(1-10)
سبق أن تناولت إشكالات الترجمة إلى اللغة العربية في كتاب لي بعنوان "غبار الترجمة" من خلال مناقشة العديد من الكتب التي احتوت على ترجمات شكسبير، وأليوت، وألحقت كتابي هذا بمقالات أخرى سيجمعها كتاب آخر بعنوان "أوهام الترجمة" أما الكتاب الثالث المهيأ حالياً للنشر أيضاً بعنوان "محو الترجمة" فهو سيكون خاصاً بنمط من المقالات الأخرى ذات الطابع الخاص التي تتناول الشعر المترجم، ممثلا بشعرائه الكبار، وستنتهي هذه الكتب الثلاثة بكتاب رابع منجز بعنوان "أثر الترجمة" وهو إبداعي صرف يحتوي على قصائد كتبتها هي عبارة عن مخاطبات، وإحالات إلى أشعار أخرى لشعراء آخرين هم وليم شكسبير، والت ويتمان، وإزرا باوند.
مقالاتي القادمة التي سيضمها كتابي "محو الترجمة" تتناول، في البدء، أربعة أنماط من المترجمين يمثلون في شخوصهم أربعَ ظاهرات كثيراً ما تطالعنا في الترجمات السائدة الآن الظاهرة الأولى هي الترجمة التي غالباً ما تتعامل مع القصيدة باعتبارها أجزاءً، وليس عالماً مركباً من هذه الأجزاء التي لا يمكن النظر إليها إلّا عبر هذا الكلّ الجامع لها والذي من دونه تستحيل إلى أجزاءٍ مبعثرةٍ لا معنى لها.
الظاهرة الثانية لا تتعامل مع الأجزاء حسب، وإنما تغفل معاني الكلمات القاموسية ذاتها إذ تحل الكلمة بمعناها القاموسي محل الكلمة الأخرى، من دون رابطة ما سوى تشابه بعض الحروف في الكلمتين، وهذه إشكالية تضاف إلى الإشكاليات الأخرى الحاضرة عند المترجم الآخر.
الظاهرة الثالثة هي أن المترجم غير ملم بلغته نفسها أي لغة الهدف كما يطلق عليها في الدراسات التي تتناول الترجمة، فهو كثير الأخطاء النحوية والإملائية في لغته وهو على سوئه حتى في لغته يبدو مختلفاً اختلافاً كبيراً عن النمطين السابقين ليس في طرائق الترجمة وحدها، وإنما في أساليبه الدعائية، وما يرافقها عادة من ضجيج جوائز وهمية أوحقيقية له ولمن يحيط به.
أما الظاهرة الرابعة فنمطها المترجم التاجر الذي يفتقر إلى الحس والحدس الضروريين اللذين أشار لهما أمبرتو إيكو في أحد كتبه عن الترجمة حتى وإن كان على بعض المعرفة باللغتين تؤهله للترجمة.
النمطان الأول والثاني ربما تشفع لهما جديتهما وإمكاناتهما التي يمارسانها باحتراف قاصر أو اجتهادٍ يقصر هنا أو هناك، أما الثالث فهو أقرب إلى الألعبان والمهرج منه إلى المترجم في ربحه، أو خساراته في الترجمة، ولعل الرابع وإن اختلف مع الأخير إلا إنه ليس بعيداً عن الثالث في الكثير من مواصفاته؛ لذلك فإننا سنتناول الظاهرتين الأولين باعتبارهما ظاهرتين جادتين تستحقان الوقوف والدراسة الجادة التي قد تعود بالنفع على المترجمين وناقدهما والقراء معا بما يستجد عبر المناقشة من آراء ليس وراءها سوى الوضوح في ما غمض من أمور الترجمة وما يتكشف عنها من خلاصات ليست بالضرورة موضع صراع إن لم تكن موضوع تداول وفهم وتواصل ثقافيّ.
أما النمط الثالث فلا أعتقد أن ما سيتحقق سيكون مجدياً لأننا لسنا إزاء بناء لنبدي فيه أراءنا في هذا الجزء أو ذاك، وإنما إزاء أخطاء لا تليق بأي مترجم محترف، أو غير محترف وإزاء تراكم من الأسطر الخالية من أي مدلولٍ آخر، أو إشارة إلى عالم شعريّ، تماماً كما لو أننا إزاء عالم مبعثر يسمى شعراً، وليس إزاء عالم قصيدة محدد له صلابته وإيحاءاته التي تخفّف من هذه الصلابة مهما تعددت القراءات.
