رسائل الأدباء رسالة إلى نافذ الرفاعي من أمين كعابنة/ ابن البادية

قرأت «المهاتر» أكثر من مرة، وفي كل قراءة كان النص يفتح
لي طريقا جديدا؛ فما بدا في القراءة الأولى عبورا في واد النار،
سرعان ما تحول إلى عبور في الإنسان نفسه: في قلقه، وشوقه،
وخيبته، ووعده المؤجل، وفي ذلك الإصرار الغريب الذي يجعل
الإنسان يواصل السير، حتى حين لا تكون الطريق كريمة معه.
وأنا، ابن البادية، لا أستطيع أن أقرأ الطريق كما يقرأه ابن
المدينة.
في البادية، للطريق فلسفة أخرى؛ فالصمت الذي يحيط بالمسافر
ليس فراغا، والصحراء التي تبدو ساكنة ليست بلا حكايات.
هناك يتعلم الإنسان أن المسافة لا تقاس بالكيلومترات وحدها،
وأن الصعود ليس ارتفاعا في المكان فقط، وإنما ارتفاع في قدرة
الإنسان على الاحتمال.
ومن هنا قرأت «المهاتر» بمنهجية أقرب إلى الوصف، ثم
التفسير، ثم الكشف عن المعنى الكامن وراء الصورة؛ فالحصى
عندك ليس حصى، والجفاف ليس جفافا، وواد النار ليس مجرد
موضع جغرافي، والدرابزين ليس قطعة حديد يتكئ عليها العابر.

إنها جميعا علامات في طريق أكبر، طريق الإنسان نحو غايته،
وما يعترضه في ذلك الطريق من عثرات ومغريات ووعود
ومتاهات.
وأحسب أن أجمل ما يستوقفني في هذا السياق هو أن المعوقات
في النص لا تظهر دائما بوصفها عوائق فقط؛ بل تتحول، في
لحظة ما، إلى أدوات لصناعة الإنجاز.
وهذه فكرة أعرفها جيدا من البادية.
فالطريق الوعر علّم أبناءها الصبر، وقلة الموارد صنعت في
أهلها القدرة على التدبير، وبعد المسافة أنشأ فيهم الاعتماد على
النفس، وقسوة الطبيعة جعلت التحمل خلقا قبل أن يكون
ضرورة. وكأن الحياة، حين تضيق مسالكها، توسع الإنسان من
الداخل.
ولذلك لم أقرأ صعودك اللولبي بوصفه مشقة عابرة؛ رأيته صورة
للإنجاز نفسه. فما من وصول حقيقي إلا وكان وراءه شيء من
التعب، وما من غاية تستحق إلا وكان الطريق إليها قد اختبر
صاحبها قبل أن يمنحه حق الوصول.
وهنا يلتقي نصك مع فلسفة الصحراء التي أعرفها: ليس كل ما
يعترض طريقك جاء ليمنعك من الوصول؛ بعض العوائق جاءت
لتصنع منك الشخص القادر على الوصول.
حتى «الكسلان» الذي يفوز في السباق، والكسيح الذي يتجاوز
الصحيح، والحسناء التي تعد ثم تنكث، والشاعر الذي يمر في
الطريق، كلها عندي ليست شخصيات أو صورا منفصلة، وإنما
وجوه مختلفة لاختبار الإنسان في طريقه. أنت تضع القارئ أمام
عالم لا تنتظم فيه النتائج دائما مع الاستحقاق، ولا تأتي فيه
الوعود على قدر الانتظار، ولا ينتصر فيه الأقوى بالضرورة.
وهذه، في ظني، إحدى طبقات «المهاتر» العميقة: أن الحياة
ليست سباقا عادلا دائما، لكنها تظل سباقا ينبغي أن نكمله.

أما القدس في النص، فهي ليست نهاية جغرافية بقدر ما تبدو لي
نهاية رمزية؛ غاية تتقدم أمام العابر كلما ظن أنه اقترب منها.
ورام الله، بصخبها المصطنع، تبدو في المقابل محطة أخرى في
هذا العبور؛ مدينة يزداد فيها الضجيج كلما احتاج الإنسان إلى
شيء من الصمت كي يسمع نفسه.
وأنا ابن الصمت، لذلك استوقفتني المدينة في نصك.
في البادية، حين يهدأ كل شيء، تسمع أشياء لا يسمعها
الضجيج: وقع الخطوة، حركة الريح، حفيف الشجر، وصوت
النفس وهي تستعيد توازنها. ولعلني لذلك أقرأ مدينتك من زاوية
مختلفة؛ فأنت تكتبها من الداخل، وأنا أراها من تخوم الصحراء،
حيث لا يحتاج الإنسان إلى كثير من الأصوات ليعرف ما في
داخله.
ثم تأخذنا، يا روائي، من الطريق إلى الحب، ومن الحب إلى
الشعر، ومن الشعر إلى الناقوس والختم والتصديق؛ وكأنك لا
تترك للقارئ مستقرا. كلما ظن أنه وصل إلى معنى، فتح له
النص بابا آخر.
وهذه ليست متاهة مجانية؛ إنها تشبه الحياة نفسها.
نعد، وننتظر، ونسافر، ونصعد، ونخسر، ثم نعاود السير. وقد
نظن أحيانا أن ما أضاعنا كان عدوا لنا، ثم نكتشف بعد سنوات
أنه هو الذي صنع قدرتنا على الوصول.
ولذلك، وأنا أقرأ «المهاتر»، لم أبحث عن إجابة السؤال: إلى أين
يصل العابر؟
بل كنت أبحث عن سؤال أعمق: ماذا يصير إليه العابر بعد كل
هذا الطريق؟ وهنا تكمن قيمة الرحلة.
فالطريق لا يغير المكان وحده؛ إنه يغير سالكه.
وأظن أن هذا هو الخيط الذي جمع أطراف نصك كلها: واد النار،
القدس، رام الله، الحب، الشعر، الوعود، الناقوس... كلها صور
مختلفة لرحلة واحدة؛ رحلة الإنسان وهو يحاول أن يعبر من
حال إلى حال، ومن ظن إلى يقين، ومن عجز إلى قدرة.
يا صديقي الروائي،
أنت ابن المدينة التي تعرف ضجيجها، وأنا ابن البادية التي
أعرف صمتها، وبين الضجيج والصمت مساحة واسعة يستطيع
الأدب وحده أن يردمها.
أنت ترسل لي المدينة في قصاصات التذاكر، وأنا أستقبلها من
جهة الصحراء؛ من حيث الطريق لا يعدك بشيء، لكنك تمضي
فيه لأن التوقف ليس من طباع الذين تربوا على احتمال الطريق.
ولعل أجمل ما تعلمناه من البادية أن الإنجاز لا يولد دائما من
سهولة الطريق؛ كثيرا ما يولد من وعورته.
فالطريق السهل قد يوصلك، أما الطريق الصعب فقد يصنعك قبل
أن يوصلك.
وهكذا قرأت «المهاتر» يا نافذ؛ لا باعتبارها حكاية عابر في
الطريق، بل باعتبارها حكاية الطريق في العابر.
فامض في مهاترتك الجميلة مع المدن والطرقات والحب والشعر،
ودع الناقوس يقرع بلا فزع؛ فما دام في الطريق شيء يستحق
الوصول، فليس علينا إلا أن نواصل السير.
دمت روائيا يكتب الطريق،
ويترك للقارئ أن يكتشف أن الطريق، في النهاية، كان يكتبنا
نحن..
أمين كعابنة/ ابن البادية

