عبدالكريم كاصد - محو الترجمة (2-10)

(2-10)



كلمة لا بدّ منها قبل الشروع بمواصلة السير
في مقالتنا الثانية ستتوضح الصورة أكثر لهذه الظاهرة الأولى التي قلنا إنها تعتمد الأجزاء وليس الكل رغم براعة المترجمين الذين قد يهملون هذه القاعدة أحياناً، ناسين أن لكل قصيدة عالمها المكتمل الذي يتكشّف للذي خبر اللغة والشعر حتى ولو لم يكن على معرفة باللغة الأصل، بل ومن خلال الترجمة القاصرة ذاتها، فكثيراً ما يحدث أثناء عملي مع الآخرين، أو في جلسات معينة أن أشير إلى موضع في الأصل غير مفهوم، أو أظنه غير صحيح، وبعد الرجوع إلى الأصل من قبل المترجم الآخر إلى الأصل يتوصل إلى هذه الحقيقة، وذلك يعود إلى أننا ما زلنا نتعامل مع بيت الشعر أو السطر وليس مع القصيدة باعتبارها كلّاً، أو وحدة لها عالمها الخاص، بل ومنطقها الخاص، لذلك تكثر لدينا المهرجانات الضاجة التي تجد فيها شعراً هائجاً ينتقل من بيت إلى آخر، وكأنه في ساحة طراد؛ أي أننا إزاء أبيات لا قصيدة وقد يكون بين الأبيات ما هو شعر قد يستوقف السامع ولكن لا وجود للقصيدة ذات العالم الخاص الذي يفردها عن أي عالم آخر لقصيدة أخرى. وهذا ما انعكس في الترجمة أيضاً حيث المترجم الذي اعتاد التعامل مع الشعر بأبياته المتفرقة، وليس القصيدة بأبياتها المتماسكة بالقيام بترجمة أبيات القصيدة، قبل أن يتمثلها باعتبارها كلّاً بسبب دوافع شتى منها، ربما، جسامة المهمة التي تتطلب تركيزاً كبيراً لا يمكن تحقيقه عندما تكون إزاء مهمة ترجمة أعمال كاملة تتجاوز الآلاف، بل وقد نرى هذه الظاهرة في التحقيقات الرديئة التي أشرتُ إليها في كتب عديدة لديّ، منها كتاب "السياب.. أدونيس والإرث الثقافي" الذي صدر حديثاً، والتعليقات على أعمال البريكان التي يضمها مجلد جاهز للطبع نشرت نصفه في صفحتي هذه في تسع حلقات، وقد أوصلت، عن طريق أحد الأصدقاء إلى مدير الشؤون الثقافية الذي هو وراء مجزرة أعمال البريكان وتشويهها، إمكانية طبعه في مطابعهم، فلم يصلني ردّ، وهو الأولى من غيره بالحماس لمثل هذه الاقتراح من أجل أن يخرج عمل البريكان الذي تجاوز 1600 صفحة إلى الناس بشكله الصحيح، على الرغم من مقتي للمؤسسات وموظفيها الذين يُسمون بالكبار، وقد أخبرت الصديق الوسيط أن دار الشؤون الثقافية يمكنها بعد ذلك أن تكوّن لجنة بمعزل عني تستفيد مما جاء في الكتاب ونقده إذا شاءت، أو إهمال بعض ما جاء به من أجل إرثنا الثقافيّ العريق، فلا أدري هل أوصل الصديق ما اقترحته عليه، أم أنّ عدم الردّ سببهُ الأخ مدير الشؤون الثقافية الذي يرشحه الأغبياء إلى منصب وزارة الثقافة وكأنّ وزارة الثقافة لم يستلمها غير الأذكياء، وهذه من مهازل عراقنا الجديد الذين أعاد لنا البعثيين وهم يرتدون العمائم التي لحقتنا إلى لندن لكي ينظّموا النشاطات هم، ويفتوا بما يُنشر في المطابع العربية، أو لم ينشر ويفتخروا بنضالهم، وبالأحرى خزيهم السابق، والحاضر، واللاحق في الإساة للناس وبعضهم مخبرون. أي أنّ همومنا لم تعد تنحصر بما نسمعه عن بلادنا من سرقات بمليارات الدولارات، أو حرائق تُشب في الأسواق فيذهب ضحيتها العشرات من الناس بسبب الإهمال وسوء الإدارة والاختلاس.
كل هذه الأحداث في جهة ومؤسساتنا الثقافية المنتصرة دائما في جهة أخرى، وإلا كيف نفهم أن مؤسسة كاتحاد الأدباء وهي ضمير شعبنا يذهب القائمون عليها ومعهم العشرات ليقدموا الولاء لرئيس وزراء سابق جرت كل هذه الأحداث والمآسي والسرقات في عهده، حالهم حال النائبة "عالية نصيف"... رئيس وزراء لم يُسئ أحدٌ قبله للثقافة والفكر كما أساء هو عندما اقترح ترشيح أحط إنسان على وجه البسيطة ألا وهو "ترامب" لجائزة نوبل. ما الفرق بين ترامب وهتلر؟ هل يمكن تصور ترشيح هتلر لجائزة نوبل؟
لقد وصلت الأمور بهم إلى إهدار الأموال الهائلة للصرف على مهرجان واحد سرقاته أصبحت علناً يطلع عليها الداني والقاصي من المهتمين وغير المهتمين وهذا ما جاء على لسان أحد المسؤولين عن مالية المهرجان وما هو مثبت في كتابي "في البدء كان السيرك" الذي سيصدر قريباً.