النمط الرابع والأخير الذي سنتناوله قد يبدو أكثر ذكاءً من الثالث ومراوغة في الترجمة التي تتخذ لدية شكلاً هو أقرب إلى اللعبة التي لا تنشد عالماً هو عالم القصيدة، أو الشعر بقدر ما تنشد العرض الشائع في السيرك.
النمط الأول هو المترجم عابد إسماعيل
الكلّ والأجزاء:
أقدّر في جهد الشاعر والمترجم عابد إسماعيل هذه القدرة على تناول أعمال كاملة بمئات القصائد لشاعرتين هما سيليفيا بلاث وأميلي ديكنسون وقد سبق لي أن تناولت ترجمته لأعمال سيليفيا بلاث الكاملة من خلال قصيدة واحدة هي أرييل، أما الآن فإنني سأتناول بضع قصائد لأميلي ديكنسون وردت متفرقة في أعمالها الشعرية المترجمة يطلق عليها "قصائد التعريف" لأوضح ما قد ينفع المترجم والقارئ معاً وبالأخص النص نفسه، فمن دون هذا الإيضاح يبدو النص مغلقاً، إن لم يكن نقيض نفسه، لا بالمفهوم الجدلي الغنيّ الذي يمنح النص امتداداً وعمقاً، وإنما بالمعنى العام لمعنى مغلق حيث النص خارج المعنى وبالتالي خارج الشعر، حينئذٍ سينتفي الإيصال، بل ستنتفي القراءة لفقدان النص الذي هو غائب وإن كان حاضراً لا بشكله، بل لفقدان الشكل والمعنى معاً.
القصائد هي: 254 ولنسمها: الأمل، 76 ولنسمها: البهجة، 764 ولنسمها التشاؤم، 1463 ولنسمها الطائر الرنان.
(الأرقام هي عناوين قصائد ديكنسون والتسمية أقيمت استناداً إلى أول كلمة في أول سطر في القصيدة ما عدا الطائر الرنان الذي لم يرد لا في العنوان ولا في المتن.)
254
بترجمة عابد إسماعيل
الأمل هذا الشيء المجنح -
الذي يحطّ على الروح -
وينشد اللحن بلا كلمات
الأعذب – في العاصفة – يُسمع –
والعاصفة لا بدّ أن تكون هوجاء –
تخيف العصفور
الذي ابقى الكثيرين دافئين
سمعتُها في أكثر البلدان برداً -
وفي أغرب البحار -
ولكن، ليس بذاك الهياج
حتى أنها طلبتْ. كسرةً – مني!
القصيدة ذاتها: 254
بترجمة عبدالكريم كاصد
"الأمل" هو ذلك الشيء المريّش
الرابض في الروح
الصادح بإغنيةٍ بلا كلمات
دون أن يتوقف أبداً
إنه أعذبُ ما نسمع في الريح الهوجاء
إذ تبدو العاصفة موجعةً
لا بدّ أن تربك الطائر الصغير
بعد أنْ منحَ الكثيرين الدفء
سمعتُه في أبرد الأقاصي
وعلى أغرب البحار
وهو حتى في أحرج أوقاته
لم يطلب منّي كسرة خبر
“Hope” is the thing with feathers –
That perches in the soul –
And sings the tune without the words-
And never stops – at all –
And sweetest – in the Gale – is heard
And sore must be the storm –
That could abash the little Bird
That kept so many warm –
من خلال الترجمتين – ترجمتي وترجمة عابد إسماعيل يتضح أنّ الأمل الذي أشارت إليه القصيدة بالحرف الكبير بين علامتي التنصيص، هو ذلك الطائر الصغير، وأنّ القصيدة تعريف له، ولكنه ليس ذلك التعريف الذي ألفناه في وصف الأشياء .. ثمة شيء آخر هو أشد صفاءً وعمقاً وغوراً في الجوهر. إنه التعريف الشعريّ الذي يبدو أكثر وضوحاً عبراستعاراته وعوالمه السحرية الغائرة، حيث العاصفة رغم كونها هوجاء لن تستطيع القضاء عليه. إنها تربكه ليرجع صادحاً حين تمر العاصفة تلك التي لا بدّ أن تكون موجعة في إرباكها له لأنه طائر في الروح تلك الروح الخفية على العاصفة، وآنّى لطير صغير أن يواجه عاصفة هوجاء!