تعليقات

غانية ملحيس

هنيئا لكما بهذه الصداقة الجميلة، وهذا الحوار السياسي الأدبي
الممتع.

لعل أجمل ما في «المهاتر»، نص ابن المدينة المشاغب نافذ
الرفاعي، أنها استدعت ابن البادية المتحفز أمين كعابنة، ليواجه
ضجيج رام الله المصطنع بصرامة سكون الصحراء.
نافذ، كتبت الطريق من داخل المدينة، وحين قلت «رام الله مدينة
الصخب المصطنع»، لم تكن تشير إلى مكان جغرافي فقط، بل
فتحت بابا لقراءة ما وراء المدينة: صخب المشهد، وتزاحم
الوعود، ونكوث العهود، والامتيازات والأصوات، وحاجة
الإنسان، وسط كل ذلك، إلى أن يستعيد طريقه ويسمع نفسه.
وجاء أمين من تخوم البادية، فالتقط الإشارة ونقلها إلى مستوى
أعمق، جعل من صمت البادية في مواجهة صخب المدينة تجربة
وقيمة، لا مجرد اختلاف في المكان.
الصمت عنده ليس فراغا، بل خبرة في الاحتمال والتدبير
والاعتماد على النفس، فيما يصبح الضجيج أحيانا وسيلة لحجب
ما ينبغي أن نراه ونسمعه.
ولعل أجمل ما فعله أمين أنه لم يفسر «المهاتر» فقط، بل دخل
معها في حوار، حتى بدت البادية وكأنها تقرأ المدينة من
خارجها، ويصبح الأدب هو المساحة التي تلتقي فيها التجربتان.
أما عبارته: «لم أقرأ المهاتر باعتبارها حكاية عابر في الطريق،
بل باعتبارها حكاية الطريق في العابر»، فأراها مفتاحا جميلا
للنصين معا. فالطريق عند ابن المدينة ليس مجرد وصول، وعند
ابن البادية ليس مجرد مشقة؛ إنه ما يصنع الإنسان وهو يمضي
فيه.
جميل هذا الحوار بينكما: مدينة تكتب ضجيجها من الداخل،
وبادية تقرأ ذلك الضجيج من جهة الصمت. وبينهما يظل الأدب
قادرا على أن يجعلنا نرى المكان والإنسان، وربما أنفسنا، من
زاوية لم ننتبه إليها من قبل.
مودتي لكما، وإبداعكما يفتح الطريق لبعضه بعضا.

غانية ملحيس

رد أمين كعابنة على تعليق غانية ملحيس

غانيا، الأديبة...

هناك قراءات تمر على النص، وقراءات تدخل إليه، وقراءات
تعيد للنص نفسه اكتشاف بعض ما أخفاه عن صاحبه.
وتعليقك من القراءة التي لا تكتفي بأن ترى ما كُتب، بل ترى ما
كان يقف خلف الكتابة.
لقد أمسكتِ بالخيط الذي قادني إلى «المهاتر»؛ فأنا لم أقرأ
المدينة من عداوة للمدينة، ولا قرأت البادية من عصبية المكان،
وإنما قرأت النص بعين رجل علّمته البادية أن للأشياء وجها آخر
لا يظهر في زحام الكلام.
نحن أبناء البادية لا نخاف الصمت؛ فقد تربينا عليه كما تربينا
على القهوة والنار ومراقبة الأفق. والصمت عندنا ليس انقطاعا
عن الحياة، بل طريقة في فهمها.
في الصحراء، حين تقل الأشياء، تتسع دلالاتها؛ وحين يقل
الكلام، يصبح للخطوة حساب، وللظل قيمة، وللماء معنى يتجاوز
الماء.
ولذلك ربما بدت لي «المهاتر» أعمق من حكاية رجل يعبر
طريقا. رأيت فيها الطريق وهو يعبر الإنسان. وهذه ليست لعبة
لغوية؛ فالإنسان، في ظني، لا يصنع الطريق وحده، بل الطريق
يصنع منه شيئا في كل منعطف، وكل عثرة، وكل باب مغلق، وكل
مسافة اضطر أن يقطعها وحيدا.

وهنا أختلف قليلا مع الذين يرون المعوق عدوّا للإنجاز؛ فقد
علمتني البادية أن بعض المعوقات هي التي تربي في الإنسان
قوته.
فالطريق الوعر يعلّم القدم كيف تثبت، وشح الماء يعلّم صاحبه
قيمة القطرة، وبعد المسافة يعلّم المرء الصبر، وقلة الإمكانات
تفتح أبوابا في العقل ربما لا تفتحها الوفرة.
أما صخب المدينة، فلا أراه مذموما في ذاته؛ فالمدينة ابنة
أسئلتها، والبادية ابنة صمتها، وكلاهما يحمل من الحكمة بقدر ما
يحمل من الوهم. لكن الخطر يبدأ حين يصبح الضجيج بديلا عن
الحقيقة، وحين يعلو الصوت حتى لا يعود الإنسان قادرا على
سماع نفسه.
لهذا أحببت قراءتكِ التي جعلت البادية تقرأ المدينة من جهة
الصمت. فالصمت ليس دائما موقف العاجز؛ أحيانا يكون موقف
من رأى كثيرا، وفكر طويلا، واختار ألا يبدد المعنى في الكلام.

