدرة على التدبير، وبعد المسافة أنشأ فيهم الاعتماد على
النفس، وقسوة الطبيعة جعلت التحمل خلقا قبل أن يكون
ضرورة. وكأن الحياة، حين تضيق مسالكها، توسع الإنسان من
الداخل.
ولذلك لم أقرأ صعودك اللولبي بوصفه مشقة عابرة؛ رأيته صورة
للإنجاز نفسه. فما من وصول حقيقي إلا وكان وراءه شيء من
التعب، وما من غاية تستحق إلا وكان الطريق إليها قد اختبر
صاحبها قبل أن يمنحه حق الوصول.
وهنا يلتقي نصك مع فلسفة الصحراء التي أعرفها: ليس كل ما
يعترض طريقك جاء ليمنعك من الوصول؛ بعض العوائق جاءت
لتصنع منك الشخص القادر على الوصول.
حتى «الكسلان» الذي يفوز في السباق، والكسيح الذي يتجاوز
الصحيح، والحسناء التي تعد ثم تنكث، والشاعر الذي يمر في
الطريق، كلها عندي ليست شخصيات أو صورا منفصلة، وإنما
وجوه مختلفة لاختبار الإنسان في طريقه. أنت تضع القارئ أمام
عالم لا تنتظم فيه النتائج دائما مع الاستحقاق، ولا تأتي فيه
الوعود على قدر الانتظار، ولا ينتصر فيه الأقوى بالضرورة.
وهذه، في ظني، إحدى طبقات «المهاتر» العميقة: أن الحياة
ليست سباقا عادلا دائما، لكنها تظل سباقا ينبغي أن نكمله.
أما القدس في النص، فهي ليست نهاية جغرافية بقدر ما تبدو لي
نهاية رمزية؛ غاية تتقدم أمام العابر كلما ظن أنه اقترب منها.
ورام الله، بصخبها المصطنع، تبدو في المقابل محطة أخرى في
هذا العبور؛ مدينة يزداد فيها الضجيج كلما احتاج الإنسان إلى
شيء من الصمت كي يسمع نفسه.
وأنا ابن الصمت، لذلك استوقفتني المدينة في نصك.
في البادية، حين يهدأ كل شيء، تسمع أشياء لا يسمعها
الضجيج: وقع الخطوة، حركة الريح، حفيف الشجر، وصوت
النفس وهي تستعيد توازنها. ولعلني لذلك أقرأ مدينتك من زاوية
مختلفة؛ فأنت تكتبها من الداخل، وأنا أراها من تخوم الصحراء،
حيث لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الأصوات ليعرف ما في
داخله.
ثم تأخذنا، يا روائي، من الطريق إلى الحب، ومن الحب إلى
الشعر، ومن الشعر إلى الناقوس والختم والتصديق؛ وكأنك لا
تترك للقارئ مستقرا. كلما ظن أنه وصل إلى معنى، فتح له
النص بابا آخر.
وهذه ليست متاهة مجانية؛ إنها تشبه الحياة نفسها.
نعد، وننتظر، ونسافر، ونصعد، ونخسر، ثم نعاود السير. وقد
نظن أحيانا أن ما أضاعنا كان عدوا لنا، ثم نكتشف بعد سنوات
أنه هو الذي صنع قدرتنا على الوصول.
ولذلك، وأنا أقرأ «المهاتر»، لم أبحث عن إجابة السؤال: إلى أين
يصل العابر؟
بل كنت أبحث عن سؤال أعمق: ماذا يصير إليه العابر بعد كل
هذا الطريق؟ وهنا تكمن قيمة الرحلة.
فالطريق لا يغير المكان وحده؛ إنه يغير سالكه.
وأظن أن هذا هو الخيط الذي جمع أطراف نصك كلها: واد النار،
القدس، رام الله، الحب، الشعر، الوعود، الناقوس... كلها صور
مختلفة لرحلة واحدة؛ رحلة الإنسان وهو يحاول أن يعبر من
حال إلى حال، ومن ظن إلى يقين، ومن عجز إلى قدرة.
يا صديقي الروائي،
أنت ابن المدينة التي تعرف ضجيجها، وأنا ابن البادية التي
أعرف صمتها، وبين الضجيج والصمت مساحة واسعة يستطيع
الأدب وحده أن يردمها.
أنت ترسل لي المدينة في قصاصات التذاكر، وأنا أستقبلها من
جهة الصحراء؛ من حيث الطريق لا يعدك بشيء، لكنك تمضي
فيه لأن التوقف ليس من طباع الذين تربوا على احتمال الطريق.
ولعل أجمل ما تعلمناه من البادية أن الإنجاز لا يولد دائما من
سهولة الطريق؛ كثيرا ما يولد من وعورته.
فالطريق السهل قد يوصلك، أما الطريق الصعب فقد يصنعك قبل
أن يوصلك.
وهكذا قرأت «المهاتر» يا نافذ؛ لا باعتبارها حكاية عابر في
الطريق، بل باعتبارها حكاية الطريق في العابر.
فامض في مهاترتك الجميلة مع المدن والطرقات والحب والشعر،
ودع الناقوس يقرع بلا فزع؛ فما دام في الطريق شيء يستحق
الوصول، فليس علينا إلا أن نواصل السير.
دمت روائيا يكتب الطريق،
ويترك للقارئ أن يكتشف أن الطريق، في النهاية، كان يكتبنا
نحن..
أمين كعابنة/ ابن البادية