فدريكو غارثيا لوركا - مكتبة غرناطة... ترجمة: مزوار الإدريسي

الكلمة الكاملة التي ألقاها فدريكو غارثيا لوركا (1898 ـ 1936) يومَ
تدشين مكتبة بَلدَته، سبتمبر 1931


أبناء بلدتي وأصدقائي الأعزاء:
يَلزَمُني، قبل كلّ شيء، أن أَقول لكم إنني لا أتَحدَّث بل أقرأ. وأنا لا أتَحدَّث، ذلك أن نفْسَ ما حدَث لغَالْدُوس يَحدُث لكافة الشعراء والكتاب، إنه عموما اعتيادُنا على قول الأشياء سريعا وبطريقة دقيقة، ويبدو أن الخطابةَ نوعٌ أدبي تتحلَّل فيه الأفكار، فلا تبقى منها سوى موسيقى عذبة، ولكنّ الباقي تُبدِّده الريح.
دائما ما تُقرَأ جميعُ محاضراتي، وهو ما يشير إلى أنها تقتضي عملا أكثر بكثير من التحدث، ولكنْ في آخر الأمر، يكون التعبير أَكثر دوَاما، لأنه يبقى مكتوبا وأَثبت كثيرا، ولأنه يُمكِن أن يُستَخدَم تعليميّا لِمَن لا يَسمعون أو ليسوا حاضرين هنا.
أجِدُني ممتنا لهذه البلدة الساحرة حيث وُلِدت، وحيث أمضيت طفولتي السعيدة، بِسبب الاحتفاء غير المستحق الذي حظيتُ به عند إطلاق اسمي على شارع الكنيسة القديم. بِوسعكم جميعا أن تُصدِّقوا أنّني أشكركم من صميم قلبي، وأنني عندما أُسأَل في مدريد أو في مكان آخَر عن مكان وِلادتي، في استطلاعات صحافية أو في أي مكان آخَر، أُجيب بأنني وُلِدت في فْوِينْطِي ڤَاكِرُوس، لكي تَنال هذه البلدةُ اللطيفة للغاية والفائقة التحديث حظَّها أيضا -هي وشعبُ لافْوِينْطِي الممتِع والليبرالي- من المجْد، أو الشهرة اللذيْن ينبغي أن أنالَهما. وتَعلَمون جميعا أنني أُثني عليها فوْرا بصفتي شاعرا وباعتباري ابْنَها، لأنه في فحص غرناطة برُمّته، وليس هذا القول هُياما، بل لأنه لا مدينة أخرى أجمل، ولا أغنى، ولا أَكثر اقتدارا عاطفيّا من هذه البُليْدة. لا أرْغَب في إهانة أي من البلدات الجميلة في فحص غرناطة، لكنَّ لي عيْنَيْن في الوجه، والذكاءَ الكافي لأكيل المدح لِبَلدة مولِدي.
بَلدتي شُيِّدت على الماء، وتشدو السواقي في كل أنحائها، وتنمو فيها أشجار الحور الأبيض السامقة، حيثُ تَعزف الريحُ موسيقاها الناعمة في الصيف. وتوجدُ في قلبها عيْنٌ تتدفق دون توقّف، ومن فوق سطوحها تُطلّ جِبال الفَحص الزرقاء، لكنها تبقى بعيدة، مَقْصيّة، كما لو أنها لا ترغب في أن تصل صخورها إلى هنا حيث تُراب ليِّن وخصيب يُتيح الإزهارَ فيه لكل أنواع الثمار.
لا يخفى أن طبْع سكانها مميَّز بين البلدان المتاخمة، ذلك أن فتى من فْوِينْطي ڤاكِرُوس يُتعَرف إليه من بين آلاف الفتيان. هنالك سَترَونَه خفيفَ الحركة، يعتمر قبعة مائلة إلى الخلف، ويَصفع بيدين غليظتيْن، ويكون رشيقا أثناء التحادُث وأنيقا. لكنه سيكون الأوّل، ضِمن مجموعة من الأغراب الذي يَقبَل فكرة حديثة أو يَدعم حركة نبيلة.
وستَتعرَّفون إلى فتاة أصلُها من لا فْوِينْطي من بين آلاف الفتيات بِإحْساسِها بالملاحة، وبحيويتها، وبتعطُّشها للأناقة والتجاوز، ذلك أن لسُكّان هذه البلدة أحاسيسَ فنية أصلية وملموسة للغاية في الأشخاص الذين وُلِدوا فيها، إنه الإحساس الفني والحِسّ المَرِح الشبيه بقولنا هو إحساسٌ بالحياة.