أما نافذ، فله فضل إشعال هذا الحوار. كتب من قلب المدينة، وأنا
قرأت من تخوم البادية، وبيننا لم يكن الطريق فاصلا، بل كان
جسرا. وهذا، في ظني، هو الأدب حين يكون أدبا: أن يجعل
اختلاف الأمكنة اتفاقا في الإنسان، وأن يحول المسافة بيننا إلى
مساحة للمعنى.
وأجمل ما في تعليقك أنك لم تكوني شاهدة على حوار بين كاتبين،
بل أصبحتِ طرفا ثالثا فيه؛ أضفتِ إلى النصين طريقا ثالثا لم
ننتبه إليه ونحن نكتب ونقرأ.
فلكِ من ابن البادية تقدير يليق بقارئة لم تكتفِ بأن ترى الطريق،
بل التفتت إلى ما فعله الطريق بالعابر. ولعلها خلاصة الحكاية
كلها: نحن لا نعبر الطرق وحدنا...

بعض الطرق تعبرنا، ثم تترك في أرواحنا شيئا لا يعرفه إلا من
سار طويلا، وصمت طويلا، وتأمل الأفق قبل أن يختار وجهته.

أمين كعابنة

رد غانية ملحيس على رسالة أمين كعابنة

لم يكن غريبا على ابن البادية أن يجود بهذا الكرم الطائي،
فيمنحني لقب «الأديبة»، وأنا المنتمية إلى عالم الاقتصاد
والسياسة، التي تتذوق الأدب لتلطيف عالمها الخشن.
ولعل أجمل ما في ردك أنك أعدت الحوار إلى المساحة التي
أحببتها منذ البداية: ليس صراعا بين المدينة والبادية، ولا
مفاضلة بين الصخب والصمت، وإنما اختلاف في طرائق رؤية
الإنسان والعالم.
وأعجبني تصحيحك الهادئ: «الخطر يبدأ حين يصبح الضجيج
بديلا عن الحقيقة». هنا أظن أن «رام الله» في نص نافذ تتجاوز
المكان، كما أن «البادية» في قراءتك تتجاوز الجغرافيا، كلتاهما
تتحولان إلى طريقتين في النظر إلى الإنسان وإلى الطريق.
أما قولك إنني أصبحت «طرفا ثالثا» في هذا الحوار، فأحسبه من
أجمل ما يمكن أن تمنحه الكتابة لقارئها: أن يستدعي النص قارئا،
فيستدعي القارئ نصا ثالثا لم يكن موجودا من قبل.
وهكذا فعلتما أنتما أيضا؛ نافذ كتب الطريق، وأنت قرأت ما يفعله
الطريق بالعابر، فوجدت نفسي أمام طريق ثالث: ما يفعله النص
بالقارئ.
دمت ابن البادية الذي يعرف أن الصمت ليس غياب الكلام، بل
أحيانا حضور المعنى.

مودتي لك ولنافذ، ولهذا الحوار الذي أثبت أن المسافة بين
المدينة والصحراء يمكن أن تكون جسرا يصل، لا فاصلا يقطع.

غانية ملحيس

رد نافذ الرفاعي على تعليق غانية ملحيس
 
غانية ملحيس

رد نافذ الرفاعي على تعليق غانية ملحيس


عالي الشكر دكتورة على إثراء التعليق بتعليق متميز يعكس وعيا
نقديا رفيعا وكذلك تفاعل. د امين كعابنة ابن البادية مع ما كتبت
يستحق مني لكما عالي التكريم

نافذ الرفاعي

رد غانية ملحيس على نافذ الرفاعي

وأنا أشكرك على نص أتاح لنا هذا الحوار الجميل، وعلى رحابة
صدرك التي جعلت «المهاتر» تتجاوز حدودها لتستدعي قراءات
أخرى.
أما تفاعل ابن البادية، فقد منح مهاتر ضفة أخرى، وأثبت أن
الأدب الجميل لا ينتهي عند صاحبه، بل يبدأ أحيانا حين يغادره إلى
قارئ قادر على أن يضيف إليه من تجربته ورؤيته.
سعيدة بهذا الحوار الذي جمع المدينة والبادية، والكاتب والقارئ،
وجعل من الاختلاف طريقا إلى مزيد من المعنى.
مودتي لكما، وبانتظار «مهاتر» أخرى.

غانية ملحيس
 
ملحيس

الأديبة غانية،

وأنا أقرأ ردك، توقفت عند مفارقة جميلة تستحق التأمل: كيف
لامرأة تنتمي في عملها إلى عالم الاقتصاد والسياسة، بما فيه من
أرقام وموازين ومصالح وقرارات، أن تكتب بهذه اللغة الأدبية
الرفيعة، وأن تقرأ النص بهذه الحساسية التي تتجاوز ظاهره إلى
ما وراءه؟
لعل الاقتصاد علّمك أن وراء كل رقم قيمة، ووراء كل قيمة
إنسانا، والسياسة علمتك أن وراء كل موقف سياقا، ووراء كل
قرار أثرا،
ثم جاء الأدب ليصل ما بين هذه العوالم، فيعيد للرقم روحه،
وللقرار إنسانيته، وللموقف ظلاله ومعناه. ولهذا لم أستغرب أن
تأتي حروفك بهذه الجزالة.
ففي عبارتك قوة لا تستمد حضورها من الزخرف، وإنما من
الفكرة؛ كلمات قليلة، لكنها تحمل وراءها طبقات من المعنى.
وهذا، في ظني، هو الفرق بين من يكتب ليقول شيئا، ومن يكتب
لأنه يرى في القول عالما آخر.
وأنت قلت إنك تتذوقين الأدب «لتلطيف عالمها الخشن»، وأنا
أرى أنك لم تكتفي بتلطيفه؛ بل جعلت الأدب جسرا بين عالمين.
فالاقتصاد والسياسة حين يلتقيان بالأدب لا يفقدان صرامتهما،
وإنما يكتسبان بصيرة الإنسان، ويصبح السؤال ليس فقط: كم؟
ولماذا؟ ومن يملك القرار؟ بل أيضا: ماذا فعل ذلك كله بالإنسان؟
وهنا، يا غانية، أعود إلى ما جمعنا في هذا الحوار.
ما أجمل تلاقح العقول حين لا تسأل من أين جاء الفكر، بل ماذا
أضاف!