وهو لصغره لم تنعته الشاعرة بالشيء المجنح، بل بالشيء المريّش"th thing with feathers وشتان بين المجنح والمريّش في الإيحاء.
الترجمة دقة ورهافة وحساسية لن تقل عن حساسية الشاعر في النص الاصليّ. وليس فتح قواميس وقراءة معانٍ فقط.
كما أن الطائر الصغير لم يحطّ كما ورد في ترجمة عابد إسماعيل فوق الروح، بل في الروح، ولأنه يسكن الروح فهو لا يتوقف عن الغناء.
في المقطع الأول لم تقل الشاعرة في تعريفها للطائر – الأمل أن العاصفة تخيفه بل تربكه وإلا كيف يعود ثانية للغناء من دون كلمات في المرة القادمة.
كل هذه الهنات في ترجمة الشاعر عابد إسماعيل يمكن أن نعتبرها بسيطة جائزة لا تضرّ القصيدة في فهمها العام . إنها أخطاء في جزئيات يمكن المرور بها من دون أن تضرّ المعنى أو بشكل أصح عالم القصيدة المحكم حيث لكل كلمة وحرف مكانهما في القصيدة، لكن ما إن يبدأ المقطع الثالث حتى يضيع الخيط والعصفور.. الطائر والعاصفة، إذ يختفي الطائر أي الأمل وتبرز العاصفة بكل قوتها فلمَ القصيدة إذن؟
في المقطع الثالث تشير القصيدة أو الشاعرة إلى الطائر- الأمل وليس إلى العاصفة:
سمعته في أبرد الأقاصي
أي سمعت الطائر – يا لعذابه في الأقاصي الباردة - وليس العاصفة كما جاء في ترجمة عابد إسماعيل فقلب معنى القصيدة فصار سافلها أعاليها، وأعاليها سافلها وهي تكاد تكون اجتراءً بشعاً، وإن لم يكن متعمداً، في قتل قصيدة هي من بين أجمل قصائد ديكنسون:
وفي أغرب البحار
يا له من طائر جريء مغامر لا يخاف يخوض في أغرب البحار وأشدها ضراوة، ويا لنبله فهو لا يطلب حتى في أشدّ أوقاته حراجة حتى كسرة خبز من حامله.
كيف استحال هذا المقطع الرقيق الرائع إلى مقطع لا معنى له لا ينطقه حتى بهاليل شكسبير في ترجمة عابد إسماعيل:
سمعتُها في أكثر البلدان برداً -
وفي أغرب البحار -
ولكن، ليس بذاك الهياج
حتى أنها طلبت. كسرةً – مني!
سمعتها
يقصد العاصفة
أين؟
في أماكنها المألوفة.. في أكثر البلدان برداً وفي البحار فما الغرابة في ذلك إذن؟
ولكنه سمعها ليس بذلك الهياج.
أي هياج؟
هذا يعني أنها أخف هياجاً في هذه الأماكن. فما هي الأماكن التي بدت فيها أكثر هياجاُ؟ وأين الإشارة إليها في القصيدة إن كان ثمة إشارة.
وفي النهاية:
طلبت العاصفة منه من عابد إسماعيل وليس من أميلي ديكنسون كسرة.
هل سمعتم بعاصفة تطلب كسرة خبز حتى في أشدّ الشعر سخفاً وسرياليةً؟ ولو افترضنا أن العاصفة طلبتها حقّاً فماذا تفعل بها، ولماذا؟
يا لبؤس النهاية التي لا معنى لها "من أيْ وجهٍ جئتَها" على حدّ قول الطائي أبي تمام. إنها المحو، محو الترجمة، بكلّ معانيه.
إذا كان عابد إسماعيل وهوالمترجم البارع الذي أكنُّ له كلّ الاحترام والتقدير هكذا يترجم الشعر، فما بالك بالذين سنتناولهم في مقالاتنا القادمة من أصحاب المعالي والجوائر والاحتفاءات المتواصلة بترجماتهم "العظيمة" إنها محنة لا أول لها ولا آخر، لي وللعمر الذي فيه أنا الآن، وانشغالي بالجسد وآلامه، وصراعاتي المتتالية مع أدباء على ما يجري من إساءة للأدب والشعر، وناشرين أيضاً، وقد تحكّم بالنشر في وطني، وحتى في أماكن أخرى، المرتزقة واللصوص ومحترفو سقط الكلمات.
