د. حسام الدين فياض - الخلاف وإعادة إنتاج صورة الآخر في علاقاتنا الاجتماعية

" تتشكل صورة الآخر من خلال تاريخ علاقتنا به، لكن الخلاف قد يعيد ترتيب هذا التاريخ، فتتقدم لحظة الجرح على سنوات المودة، ويصبح الماضي أسيراً لمعنى صنعه الحاضر " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح كيف تؤثر لحظات الخلاف في طريقة استدعاء الإنسان لتاريخ علاقاته، وكيف يمكن للألم والانفعال أن يجعلا الذاكرة انتقائية، فتضخم المواقف الجارحة وتهمش ما راكمته العلاقة من مودة وثقة وتجارب مشتركة، بما يؤدي إلى إعادة تفسير العلاقة بأكملها من خلال لحظة واحدة.

تكشف لحظات الخلاف جانباً دقيقاً من طبيعة العلاقات الإنسانية، فالإنسان في أوقات الاستقرار يرى العلاقة من خلال تاريخها الكامل، بينما تضيق رؤيته عندما يشتد التوتر، فيصبح الموقف المؤلم أكثر حضوراً من سنوات المودة والتعاون. عندها تستدعي الذاكرة ما ينسجم مع الشعور القائم، فتظهر الأخطاء القديمة، وتستعيد الكلمات التي كانت قد تجاوزتها الأيام، بينما تتراجع المواقف الجميلة إلى الخلف. وهكذا يتحول الخلاف من موقف عابر إلى عدسة ينظر الإنسان من خلالها إلى العلاقة كلها، فيمنح اللحظة قدرة على تغيير صورة الماضي.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما يبدأ الإنسان في تفسير الماضي من خلال الحاضر. فالموقف الذي كان يفهم سابقاً باعتباره زلة يمكن أن يتحول أثناء الخلاف إلى دليل على طبيعة الشخص، والتصرف الذي جرى تجاوزه يصبح فجأة جزءاً من سجل طويل من الإساءة. فالإنسان في لحظة الغضب لا يستعيد ما حدث كما وقع، وإنما يعيد ترتيب الأحداث وفقاً للمعنى الذي أصبح يمنحه للعلاقة في تلك اللحظة. وعندئذ قد يكون الألم حقيقياً، بينما يتجاوز الحكم عليه حدود الحدث نفسه.

وتظهر خطورة الخلاف عندما يتحول الماضي إلى مادة للمواجهة، حيث يبدأ كل طرف في استحضار مواقف قديمة لإثبات روايته، فتتحول الذكريات من مساحة مشتركة صنعتها سنوات العلاقة إلى أدلة تستخدم ضد الآخر. ومع تكرار هذا الاستحضار تتشكل صورة جديدة للعلاقة، يطغى فيها المؤلم على الجميل، ويصبح الآخر محكوماً بالمواقف التي أثارت الخلاف. عند هذه النقطة تتراجع القدرة على رؤية الإنسان في تعدده، فالشخص الذي كان قريباً ووفياً وداعماً قد يختزل في أخطائه، وكأن السنوات التي صنعت مكانته فقدت معناها دفعة واحدة.

وتحمل هذه الظاهرة دلالة اجتماعية أعمق، فالعلاقات لا تقوم على الأحداث وحدها، وإنما على المعاني التي تتراكم حولها. فالمودة والثقة والوفاء والتجارب المشتركة تمنح العلاقة سياقاً يجعل الخطأ قابلاً للفهم داخل تاريخ أوسع. وحين يفقد الإنسان هذا السياق، يصبح الحدث الواحد قادراً على اكتساب معنى أكبر من حجمه. لذلك تقتضي عدالة الحكم أن يبقى الألم في موضعه من القصة، وأن يحتفظ الجميل بحضوره فيها، فالاعتراف بالإساءة يحفظ صدق التجربة، بينما تذكر ما كان جميلاً يحفظ توازنها.

لهذا ترتبط الحكمة في التعامل مع الخلاف بقدرة الإنسان على مقاومة الرغبة في إعادة كتابة التاريخ تحت تأثير الغضب. فلكل علاقة لحظات مؤلمة، لكنها لا تختزل تاريخها كله. وقد يكون من حق الإنسان أن يغضب، وأن يرفض الإساءة، وأن يعيد النظر في العلاقة، لكن من العدل أن يفعل ذلك وهو يرى الماضي كما كان، لا كما أصبح يبدو له في لحظة الغضب. فالخلاف يكشف أحياناً خللاً يستحق المراجعة، وقد يكون مؤشراً إلى حدود تحتاج العلاقة إلى الاعتراف بها وإعادة النظر فيها. وأخطر ما يفعله الخلاف أنه يمنح لحظة مؤلمة سلطة على تاريخ كامل، فيجعل الذاكرة تحفظ ما جرحنا أكثر مما تحفظ ما جمعنا.

وفي نهاية المطاف، قد تمنحنا الخلافات في بعض الأحيان فرصة لاكتشاف الطريقة التي بنيت بها العلاقة من البداية. فبعض العلاقات تقوم على الصمت أكثر مما تقوم على الحوار، وعلى المجاملة أكثر مما تقوم على المصارحة، وعلى تجنب المواجهة أكثر مما تقوم على معالجة أسبابها. ومع مرور الوقت تتراكم أمور كثيرة لم تجد طريقها إلى المناقشة، حتى تأتي لحظة الخلاف فتظهر دفعة واحدة. عندها يصبح ما يبدو انفجاراً بسبب موقف صغير تعبيراً عن تراكم اجتماعي طويل لم يجد مساحة للتفاوض والتصحيح. ومن هنا تصبح سلامة العلاقة مرتبطة بقدرتها على إنتاج حوار مستمر حول ما يتغير فيها، لأن ما يترك خارج المناقشة لا يختفي بالضرورة، وإنما قد يعود في لحظة لا يكون فيها الطرفان مستعدين لاستقباله.

-----------------------------------
باحث وأكاديمي سوري/ الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...