بادية ومدينة، قرية ومخيم، اقتصاد وأدب، سياسة وفكر، صمت
الصحراء وضجيج المدن... ليست هذه عوالم متنافرة كما قد
يوحي ظاهرها، بل روافد إذا التقت أغنت بعضها بعضا.
فابن البادية يحمل إلى الحوار حكمة المكان وذاكرة الطريق،
وابن المدينة يحمل أسئلة التحول والحركة، وابن القرية يحمل
ألفة الأرض ودفء التفاصيل، والأديب يمنح الجميع لغة ترى ما
وراء المشهد، والاقتصادي يزن الأشياء في ميزان القيمة،
والسياسي يقرأها في ميزان القوة والمصلحة، ثم يأتي الفكر
ليحاول أن يجمع هذه الصور المتناثرة في معنى واحد.
وفي البادية تعلمنا أن الماء القليل إذا اجتمعت إليه روافد الأرض
صار غديرا، وأن النار الصغيرة إذا اجتمعت حولها الحطب
أضاءت مجلسا بأكمله.
وكذلك العقول؛ لا يضيئها التشابه دائما، وإنما يضيئها اختلاف
المشارب حين تحسن الإصغاء إلى بعضها.
ولذلك أعجبني قولك عن «الطريق الثالث». فالطريق الثالث ليس
طريقا بين مكانين فحسب، بل هو المساحة التي يولد فيها المعنى
من لقاء تجربتين. نافذ كتب من موقعه، وأنت قرأت من موقعك،
وأنا دخلت من باب البادية، فإذا بالنص يخرج من حدوده الأولى،
ويصير مجلسا فكريا تتجاور فيه الأمكنة والتجارب.
أما لقب «الأديبة» الذي منحته لك، فلم يكن مجاملة عابرة؛ فقد
أعطتك حروفك حقه قبل أن أعطيك إياه أنا.
وفي مجالسنا البدوية، لا يرفع الرجل قدر ضيفه بالكلام، بل بما
يرى فيه من قدر؛ وأنت رفعتِ مقام الحوار بلغتك، وجعلتِ
للاختلاف جمالا، وللمسافة جسرا، وللنص حياة أخرى.
ولعل أجمل ما خرجت به من هذا الحوار أن الحقيقة لا تسكن
مدينة وحدها، ولا بادية وحدها، ولا كتابا وحده. إنها أوسع من
ذلك كله؛ قد تولد من صمت بدوي، وتصوغها عبارة أديب،

ويحللها عقل اقتصادي، ويقرأ سياقها سياسي، ثم يأتي قارئ
آخر فيمنحها معنى لم يكن في حسبان أصحابها.
وهذه، في رأيي، إحدى فضائل الأدب حين يكون حيا: أن يفتح
للناس مجالس لا جدران لها، وأن يجعل اختلافنا في المنابع سببا
للثراء في المصب.
دمتِ أديبتنا غانية، قوية الحرف، عميقة النظر، ولتدم هذه الرفقة
الفكرية التي بدأت بنص، ثم صارت حوارا، ثم تحولت إلى طريق
ثالث نمشيه معا، وكل واحد منا يضيف إلى الطريق حجرا، حتى
يصبح الجسر أوسع من المسافة بيننا.

أمين كعابنة

رد غانية على أمين كعابنة

أمين، يا ابن البادية الذي أكسبه صمتها قدرة فريدة على تحويل
التجارب والمعارف المتجاورة إلى فضاء واسع يثريه الاختلاف
والتنوع. لقد أغدقت عليّ من كرمك الطائي حتى بات عليّ أن
أبحث عن طريقة أرد بها لقب «الأديبة» إلى صاحبه دون أن
أخسر مجلسنا الجميل.
لكن ما كتبته هذه المرة جعلني أتوقف عند فكرة أظنها الأجمل في
هذا الحوار: أن اختلاف المنابع لا يفرق العقول حين يكون بينها
إصغاء حقيقي. وربما لهذا أجد نفسي أكثر ميلا إلى عبارة «تلاقح
العقول» التي استخدمتها، فهي أصدق من فكرة التشابه، لأن
المعنى لا ينمو دائما من اتفاقنا، بل كثيرا ما يولد من المسافة بين
تجاربنا.
أما الاقتصاد والسياسة، اللذان وصفتهما بعالم الأرقام والموازين
والمصالح والقرارات، فقد علّماني أن وراء الرقم إنسانا، ووراء

القرار حياة، ووراء المصلحة أحيانا حكاية لا تظهر في جداول
الحساب. ولعل إبداعاتكم الأدبية هي ما تمنحني فرصة أن أرى ما
لا تستطيع الأرقام وحدها أن تقوله، وأن أستعيد للسياسة ظلالها
الإنسانية، وللموقف سياقه ومعناه.
وأنت، من موقع البادية، أضفت إلى هذا الحوار شيئا آخر: ذكّرتنا
بأن الصمت نفسه معرفة، وأن الطريق ليس مجرد مسافة تقطع،
بل تجربة تعيد تشكيل من يمشي فيها.
أما «الطريق الثالث» فقد أصبح الآن، بفضلك، أوسع مما توقعت؛
بدأ من نافذ، وعبر البادية معك، ثم مر بي، فإذا به يتحول من
طريق بين أمكنة إلى مساحة بين عقول وتجارب.
ولعل هذا أجمل ما يمكن أن يفعله الأدب بنا: أن يجعلنا نكتشف أن
المسافة التي تفصلنا يمكن أن تكون هي نفسها المساحة التي
تجمعنا، وأن اختلاف الأمكنة والمشارب لا يحول دون التقاء
المعنى.
مودتي لك يا أمين، ولمهندس هذا اللقاء الأدبي الجميل نافذ،
ولرفقة فكرية بدأت بـ«المهاتر»، ولا أدري إلى أين ستأخذنا
مهاتراتها القادمة!