إنها محنةٌ حقّاً.
سأواصل في مقالي القادم، على مضضٍ، الحديث عن بعض قصائد التعريف "definition poems" كما يُطلق عليها في النقد الإنكليزي الذي تناول شعر أميلي ديكنسون بالدرس، تاركاً التعليق على القصائد الأخرى في أعمالها الكاملة المترجمة إلى العربية في فرصة قادمة بعد حديثي عن الظواهر الأربع التي ذكرتها في بداية مقالي هذا.
في نهاية مقالي أورد النص الفرنسي الدقيق في ترجمة القصيدة هذه، ولا سيما في المقطع الثالث الذي يشير، بلا لبس، إلى أن الضمير عائد إلى الطائر الصغير وليس إلى العاصفة كما ورد في ترجمة عابد إسماعيل:
القصيدة كاملة باللغة الفرنسية:
« L’espérance » est la chose avec des plumes —
Se juche dans l’âme —
Et chante l’air sans les mots —
Et ne s’arrête jamais — du tout —
Et le plus doux— dans le coup de vent— on l’entend —
Et la tempête rageuse —
Cela pourrait confondre le petit oiseau
Cela a gardé tant de chaleur —
Je l’ai entendu dans la terre la plus froide —
Et sur la mer la plus étrange —
Pourtant —jamais — dans Extrémité,
Il m’a demandé une miette — de Moi.
أوردت القصيدة بالفرنسية لأقول لآولئك المتوهمين أنّ من يترجمون عن اللغة الأصل هم الذين يمكن الاعتماد عليهم وهذا وهم، ودليلنا هذه القصيدة التي أمامنا فالمترجم لقصيدة ديكنسون عن الفرنسية لن يخطئ أبداً في نسبة الضمير إلى الطائر الصغير، وليس إلى العاصفة لأن هذا ما هو واضح في اللغة الفرنسية من خلال أل التعريف الذي يختلف باختلاف الجنس فالعاصفة مؤنث، ولها أل تعريفها الخاص، والطائر مذكر وله أل تعريفه الم
سبق أن تناولت إشكالات الترجمة إلى اللغة العربية في كتاب لي بعنوان "غبار الترجمة" من خلال مناقشة العديد من الكتب التي احتوت على ترجمات شكسبير، وأليوت، وألحقت كتابي هذا بمقالات أخرى سيجمعها كتاب آخر بعنوان "أوهام الترجمة" أما الكتاب الثالث المهيأ حالياً للنشر أيضاً بعنوان "محو الترجمة" فهو سيكون خاصاً بنمط من المقالات الأخرى ذات الطابع الخاص التي تتناول الشعر المترجم، ممثلا بشعرائه الكبار، وستنتهي هذه الكتب الثلاثة بكتاب رابع منجز بعنوان "أثر الترجمة" وهو إبداعي صرف يحتوي على قصائد كتبتها هي عبارة عن مخاطبات، وإحالات إلى أشعار أخرى لشعراء آخرين هم وليم شكسبير، والت ويتمان، وإزرا باوند.
مقالاتي القادمة التي سيضمها كتابي "محو الترجمة" تتناول، في البدء، أربعة أنماط من المترجمين يمثلون في شخوصهم أربعَ ظاهرات كثيراً ما تطالعنا في الترجمات السائدة الآن الظاهرة الأولى هي الترجمة التي غالباً ما تتعامل مع القصيدة باعتبارها أجزاءً، وليس عالماً مركباً من هذه الأجزاء التي لا يمكن النظر إليها إلّا عبر هذا الكلّ الجامع لها والذي من دونه تستحيل إلى أجزاءٍ مبعثرةٍ لا معنى لها.
الظاهرة الثانية لا تتعامل مع الأجزاء حسب، وإنما تغفل معاني الكلمات القاموسية ذاتها إذ تحل الكلمة بمعناها القاموسي محل الكلمة الأخرى، من دون رابطة ما سوى تشابه بعض الحروف في الكلمتين، وهذه إشكالية تضاف إلى الإشكاليات الأخرى الحاضرة عند المترجم الآخر.