لاحظتُ مرّاتٍ كثيرةً، عند دخولي إلى هذه البلدة، وجودَ شِبه ضوضاء، وارتجاف يَصدُر عن الناحية الأكثر حميمية فيها، إنها جَلبة، أو إيقاع، هو حميّة اجتماعية وفَهم إنساني. لقد جُبْت مئات ومئات من البلدات الصّغيرة مثل هذه، وتمكَّنت من أن أفحص فيها كآبةً لا تُولَد من الفقر فقط، بل من اليأس وانعدام الثقافة أيضا. إن القرويّين الذين يعيشون ملتصقين بالأرض وحْدَها يكون لديهم إحساس فظيع بالموت وحدَه، دون وجودِ ما يُعلِيهم تجاه أيام صحوة ملؤها الضحك والسلام الاجتماعي الأصلي.
لحُسن حظ فوينطي ڤاكِرُوس أنها تتوافر على ذلك. هنا يوجَد توق إلى الفرح أي إلى التقدم، أي إلى الحياة. وعليه فهو رغبة فنية، وعشق للجمال وللثقافة.
لقد رأيت كثيرا من الرجال في مجالات أخرى يَرجعون مُنهَكين من العمل إلى بيوتهم، وقد جلسوا هادئين كالتماثيل، ينتظرون يومًا آخر، وآخر، وآخر، بالإيقاع نفسِه، دون أن يَعبُر روحَهم تَوقٌ إلى المعرفة. إنهم رجال عبيدٌ للموت، دون أن يكونوا قد لمحوا حتى الأضواء والجمال اللذيْن تَبلُغُهما الروح البشرية، لأنه في العالَم لا يوجد شيءٌ سوى الحياة والموت، ويوجَد الملايين من الرجال الذين يتحدثون، ويَحْيون، وينظرون، ويأكلون، لكنهم أموات، بل أشَدّ مَوْتا من الحجارة، وأشَدّ موتا من الأموات الحقيقيِّين الذين يرقدون في نومهم تحت التراب، لأن لديهم روحا ميتة، ميِّتة كطاحونة لا تطحن، ميتة لأن لا حُبَّ لديها، ولا بذرةَ فكرة، ولا إيمان، ولا توْقَ إلى التحرر اللازمِ لدى كلِّ البشر لكي يُدعَون بشرا. وهذا هو أحد البرامج، يا أصدقائي الأعزاء، التي تَشغلني في الوقت الحاضر.
عندما يقصد شخصٌ مسرحًا، أو حفْلا موسيقيّا، أو حفلةً مهما كان نوعُها، وإذا ما كانت الحفلة تروقه، فإنه يتذكَّر فوْرا، ويَتأسّف لعدم حضور أشخاص يحبهم. "كم كان هذا سيروق لأختي، ولوالِدي،" يُردِّد في دخليته، ولا يستمتع بالعرض فِعلا إلا عبْر كآبة طفيفة. إنها الكآبة التي أُحسُّها، ليس لأجل أفراد بيتي الصغير والوضيع، ولكن لأجل كلّ المخلوقات التي بسبب عوَزِها وسوء حظها، فهي لا تُفيد من الخير الأسمى للجمال بما هو حياة، وبما هو خير، وصفاء، وشَغف.
ولذلك لا أتوافر على كتاب أبدًا، لأنَّني أُهدي ما أَقتنيه، وهي كتُب عددها لا يُعَدّ، ولذلك أنا هنا أَشْرُف وأَسْعد بتدشين مكتبة البلدة هذه، وهي الأولى في إقليم غرناطة كلِّه بالتأكيد.
لا يحيا الإنسان بالخبز وحدَه. أنا لو كنتُ جائعا، وكنتُ عاجزا في الشارع، لن أطْلُب خبزا؛ لكني كنتُ سأطلب نصف خبزة وكتابا. وأنا أهاجم من مكاني هنا بعنف مَن يتحدَّثون عن مَطالب اقتصادية فقط، دُون تَعيين المطالب الثقافية، وهو ما تُطالِب به الشعوبُ صارخةً. يَكون جيّدا أن يجِد جميعُ الناس ما يأكلونه، لكنْ ليَعْلم كلُّ الناس، وليستمتعوا بكل ثمارِ الرّوحِ الإنسانية، لأن النقيض هو تحويلهم إلى آلات في خدمة الدولة، بمعنى تحويلهم إلى عبيد لمنظَّمة اجتماعية فظيعة.