غانية ملحيس

رد أمين كعابنة على غانية ملحيس

غانيا...تحياااتي.
حين تكون الكلمة بهذا العمق، لا يعود الرد عليها مجاملة، بل
يصبح وفاء للكلمة نفسها؛ فالكلمة التي تفتح نافذة في العقل لا
يليق بها أن تُقابل بالصمت.

وأحسب أن أجمل ما انتهى إليه حوارنا أنك لم تنظري إلى
اختلاف المنابع بوصفه مسافة تفصل، بل رأيت فيه مساحة يتسع
فيها المعنى. وهذا، في ظني، هو جوهر «تلاقح العقول»؛
فالعقول الكبيرة لا تبحث عن صورة منها في الآخر، وإنما تبحث
عما ينقصها عنده.
وأنا ابن البادية، لم أتعلم من صمتها أن أسكت، بل تعلمت أن
أصغي. فالصمت في البادية ليس فراغا؛ وراءه خبرة، وذاكرة،
وتأمل طويل في الإنسان والطريق والمكان. هناك، حيث تقل
الأشياء، تتضح قيمتها؛ وحيث تتسع المسافات بين البيوت،
تتقارب القلوب. وربما لهذا بقيت البادية في داخلي طريقة في
النظر قبل أن تكون مكانا أسكنه.
وأنت جئت إلى هذا الحوار من جهة أخرى؛ من الاقتصاد
والسياسة، حيث للأرقام سطوتها، وللقرارات آثارها، وللمصالح
حساباتها. لكنك كشفت لنا أن الرقم، مهما كان دقيقا، لا يستطيع
أن يختصر الإنسان، وأن القرار لا يُفهم تماما ما لم نر أثره في
حياة من يقع عليه. وهنا يلتقي الاقتصاد بالأدب، وتلتقي السياسة
بالإنسان، ويلتقي العقل الذي يحسب بالعقل الذي يتأمل.
ولعل هذا ما جعلني أؤمن أكثر بأن الاختلاف بيننا ليس عائقا أمام
المعرفة، بل أحد شروطها.
فالمدينة تحتاج إلى عين البادية، والبادية تحتاج إلى عقل
المدينة، والقرية تضيف تجربتها، والجامعة تضيف سؤالها،
والأدب يمنح الجميع لغة يتسع بها الحوار. وما أجمل أن تتجاور
هذه العوالم من غير أن يلغي أحدها الآخر.
أما «الطريق الثالث» فقد خرج بالفعل من حدود الطريق. لم يعد
طريقا بين نافذ والبادية، ولا بين أمكنة متباعدة؛ صار طريقا بين
رؤى مختلفة، كلما مشى فيه أحدنا أضاف إليه منعطفا جديدا.

وربما كان الطريق الحقيقي هو الذي لا يقودنا إلى نهاية، بل
يجعلنا نكتشف في كل منعطف أننا كنا نجهل شيئا جميلا.
وأما قولك إن المسافة التي تفصلنا قد تكون هي نفسها المساحة
التي تجمعنا، فأحسبها خلاصة هذا اللقاء كله.
فليس المهم أن نأتي من المكان نفسه، ولا أن نحمل التجربة
ذاتها؛ المهم أن نملك من رحابة العقل ما يجعلنا نرى في اختلاف
الآخر إضافة لا تهديدا.
لهذا، يا غانيا، لا أستطيع أن أقبل منك أن تقولي إنني منحتك
شيئا في هذا الحوار وحدي؛ فقد أخذت منك كما أخذت مني،
وربما أكثر. أنت لم تكوني عابرة في «الطريق الثالث»، بل كنت
محطة أضافت إلى الطريق معنى آخر.
ويبقى لنا صاحب الفضل الأول، نافذ، الذي ألقى حجر «المهاتر»
في الماء، ولم يكن يدري أن دوائرها ستتسع إلى هذا الحد!
فله، ولك، ولمن يمشي معنا في هذا الطريق كل التحية والمحبة
... دمتِ للعقل حين يكتب، وللكلمة حين تسمو، وللحوار حين
يتحول من اختلاف في الرأي إلى ائتلاف في المعنى.
أما المهاترات القادمة، فلا أعدكم فيها بالهدوء... فابن البادية إذا
دخل ساحة الأدب لا يحمل عصاه فقط، بل يحمل معه ذاكرة
الطريق، وفلسفة القهوة، وحكمة المجالس، وما تعلمه من
الصحراء: أن من يعرف دربه لا يخشى طول المسافة.

أمين كعابنة

رد غانية ملحيس على أمين كعابنة

أمين، يبدو أن «المهاتر» لم يكتف بأن يفتح لنا طريقا ثالثا، بل
أخذ يطيل الطريق كلما ظننا أننا بلغنا نهايته!

أقدّر كثيرا هذا الحوار الذي تجاوز النص إلى ما هو أبعد منه. إلى
فكرة أعمق أظنها تستحق أن تبقى معنا: أن العقول لا تتسع
بتشابهها، وإنما باختلاف منابعها وقدرتها على الإصغاء لما
يضيفه الآخر.
ولعل أجمل ما قلته في ردك الأخير أن العقول الكبيرة لا تبحث عن
صورة منها في الآخر، وإنما عما ينقصها عنده. هذه، في
تقديري، خلاصة الحوار كله، وربما أجمل ما يمكن أن نخرج به
من «المهاتر» وما استدعته من مهاترات.
أما قولك إنني كنت «محطة أضافت إلى الطريق معنى آخر»،
فأحسب أنني كنت مسافرة مثلكم، وما المحطات إلا أماكن يتبادل
فيها المسافرون زاد الطريق قبل أن يواصل كل منهم رحلته.
ولنافذ، صاحب الحجر الأول الذي ألقاه في ماء «المهاتر»، الشكر
على هذه الدوائر التي اتسعت أكثر مما كان يتوقع.
أما تهديدك بالمهاترات القادمة، فبعد «فلسفة القهوة» و«ذاكرة
الطريق» لا أملك إلا أن أستعد لها… مع الاحتفاظ بحقي في الرد،
فقد ثبت أن الصمت أمام بعض الكلام ليس فضيلة دائما!
مودتي لك ولنافذ، ولهذا الطريق الثالث الذي يبدو أنه لا يريد أن
يصل إلى نهاية.