الظاهرة الثالثة هي أن المترجم غير ملم بلغته نفسها أي لغة الهدف كما يطلق عليها في الدراسات التي تتناول الترجمة، فهو كثير الأخطاء النحوية والإملائية في لغته وهو على سوئه حتى في لغته يبدو مختلفاً اختلافاً كبيراً عن النمطين السابقين ليس في طرائق الترجمة وحدها، وإنما في أساليبه الدعائية، وما يرافقها عادة من ضجيج جوائز وهمية أوحقيقية له ولمن يحيط به.
أما الظاهرة الرابعة فنمطها المترجم التاجر الذي يفتقر إلى الحس والحدس الضروريين اللذين أشار لهما أمبرتو إيكو في أحد كتبه عن الترجمة حتى وإن كان على بعض المعرفة باللغتين تؤهله للترجمة.
النمطان الأول والثاني ربما تشفع لهما جديتهما وإمكاناتهما التي يمارسانها باحتراف قاصر أو اجتهادٍ يقصر هنا أو هناك، أما الثالث فهو أقرب إلى الألعبان والمهرج منه إلى المترجم في ربحه، أو خساراته في الترجمة، ولعل الرابع وإن اختلف مع الأخير إلا إنه ليس بعيداً عن الثالث في الكثير من مواصفاته؛ لذلك فإننا سنتناول الظاهرتين الأولين باعتبارهما ظاهرتين جادتين تستحقان الوقوف والدراسة الجادة التي قد تعود بالنفع على المترجمين وناقدهما والقراء معا بما يستجد عبر المناقشة من آراء ليس وراءها سوى الوضوح في ما غمض من أمور الترجمة وما يتكشف عنها من خلاصات ليست بالضرورة موضع صراع إن لم تكن موضوع تداول وفهم وتواصل ثقافيّ.
أما النمط الثالث فلا أعتقد أن ما سيتحقق سيكون مجدياً لأننا لسنا إزاء بناء لنبدي فيه أراءنا في هذا الجزء أو ذاك، وإنما إزاء أخطاء لا تليق بأي مترجم محترف، أو غير محترف وإزاء تراكم من الأسطر الخالية من أي مدلولٍ آخر، أو إشارة إلى عالم شعريّ، تماماً كما لو أننا إزاء عالم مبعثر يسمى شعراً، وليس إزاء عالم قصيدة محدد له صلابته وإيحاءاته التي تخفّف من هذه الصلابة مهما تعددت القراءات.
النمط الرابع والأخير الذي سنتناوله قد يبدو أكثر ذكاءً من الثالث ومراوغة في الترجمة التي تتخذ لدية شكلاً هو أقرب إلى اللعبة التي لا تنشد عالماً هو عالم القصيدة، أو الشعر بقدر ما تنشد العرض الشائع في السيرك.
النمط الأول هو المترجم عابد إسماعيل
الكلّ والأجزاء:
أقدّر في جهد الشاعر والمترجم عابد إسماعيل هذه القدرة على تناول أعمال كاملة بمئات القصائد لشاعرتين هما سيليفيا بلاث وأميلي ديكنسون وقد سبق لي أن تناولت ترجمته لأعمال سيليفيا بلاث الكاملة من خلال قصيدة واحدة هي أرييل، أما الآن فإنني سأتناول بضع قصائد لأميلي ديكنسون وردت متفرقة في أعمالها الشعرية المترجمة يطلق عليها "قصائد التعريف" لأوضح ما قد ينفع المترجم والقارئ معاً وبالأخص النص نفسه، فمن دون هذا الإيضاح يبدو النص مغلقاً، إن لم يكن نقيض نفسه، لا بالمفهوم الجدلي الغنيّ الذي يمنح النص امتداداً وعمقاً، وإنما بالمعنى العام لمعنى مغلق حيث النص خارج المعنى وبالتالي خارج الشعر، حينئذٍ سينتفي الإيصال، بل ستنتفي القراءة لفقدان النص الذي هو غائب وإن كان حاضراً لا بشكله، بل لفقدان الشكل والمعنى معاً.
القصائد هي: 254 ولنسمها: الأمل، 76 ولنسمها: البهجة، 764 ولنسمها التشاؤم، 1463 ولنسمها الطائر الرنان.
(الأرقام هي عناوين قصائد ديكنسون والتسمية أقيمت استناداً إلى أول كلمة في أول سطر في القصيدة ما عدا الطائر الرنان الذي لم يرد لا في العنوان ولا في المتن.)