من يتصور أّن ما يقرب من مليار دينار عراقي يصرف على مهرجان لا تسمع فيه غير الشعر الغث؟
إننا أمام مأزق حقيقيّ، أمام أعراس تقام وكأن العالم بخير، ووطننا بخير، وكل شيء على ما يرام حتى سرقة مليارات الدولارات، بل أن السرقات ذاتها أصبحت تشعل لها الحرائق في التنانير، على عادة القبائل القديمة في طقوسها البدائية تباركاً، ربما، بها وبمن قام بسرقتها من أبطال لا يزالون يتصدرون مجالس الأعراس التي أصبح صوتها هو الأعلى، رغم مآتم البلد الممتدة طولاً وعرضاً، ولعل القادم لن يكون أخف وطأة علينا جميعاً بعيدين أوقريبين من المنفى أو الوطن.
ألا سحقاً ليس لهؤلاء وإنما لمن أتى بهم رغم كل ماضيهم المكشوف، لتصبح أنت المدان؛ لأنك تقوم بكشفه باعتباره ماضياً، وعفا الله عما سلف، ولا اعتراض لنا على ذلك مثلما لا نعترض على عفو الله عما سلف، ولا على من يكتب الشعر برداءة، أو يقوم بترجمته برداءة، أوينقده برداءة، ولكن أن يُقال لنا إنهم أبرياء وإنهم أبطالُ ماضٍ لم نكتشف بطولاتهم، وإن الشاعر الردئ يُكلل بجائزة، والمترجم الرديء يُحتفل به بين فترة وأخرى، وكأنه المنتصر فهذا غاية البؤس، ولعلّ ما يجري في الوسط السياسي أهون مما يجري في وسطنا الثقافي بما لا يقاس؛ لأن الوسط السياسي يكشف لنا بين آونة وأخرى عن سارق هرب بآلاف الدولارات وتم القبض عليه، وإن تمّ إطلاقه بعد ذلك حراً، أو عن لص دفن ملياراته تحت علف الحيوانات، وعن زوجات أحرقن أكوام المليارات في التنانير، أو لصٍّ كبيرٍ يُحتفى بنزاهته باعتباره مثالاً للنزاهة ليُكتشف بعد سنة أو سنتين أنه أقذر سارق في تاريخ العراق السياسيّ، أما وسطنا الثقافي فهو الغريب العجيب! إنه يبارك من يصارعهم تاريخهم والوقائع الآن، بل ويدعو (من الدعاء) لهم بالارتقاء في مراتب البشرية للوصول إلى مناصب ليست بشريةً على الإطلاق في عراقنا الجديد، لكي يزداد العلف والكنوز المخبأة فيه، بل ويناصرهم مبدعون يريدون منا أن نكافئهم على ما ارتكبوه من جناية في تشويه أعمال كاملة للسياب وللبريكان وحقهم العقاب ولاسيما دور النشر التي قامت بهذه الجرائم وأولها "دار الرافدين" "ودار الشؤون الثقافية" الذي يديرها رئيس اتحاد أدباء كان ربيباً ومستشاراً لأسوأ رئيس وزراء، ومقاضاتهما.
يطالبني البعض بكتابة سيرتي رغم أن سيرتي احتوتها عشرات الكتب التي نشرتها وفي الحقيقة أن سيرتي هي كتابتي هذه... هي علاقتي بالحاضر وليس بماضيّ فقط... بعلاقاتي الصغيرة والكبيرة... بالصغار والكبار من الناس إذا كان هناك كبار وصغار في مجتمع اختلطت فيه القامات، فلا تدري من هو الصغير والكبير، بعد أن لم نعد قادرين على التمييز حتى في القصائد الواضحة كقصيدة ديكنسون بين الطائر الصغير والعاصفة رغم كل تعفف هذا الطائر المسكين عن طلب الأقل في الحياة: كسرة الخبز.
أينطبق هذا الخطأ على وضعنا فنتخذ الأمثال الخطأ لواقع خطأ.
ما أشق الرحلة!
وما أوحش الطريق!
وطن:
هؤلاء الذين لم يعرفوا الفضيلة إلاّ أجراً
وأولئك الواقفون، ملثمين عند مشارف الصحراء
ليمحوا الفضيلة والأجر
هؤلاء كلّهم وآخرون
قادمون من بعيد
بمركباتهم الضاجة والصامتة
(المحناة بالدم)
ينشدونك أيها الوطن
محمولاً على سديةٍ
ليودعوك هناك في أوّل حفرةٍ في الطريق
عائدين بك ذكرى قديمة
كلما اقتتلوا من جديد
في مديح الأب:
أحمد الله
أنّ أبي لم يكن موظّفاً
ولا قريباً من الدولة
ولو كان قريباً – لا سمحَ الله –
لما كان هو الأب ولا كنتُ أنا الابن
ولما قرّبَ خفّيه يوماً
- وهو مسرعٌ -
ليكفلَ سجيناً لم يكفلْهُ أخٌ
أو يقفَ بين قبيلتين
رافعاً كفّه عالياً
هازئاً بالنزاع
لا يعرف الصراع
إلّا باطلاً وحقّ
أحمدُ الله
أحمدُ الله
بعد كل هذا الفساد الذي رأيتهُ
والذي سأراه
بعينيَّ هاتين
الكليلتين

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...