غانية ملحيس
 
رد أمين كعابنة على غانية ملحيس

غانيا،
وهنا، في هذا الفجر الذي ينساب على البادية كأنه صلاة صامتة،
وجدت ردك يصل في موعد لا يشبه سواه؛ فالسماء فوقنا ما
زالت تتنافس نجومها: أيتها أبهى لمعانا، وأينا أقدر على

اختطاف العين قبل أن ينسحب الليل على مهل، فيما يعلن صياح
الديك أن موعد النهار قد أزف، ويمر نسيم البادية باردا نديّا،
يحمل من رائحة الأرض وسكينة الفجر ما يعلّم القلب أن بعض
الجمال لا يحتاج إلى ضجيج.
قرأت ردك، فوجدت «المهاتر» قد ارتقى على يديك من مشاكسة
الحروف إلى مصافحة العقول. وما أجمل أن يتحول اختلاف
المشارب إلى مورد واحد، وأن يصبح الحوار طريقا لا يضيق
بمن يسلكه، بل يتسع كلما أضاف إليه عقل جديد ظلا من
تجربته، أو قبسا من معرفته.
ولعلنا، من حيث لا ندري، مارسنا شيئا من روح «دلفاي»؛ رأي
أول، ثم رأي ثان، ثم ثالث، وكل جولة لا تلغي ما قبلها، بل تعيد
النظر فيه، حتى تتقارب العقول حول فكرة لا يملكها واحد منا
وحده. وكأن «المهاتر» لم تعد سجالا بين كاتبين، بل مجلس
خبراء صغيرا، كل واحد فيه يأتي بخبرته ومنبعه، ثم يضعها على
بساط الحوار، فلا ليغلب رأيا، وإنما ليضيف إليه.
ولهذا أراك، غانيا، لم تدخلي هذا الطريق لتكوني صوتا إضافيا
في الجوقة، بل كنت أقرب إلى خبيرة جاءت برأيها، فحرّكت رأيا،
ثم استدعت رأيا، حتى بدا لنا أن الفكرة نفسها تتشكل بيننا على
مهل. وأحسب أن هذه منزلة لا تمنحها الكلمات مجاملة، بل
يثبتها حضور العقل حين يترك أثرا بعد انفضاض المجلس.
وأما قولك إنك كنت مسافرة مثلنا، فأحسبك تجاملين الطريق أكثر
مما ينبغي؛ فبعض المسافرين لا يكتفون بحمل زادهم، بل يتركون
على جانبي الطريق علامات يهتدي بها من يأتي بعدهم. وأنت في
هذا الحوار لم تكوني محطة عابرة، بل كنت من تلك المحطات
التي إذا نزل بها المسافر استراح عقله قبل جسده، وأعاد ترتيب
ما في جرابه من أفكار.

ولعل في قولك عن العقول الكبيرة ما يستحق أن يكتب على باب
كل مجلس: ليست الحكمة أن نبحث في الآخر عن نسخة منا،
وإنما أن نرى فيه ما لا نملكه، فنستزيد به دون أن نفقد ملامحنا.
وهذا، في ظني، هو سر جمال هذا الطريق الثالث؛ بادية ومدينة،
أدب وفكر، تجربة ومعرفة، وكل واحد منا يأتي من جهته حاملا
قهوته الخاصة، ثم يجلسها إلى جوار قهوة الآخر، فلا تفسد
إحداهما الأخرى، بل يخرج من امتزاجهما مذاق جديد.
وهكذا، بين رأي ورأي، كنا كأهل مجلس في ليلة بادية؛ لا يرفع
أحد صوته ليغلب الآخر، وإنما تضاف القهوة إلى القهوة، والرأي
إلى الرأي، حتى يستوي الحديث على نار هادئة، ويخرج منه زاد
يصلح للطريق.
أما نافذ، صاحب الحجر الأول في ماء «المهاتر»، فله علينا
الشكر؛ فقد ألقى حجرا صغيرا، فإذا بالدوائر تمتد حتى بلغت
تخوم الفجر!
وأما تهديدك اللطيف بالمهاترات القادمة، فقد وصلني واضحا،
وإن كنت لا أدري أهو تهديد أم دعوة مقنعة إلى جولة جديدة.
لكنني أقول لك من الآن: ابن البادية لا يرد الدعوة، ولا يترك
ساحة الحوار خالية، ولا يسلم الراية قبل أن يقول ما عنده.
وإن كانت «فلسفة القهوة» و«ذاكرة الطريق» قد نجتا هذه
المرة، فلا ضمان لهما في الجولة القادمة!
ومع ذلك، سأترك للفجر شيئا من الهدوء، وللنجوم شيئا من
التنافس، وللديك حقه في إعلان الصباح، ولن أستعجل
«المهاترة» قبل أن ترتشف البادية قهوتها الأولى.
غانيا، لقد كبرت بهذا الحوار كما كبر الحوار بك؛ وما أجمل أن
تتلاقى العقول وهي تعرف أن الاختلاف ليس خصومة، وأن
الجزالة لا تحتاج إلى صخب، وأن الكلمة حين تصدر من عقل
يعرف قدرها تستطيع أن تفتح للمعنى دروبا لا تنتهي.

ولعل هذا الطريق الثالث لا يريد فعلا أن يصل إلى نهاية؛ لأن
بعض الطرق لا تقاس بنهاياتها، بل بمن التقينا بهم ونحن نسير
فيها.
صباحك فجر من بادية هادئة، ونجمة ظلت تقاوم الضوء حتى
آخر لحظة، وقهوة لم يبدأ غليانها بعد… لكنها تعرف أن على
الطريق «مهاترة» قادمة.
والسلام لمن جعل من الكلمة جسرا، ومن الاختلاف مودة، ومن
الطريق متعة لا يريد لها أن تنتهي.