أتأسَّف كثيرا لرجل يَرغب في أن يَعرِف ولا يَقدِر، أكثر من رجل جائع، لأن الجائع يَقدِر أن يُسكت جوعه بِيُسر بكسرة خبز، أو بفواكه، لكنَّ رجُلا به توقٌ إلى المعرفة، ولا وسائل لديه، يُكابد احتضارا رهيبا، لأنّ الكُتُب، والكتُب، والكُتب الكثيرة هي ما يحتاج، وأنى له تلك الكتب؟
كتب! كتُب! ها هنا كلمة سحرية تُعادِل قولَنا: "حُبّ، حب"، والتي يَلزم الشعوبَ أن تُطالب بها مثلما تَطلب الخبز، أو كما يَصْبون إلى هطول المطر على أرضهم المَبْذورة. لَمّا كان الكاتب الروسي الشهير فْيُودُور دوستويڤسكي، أب الثورة الروسية أكثر من لينين بكثير، سجينا في سيبيريا، مُبعَدًا عن العالم، بين أربعة جدران ومُطوَّقا بسهول موحِشة من ثلوج لا نهائية، طلب النجدة في رسالة من عائلته البعيدة، لم يزد على أن قال: "اِبعثوا لي كتُبا، كتبا، كتُبا كثيرة كي لا تموت روحي!" كان يشعر بالبرد ولم يطلب نارا، كان به عطش رهيب، ولم يطلب ماء، طلب كتُبا، أي آفاقا، أي سلالم لكي يصعد إلى قمة الروح والقلب. لأن الاحتضار المادي، والبيولوجي، والطبيعي، لجسد بسبب الجوع، أو العطش، أو البرد لا يدوم كثيرا، يدوم قليلا جدّا، لكن احتضار الروح غير القنوع يَستمرّ طيلةَ الحياة.
فِعْلا لقد قال مِنِنْدِثْ پِيدَال العظيم، وهو أحد أَكثر الناس حِكمة في أوروبا، إنّ شعار الجمهورية يجب أن يكون: "الثقافة". الثقافة، لأنه عَبْرَها وحدَها يُمكِن فضّ المشاكل، التي يُصارعها اليومَ شعبُنا الذي يمتلئ إيمانا، ولكن يَنقُصه النُّور.
ولا تنسوا أن أوَّل كلِّ شيء هو النور. إن النور الذي يُبقي أثره في نزر من الأفراد هو ما يَصنع الشعوب، وأن الشعوب تعيش وتَكبُر في مقابل الأفكار التي تولد في بضعة رؤوس محظوظة، مليئة بحب أسمى تُجاه البشر الآخَرين.
لذلك، أنتم لا تعْلمون أيّ سعادة كُبرى تَغمُرني وأنا أُدشِّن مكتبة فوينطي ڤاكِرُوس العمومية! المكتبة التي هي جمْع كتُب مُجمَّعة ومنتخبَة، وصوْتٌ يناهض الجهل؛ إنها ضوء دائم يُقاوم الظلام.
لا أحد يَنتبه، وهو يُمسك كتابا بين يديه، ما كلَّف من جهد وألم وسهَر ودم. الكتاب دون مشاحة أعظم عمَل للإنسانية. في أحيان كثيرة، تكون بلدة نائمة كالماء في مستنقع في يوم لا ريح فيه، ولا حتى نأمة ارتجاج تُكدّر الحنان الناعمَ للماء. تنام الضفادع في القعر، وتكون الطيور ساكنة على الأغصان المحيطة به. لكنَّ إلقاءً فجائيا لحجر يَجعلُكم تَرَون اندياحَ دوائر متّحدة المركز، وموجات مستديرة تنداح وتدعس بعضها بعضا، وتَصطدم بالحوافّ. ستَروْن ارتعاشًا كلّيّا للماء، وغليانا للضفادع في كل الاتجاهات، وقلَقا عبر كلِّ الضِّفاف، وحتى الطيور التي تكون نائمة على الأغصان الظليلة تقفز منطلِقةً أسرابا عبر الجو الأزرق قاطبة. في أحيان كثيرة تنام بَلدة مثل مياه مستنقَع في يوم لا ريح فيه، وبِوُسع كتاب أو كتُب أن تهزَّ تلك المياه، وتُقلِقَها، وتُطلعَها على آفاق جديدة من التجاوز والوفاق.