254
بترجمة عابد إسماعيل
الأمل هذا الشيء المجنح -
الذي يحطّ على الروح -
وينشد اللحن بلا كلمات
الأعذب – في العاصفة – يُسمع –
والعاصفة لا بدّ أن تكون هوجاء –
تخيف العصفور
الذي ابقى الكثيرين دافئين
سمعتُها في أكثر البلدان برداً -
وفي أغرب البحار -
ولكن، ليس بذاك الهياج
حتى أنها طلبتْ. كسرةً – مني!
القصيدة ذاتها: 254
بترجمة عبدالكريم كاصد
"الأمل" هو ذلك الشيء المريّش
الرابض في الروح
الصادح بإغنيةٍ بلا كلمات
دون أن يتوقف أبداً
إنه أعذبُ ما نسمع في الريح الهوجاء
إذ تبدو العاصفة موجعةً
لا بدّ أن تربك الطائر الصغير
بعد أنْ منحَ الكثيرين الدفء
سمعتُه في أبرد الأقاصي
وعلى أغرب البحار
وهو حتى في أحرج أوقاته
لم يطلب منّي كسرة خبر
“Hope” is the thing with feathers –
That perches in the soul –
And sings the tune without the words-
And never stops – at all –
And sweetest – in the Gale – is heard
And sore must be the storm –
That could abash the little Bird
That kept so many warm –
من خلال الترجمتين – ترجمتي وترجمة عابد إسماعيل يتضح أنّ الأمل الذي أشارت إليه القصيدة بالحرف الكبير بين علامتي التنصيص، هو ذلك الطائر الصغير، وأنّ القصيدة تعريف له، ولكنه ليس ذلك التعريف الذي ألفناه في وصف الأشياء .. ثمة شيء آخر هو أشد صفاءً وعمقاً وغوراً في الجوهر. إنه التعريف الشعريّ الذي يبدو أكثر وضوحاً عبراستعاراته وعوالمه السحرية الغائرة، حيث العاصفة رغم كونها هوجاء لن تستطيع القضاء عليه. إنها تربكه ليرجع صادحاً حين تمر العاصفة تلك التي لا بدّ أن تكون موجعة في إرباكها له لأنه طائر في الروح تلك الروح الخفية على العاصفة، وآنّى لطير صغير أن يواجه عاصفة هوجاء!
وهو لصغره لم تنعته الشاعرة بالشيء المجنح، بل بالشيء المريّش"th thing with feathers وشتان بين المجنح والمريّش في الإيحاء.
الترجمة دقة ورهافة وحساسية لن تقل عن حساسية الشاعر في النص الاصليّ. وليس فتح قواميس وقراءة معانٍ فقط.
كما أن الطائر الصغير لم يحطّ كما ورد في ترجمة عابد إسماعيل فوق الروح، بل في الروح، ولأنه يسكن الروح فهو لا يتوقف عن الغناء.
في المقطع الأول لم تقل الشاعرة في تعريفها للطائر – الأمل أن العاصفة تخيفه بل تربكه وإلا كيف يعود ثانية للغناء من دون كلمات في المرة القادمة.
كل هذه الهنات في ترجمة الشاعر عابد إسماعيل يمكن أن نعتبرها بسيطة جائزة لا تضرّ القصيدة في فهمها العام . إنها أخطاء في جزئيات يمكن المرور بها من دون أن تضرّ المعنى أو بشكل أصح عالم القصيدة المحكم حيث لكل كلمة وحرف مكانهما في القصيدة، لكن ما إن يبدأ المقطع الثالث حتى يضيع الخيط والعصفور.. الطائر والعاصفة، إذ يختفي الطائر أي الأمل وتبرز العاصفة بكل قوتها فلمَ القصيدة إذن؟
في المقطع الثالث تشير القصيدة أو الشاعرة إلى الطائر- الأمل وليس إلى العاصفة:
سمعته في أبرد الأقاصي
أي سمعت الطائر – يا لعذابه في الأقاصي الباردة - وليس العاصفة كما جاء في ترجمة عابد إسماعيل فقلب معنى القصيدة فصار سافلها أعاليها، وأعاليها سافلها وهي تكاد تكون اجتراءً بشعاً، وإن لم يكن متعمداً، في قتل قصيدة هي من بين أجمل قصائد ديكنسون:
وفي أغرب البحار
يا له من طائر جريء مغامر لا يخاف يخوض في أغرب البحار وأشدها ضراوة، ويا لنبله فهو لا يطلب حتى في أشدّ أوقاته حراجة حتى كسرة خبز من حامله.