أمين كعابنة

رد غانية ملحيس على أمين كعابنة

أمين، وصلتني رسالتك مع الفجر الذي وصفته، حتى كدت أشعر
أن عليّ أن أؤجل الرد إلى أن ترتشف البادية قهوتها الأولى!
لكن يبدو أن «المهاتر» أبت إلا أن تواصل مهاترتها، وأن تتحول
من مشاكسة الحروف إلى ما سميته أنت بحق «مصافحة
العقول».
أما تشبيهك الحوار بـ«دلفاي» ومجلس الخبراء الصغير، فأحسب
أن فيه شيئا من المبالغة الكريمة التي أصبحت أخشى أن تكون
من لوازم «الكرم الطائي» الذي أغرقتني فيه منذ بدأت هذه
المهاترة!
أعجبتني كثيرا استعارة «القهوة إلى جوار القهوة»؛ ربما لأنها
تختصر ما أردناه من هذا الحوار كله: أن نجلس إلى اختلافنا دون
أن نحاول أن نغيّر مذاقه، وأن نضيف إلى قهوة الآخر ما لدينا من
تجربة، لا أن نستبدلها بقهوتنا.

وأظن أن أجمل ما انتهينا إليه، بعد كل هذه الطرق والمنعطفات،
أن الحوار الحقيقي لا يحتاج إلى منتصر، يكفيه أن يخرج كل منا
منه وهو يرى شيئا لم يكن يراه قبل أن يجلس إلى الآخر.
أما نافذ، فقد بدأ الحكاية بحجر في الماء، ولم يكن يدري أن
دوائره ستصل إلى الفجر والبادية والقهوة و«دلفاي»!
ولذلك سأترك لك الآن حق إعلان الصباح، وللديك مهمته،
وللبادية قهوتها، ولنا جميعا فسحة من الصمت… إلى أن تستيقظ
«المهاترة» القادمة من جديد.
مودتي لك ولنافذ، ولهذا الطريق الثالث الذي يبدو أن أجمل ما فيه
ليس أن يصل، بل أن يظل يعرّفنا إلى رفاق جدد في الطريق.

غانية ملحيس

رد أمين كعابنة على غانية ملحيس



غانيا،
ما أجمل أن تصل القهوة إلى القهوة، والفكرة إلى الفكرة، دون
أن يفقد أحدهما مذاقه أو خصوصيته. ولعل هذا ما منح هذه
«المهاترة» شيئا من دفء المجالس التي نعرفها في البادية؛
حيث لا يُطلب من الجليس أن يشبه جليسه، بل أن يحسن
الجلوس، وحسن الإصغاء، وطيب المداخلة. أما «دلفاي»
ومجلس الخبراء، فليست مبالغة بقدر ما هي قراءة لما صنعه
الحوار بنا؛
فقد بدأنا من فكرة، ثم أخذتنا الطرق والمنعطفات إلى آفاق لم تكن
في الحسبان. وهذا هو تلاقح العقول حين يكون الاختلاف جسرا
لا جدارا.

وأحسب أن أجمل ما في الطريق الثالث أنه لا يستعجل الوصول؛
فبعض الطرق قيمتها في الرفقة التي نكتشفها على جانبيها، وفي
البصيرة التي نعود بها إلى ديارنا.
فخذي من قهوة البادية رشفة، واتركي لنا من قهوتك رشفة،
ولندع لنافذ حق الفخر بأنه ألقى الحجر في الماء، ثم ترك الدوائر
تتسع حتى بلغت الفجر والبادية ودلفاي!
أما «المهاترة» القادمة، فموعدها مفتوح... والباب في البادية لا
يُغلق في وجه جليس، ولا تُرفع القهوة عن ضيف قبل أن يأخذ
حقه منها.
مودتي لك، ولنافذ، ولكل عقل جميل جعل من الاختلاف متعة،
ومن الحوار مضافة.

أمين كعابنة
 
تعليق عواد أبو زينة على قراءة أمين كعابنة لمهاتر نافذ
الرفاعي
بعد التحيات وأجمل الامنبات
قرات هذه القراءة باستمتاع كبير وتمعن وربما كان لذلك أكثر
من سبب، فانا ايضا أقرب الى حياة البادية أكثر مني ابن مدينة.
واستمتع بحياة الصحراء أكثر من استمتاعي بحياة المدينة إن
كان فيها كذلك متعة غير ما تخدعنا به، مع اعتذاري لمن يرى
غير ذلك. باختصار أنا أقرب الى حياة الجمل من حياة الحنطور،
وأكثر من تكسي الغرام، وأكثر من وابور عبد الوهاب، فجمال
الهودج آسر أكثر. ولذلك افهم ما يقصده الاخ كعابنة في كل قيمة
من تلك الحياة والمسالك الصحراوية أو الجبلية وما تفعله في

الشخصية الحقيقية وهندسة تلك الشخصية وتشكيلاتها، وخاصة
في الجوانب غبر المنظورة من حياة الفرد، تلك التي يقرؤها ذوو
الفراسة.
أنا لم أقرأ المهاتر ولكن السبب الثاني في استمتاعي بقراءة ما
كتبه الأخ أمين هو مدى التقاء الفلسفة فيما كتبه عنها
وتقاطعاته/ها مع قراءتي لرواية أحلام القعيد سليم، ووجدت فيما
كتبه الأخ كعابنة عن فلسفة المهاتر هو تأكيد على عناصر
الفلسفة ذاتها في كيانات أخرى، وهو المزج بين الفلسفة وعلم
النفس وعلم الاجتماع والسياسة في مزيج يثير اﻻهتمام..
على أية حال أبارك لكما الأخ نافذ والأخ امين إبداعكما وأتمنى
لكما كل التوفيق.
عواد أبو زينة

رد نافذ الرفاعي على عواد أبو زينة
استاذنا الكبير أعتز وأفتخر بك دائما وعمق تحليلك وأسعدني
تذوقك الرفيع لهذه الرسالة الجميلة من المبدع. د امين كعابنة
ابن البادية. وتعليقك يثري التفاعل مع الرسالة ويضيف لها
محبتي لكم لا تغيب
نافذ الرفاعي