كمْ جهدٍ كلّف الإنسانَ لكي يُنتِج كتابًا! وأيّ تأثير عظيم للغاية قد تُمارسِه الكُتُب، ومارَستْه وستُمارسُه في العالم! فِعْلا قالَها فولتير الحكيم: العالم المتحضر برُمَّته يُحكَم ببضعة كتُب: الكتاب المقدس، والقرآن، وآثار كونْفُوشْيوس وزرادشت. وتَخضَع الروح والجسد والصحة والحرية والمِلكيّة لتلك الآثار الكُبرى. وأنا أُضِيف: كل شيء يَصدُر عن الكتب، ذلك أن الثورة الفرنسية خرجت من الموسوعة وكتُبِ روسو، وكل الحركات المُجتمعية الشيوعية والاشتراكية الحالية تنطلق من كتاب عظيم؛ من "رأس المال"، لكارل ماركس.
لكن قبل أن يتمكن الإنسان من صناعة كتُب لإذاعتها، أيُّ مسرحية طويلة للغاية، وأيُّ كفاح كان عليه أن يتحمّلهما! أنجز الرجال الأوائل كتُبًا من حجارة، أي أنهم كتبوا علامات لدياناتهم على الجبال، وبما أنه لم تكن لديهم صيغة أخرى، فقد نقشوا في الصخور تَوْقَهم بهذه الرغبة في الخلود، والاستمرار قيد الحياة، وهو ما يميز الإنسان عن الدوابّ. واستخدموا المعادن لاحقا. وكان هارون، شقيق موسى، وهو كاهنُ العبرانيين وعاش منذ آلاف السنين، يَحمل لوحة من ذهب على صدره فيها نقوش، وكانت أعمال الشاعر اليوناني المُبكّر هِسْيُودوس، الذي رأى ربات الشعر التسعة يرقصن على قمم جبل هِلِيكُون، قد كُتِبتْ على ألواح من الرصاص. ولاحقا كَتَب الكلدانيون والآشوريون مخطوطاتهم ووقائع تاريخهم على اللّبِنات، وكانوا يُمرِّرون عليها مِثقابا قبل أن تُجَفَّف. لقد توافروا على مكتبات كبيرة من ألواح طينية، لأنهم كانوا بالفِعل كانوا شعوبا متقَدِّمة، وفَلكِيّين رائعين، وكانوا من الأوائل الذين شيّدوا أبراجا عالية وانصرفوا إلى دراسة القبة السماوية.
أما المصريون، فبالإضافة إلى كتابتهم على البوابات العجيبة لمَعابدهم، فقد كتبوا على أشرطة نباتية طويلة تُدعى ورق البردي، كانوا يَلُفّونها. ومعهم هنا يبدأ الكتابُ بحصر المعنى. وبما أن مصر منعتْ تصدير هذه المادة النباتية، ولرغبة من سُكّان مدينة بِيرْغامو في الحصول على الكُتُب وعلى مكتبة، فقد عنَّ لهم أن يستخدموا الجلود المُجفَّفة للحيوانات للكتابة عليها، وحينئذ ظهر الرَّقّ الذي لم يمض وقت طويل حتى هزم ورقَ البردي، وأضحى يُستعمَل فعْلا كمادّة وحيدة لصناعة الكتُب، إلى أن اكتُشِف الورق.
وبينما أحكي هذا بطريقة شديدة الاختصار، لا تنسوا أنه بين واقعة وأخرى توجَد قرون كثيرة؛ لكن الإنسان يُواصل الكفاح بأظافره، بعينيْه، بدمه، ليُخلِّد، ولِيُذيع، وليُثبِّت الفكر والجمال.
لَمَّا عَنَّ لمصر ألا تبيع البَرْدِيَّ، نطرا لحاجتها إليه، أو لعدم رغبتها في ذلك، من يكون ذاك الذي قضى لياليَ بكاملها وسنوات برُمَّتها في بيرغامو يكافح إلى أنْ خطر بباله أن يكتب على جلد حيوانات مُجفَّف؟ أيُّ رجُل أو رجال هم هؤلاء الذين وسَطَ الألم كانوا يبحثون عن مادة لنقش أفكار كبار الحُكماء والشعراء؟ ليس من فَعَل ذلك رجلا واحدا، بل هم مائة رجُل. إنها الإنسانية برُمتها من كانت تدفعُهم بشكل غريب من الخلف.