كيف استحال هذا المقطع الرقيق الرائع إلى مقطع لا معنى له لا ينطقه حتى بهاليل شكسبير في ترجمة عابد إسماعيل:
سمعتُها في أكثر البلدان برداً -
وفي أغرب البحار -
ولكن، ليس بذاك الهياج
حتى أنها طلبت. كسرةً – مني!
سمعتها
يقصد العاصفة
أين؟
في أماكنها المألوفة.. في أكثر البلدان برداً وفي البحار فما الغرابة في ذلك إذن؟
ولكنه سمعها ليس بذلك الهياج.
أي هياج؟
هذا يعني أنها أخف هياجاً في هذه الأماكن. فما هي الأماكن التي بدت فيها أكثر هياجاُ؟ وأين الإشارة إليها في القصيدة إن كان ثمة إشارة.
وفي النهاية:
طلبت العاصفة منه من عابد إسماعيل وليس من أميلي ديكنسون كسرة.
هل سمعتم بعاصفة تطلب كسرة خبز حتى في أشدّ الشعر سخفاً وسرياليةً؟ ولو افترضنا أن العاصفة طلبتها حقّاً فماذا تفعل بها، ولماذا؟
يا لبؤس النهاية التي لا معنى لها "من أيْ وجهٍ جئتَها" على حدّ قول الطائي أبي تمام. إنها المحو، محو الترجمة، بكلّ معانيه.
إذا كان عابد إسماعيل وهوالمترجم البارع الذي أكنُّ له كلّ الاحترام والتقدير هكذا يترجم الشعر، فما بالك بالذين سنتناولهم في مقالاتنا القادمة من أصحاب المعالي والجوائر والاحتفاءات المتواصلة بترجماتهم "العظيمة" إنها محنة لا أول لها ولا آخر، لي وللعمر الذي فيه أنا الآن، وانشغالي بالجسد وآلامه، وصراعاتي المتتالية مع أدباء على ما يجري من إساءة للأدب والشعر، وناشرين أيضاً، وقد تحكّم بالنشر في وطني، وحتى في أماكن أخرى، المرتزقة واللصوص ومحترفو سقط الكلمات.
إنها محنةٌ حقّاً.
سأواصل في مقالي القادم، على مضضٍ، الحديث عن بعض قصائد التعريف "definition poems" كما يُطلق عليها في النقد الإنكليزي الذي تناول شعر أميلي ديكنسون بالدرس، تاركاً التعليق على القصائد الأخرى في أعمالها الكاملة المترجمة إلى العربية في فرصة قادمة بعد حديثي عن الظواهر الأربع التي ذكرتها في بداية مقالي هذا.
في نهاية مقالي أورد النص الفرنسي الدقيق في ترجمة القصيدة هذه، ولا سيما في المقطع الثالث الذي يشير، بلا لبس، إلى أن الضمير عائد إلى الطائر الصغير وليس إلى العاصفة كما ورد في ترجمة عابد إسماعيل:
القصيدة كاملة باللغة الفرنسية:
« L’espérance » est la chose avec des plumes —
Se juche dans l’âme —
Et chante l’air sans les mots —
Et ne s’arrête jamais — du tout —
Et le plus doux— dans le coup de vent— on l’entend —
Et la tempête rageuse —
Cela pourrait confondre le petit oiseau
Cela a gardé tant de chaleur —
Je l’ai entendu dans la terre la plus froide —
Et sur la mer la plus étrange —
Pourtant —jamais — dans Extrémité,
Il m’a demandé une miette — de Moi.
أوردت القصيدة بالفرنسية لأقول لآولئك المتوهمين أنّ من يترجمون عن اللغة الأصل هم الذين يمكن الاعتماد عليهم وهذا وهم، ودليلنا هذه القصيدة التي أمامنا فالمترجم لقصيدة ديكنسون عن الفرنسية لن يخطئ أبداً في نسبة الضمير إلى الطائر الصغير، وليس إلى العاصفة لأن هذا ما هو واضح في اللغة الفرنسية من خلال أل التعريف الذي يختلف باختلاف الجنس فالعاصفة مؤنث، ولها أل تعريفها الخاص، والطائر مذكر وله أل تعريفه الم