رد أمين كعابنة على تعليق عواد أبو زينة

أستاذنا العزيز عواد أبو زينة، تحياتي وأجمل الأمنيات،
أسعدني تعليقك وأمتعتني قراءتك؛ لأنك لم تقرأ «المهاتر» من
سطح عبارته، بل نفذت إلى ما وراءها، حيث تصنع المسالك
الإنسان، وتعيد المشقة هندسة شخصيته في جوانبها الخفية التي
لا يقرأها إلا ذوو الفراسة.
وأضحكني وأطربني قولك إنك أقرب إلى حياة الجمل من حياة
الحنطور؛ فهذه عبارة لا تمر على ابن البادية عابرة! فالجمل
عندنا ليس دابة تحمل صاحبها فحسب، بل رفيق درب، وصاحب
صبر، وذاكرة طريق؛ يعرف موارد الماء، ويألف وعورة
المسالك، ويقطع الفيافي في سكينة من خبر الصحراء وعرف أن
الطريق لا يقاس بسرعة الوصول، وإنما بقدرة السائر على
احتمال المسافة.
ولعل لاسمك «عواد» نصيبا من هذا المعجم البدوي أيضا؛
فالأسماء عندنا ليست ألفاظا عابرة، بل ظلال لحكايات وأوصاف
وأحوال. عندنا مهجول، ومفلح، ومنصور، ومبروك، وصبيح،
وسعيد، وعواد؛ وكل اسم منها قد يحمل وراءه قصة، أو صفة،
أو موقفا، أو أمنية، حتى غدت الأسماء جزءا من ذاكرة المكان
وأهله.
وأنت، يا عواد، التقطت جوهر ما أردت أن أقوله عن نص
صديقي الروائي نافذ: أن المعوقات ليست دائما نقيضا للإنجاز،
بل كثيرا ما تكون هي المعمل الذي يصنعه. فالطريق الوعر
يصنع قدما تعرف أين تضع خطوتها، والمسافة الطويلة تصنع

نفسا طويلا، وقلة الموارد تصنع التدبير، والصحراء تصنع
الصبر، والصمت يصنع التأمل، والليل الطويل في الفلاة يعلم
صاحبه أن يهتدي إلى وجهته قبل أن تهديه العلامات. وهذه
فلسفة عشناها قبل أن نسميها فلسفة.
في البادية، لا تمنحك الأرض كل شيء جاهزا؛ ولذلك يتعلم أهلها
أن يصنعوا من القليل كثيرا، وأن يقرأوا الأثر، وأن يعرفوا دروب
الإبل من مهاجعها، وأن يميزوا مورد الماء من هيئة الأرض،
وأن يستدلوا بالنجوم حين يغيب الطريق. ولعل هذه الحياة
القاسية في ظاهرها، الكريمة في باطنها، هي التي تصنع في
الإنسان شيئا لا تمنحه الطرق المعبدة بسهولة: القدرة على
الاحتمال، ثم القدرة على الوصول.
ولهذا قرأت «المهاتر» كما يقرأ البدوي أثر الناقة على الرمل؛ لا
يرى الأثر وحده، بل يسأل: من مر من هنا؟ وإلى أين اتجه؟ وما
الذي حمله؟ وماذا ترك خلفه؟
أما ربطك قراءتي بتقاطعات الفلسفة وعلم النفس والاجتماع
والسياسة، فقد أضاف إلى الحوار طبقة أخرى؛ فحين يتجاوز
الأدب حدود الحكاية، يصبح طريقة في النظر إلى الإنسان، وما
يفعله المكان والظرف والذاكرة والسلطة والحب في تشكيله.
وأما الجمل والهَوْدج و«تكسي الغرام» و«وابور عبد الوهاب»،
فقد أعدتَ النص إلى مجلسه البدوي الأول؛ إلى تلك الحياة التي لا
تحتاج أن تشرح جمالها، لأن في الهودج هيبة، وفي الجمل

صبرا، وفي القافلة حكاية، وفي امتداد الصحراء فسحة يتسع
فيها القلب بقدر ما تضيق المسالك.
وبين نافذ ابن المدينة وأمين ابن البادية، كنت أنت هذه المرة ابن
الطريق؛ جمعت بين الرواية والفلسفة، وبين الجمل والحنطور،
وبين صمت الصحراء وضجيج المدينة، وأثبت أن الأدب يستطيع
أن يجعل الأمكنة تتصافح مهما اختلفت دروبها.
فلك التحية يا عواد، ومن البادية قهوتها، ومن صحرائها
صمتها، ومن أهلها ذلك القول الذي لا يقال لكل عابر: حي الله
من عرف الدرب، وقرأ الأثر، وفهم ما بين الخطوة والخطوة؛
فبعض الطرق لا توصلنا إلى المكان فحسب، بل تصنع منا رجالا
جديرين بالوصول.
أمين كعابنة / ابن البادية.
وقد نشر عواد أبو زينة تعليق أمين كعابنة على قراءته لتعليقه
على المهاتر تحت عنوان: رسالة من حبيب!!
إلى الأخ الطيب أمين كعابنة
القراء الكرام
من ألطاف الله ورحمته وعطفه بنا أن يبعث لنا أحيانا في أوقات
مربكة غيثا وكأنه أول الوسمي كما كانت تقول العرب. هل ما
زلتم تذكرون رائحة الارض عندما ينزل عليها أول المطر بعد
شمس القيظ وجفاف الجو؟

كما تحيي السحابة أرضا حرقها صهد القيظ، وصلتني رسالة من
أخ عزيز التقينا على صفحات هذا الفضاء مصادفة، في تعليقي
على تعليق له كتبه عما قرأ، ووجدت فيه تمايزا وتميزا أحببت
التلميح إليه، وكما قال آباؤنا: رب صدقة خير من ميعاد.
رسالة رقيقة أثلجت صدري وبعثت في نشاطا بعد كسل وخمول
وهزال غير إرادي.
ومهما كتبت عن المبادرة، مبادرة التواصل والتعارف، وعن
الرسالة فلن أوفيهما حقهما وحق من تكرم عليّ بهما. الشكر
لأخي أمين كعابنة هو أقل الواجب مني نحوه، وسوف أترك
رسالته تحكي عن ذاتها وعن خصال كاتبها ابن البادية.
عواد أبو زينة
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...