وعندئذ، وفورَ استعمالهم الرَّق، أُنْشئت مكتبة بيرغامو العظيمة، بؤرة الضوء الحقيقيّة في الثقافة الكلاسيكية، فكُتبتِ المخطوطات العظيمة. ويَقول دْيُودُورُوس الصّقَلّي إن الكتُب المقدَّسَة عند الفُرس كانت تَشغَل من جلود الرَّق ما لا يقل عن ألف ومائتي جلد ثور.
روما بكاملها كانت تكتب على الرَّق. إن كلَّ أعمال الشعراء اللاتينيين العِظام، النماذج الخالدة ذات العُمق، والكمال، والجمال، كُتِبتْ على الرق. وعلى الرَّق تبرعمت غنائية فرجيل الحادّة، وعلى الجلد نفسِه المائل إلى الاصفرار ازدهت الأضواء الكثيفة للكلمة الرائعة لسِينِيكا الإسبانيّ.
وها نحن نصِل إلى الورق. لقد عُرف الورق في الصين منذ أبعد العصور القديمة، كان يُصنَع بالأرز، وشكَّل انتشار الورق خطوة عملاقة في تاريخ العالم. ويمكنُنا بدقة تحديد اليوم الذي اخترق فيه الورقُ الصينيّ الغربَ لمَصلحة الحضارة. كان اليوم المجيد الذي وصل فيه هو 7 يوليوز 751 م.
ويتفق المؤرخون العرب والصينيون على هذا. فقد حدث أن العرب، وهم يقاتلون الصِّينيين في كوريا، أفلحوا في تخطي حدود الإمبراطورية السّماوية، وأنهم نجحوا في القبض على الكثير من الأسْرى. وكانت مهنة بعض من هؤلاء السجناء صناعةَ الورق، فعلَّموا سرَّه للعرب. نُقل هؤلاء السجناء إلى سمرقند حيث زاولوا حرفَتَهم تحت حُكم السلطان هارون الرشيد، الشخصية العبقرية التي تُعمِّر حكايات ألف ليلة وليلة.
كان الورق يُستخرَج من القطن، وبما أن هذا المنتج كان يَندُر هناك، فقد عنَّ للعرب أن يصنعُوه من الأسمال القديمة، وهكذا أسْهَموا في ظهور الورق الحالي. لكنْ توجَّب أن تَكون الكتُب مخطوطة، فكان النُّسّاخ هم من يكتبونَها، وهم رجال صبورون للغاية، وكانوا ينسخون الكُتُب صفحةً بعد أخرى، بمهارة عالية وأسلوب فائق، ولكنَّ عددَ الأشخاص الذين كان يمكنهم امتلاك هاتيْن الميزتيْن كان قليلا جدّا.
وهكذا، فبما أن مجموعات ألفاف البردي أو الرّقوق كانت مِلكا للمعابد أو للمجموعات الملكية، فقد حظيتِ المخطوطات الورقية بانتشار أوسع، ولو أنها اقتصرتْ طبيعيا على الطبقات العليا المحظوظة. وبهذه الصيغة، استُنسِخت العديد من الكتب، دون أنْ يُقلَع عن الرق بطبيعة الحال، ذلك أنه على هذا الصنف من المادة كان فنانون ساحرون يرسمون منمنمات زاهية الألوان وذات جمال وكثافة رائعيْن، حتى إن كثيرا من هذه الكتُب ما تزال تُحافظ عليها المكتبات الحالية كأنها جواهر حقيقية، وقيمتُها أَثْمن من الذهب والأحجار الكريمة الأفضل قَطْعا. لقد حصَلتُ بعشق حقيقي على العديد من هذه الكتب بين يديّ. وإن بعضا من المخطوطات العربية في مكتبة الإسْكُورْيَال وكتاب "التاريخ الطبيعي" الرائع لأَلْبِرطُو ماغْنُو، وهو مخطوطة تعود إلى القرن XIIم موجودة في جامعة غرناطة، وصُحبتَها قضيْتُ ساعات بكاملها، دون أن أستطيع صرف عيْنيّ عن رسوم الحيوانات تلك، التي نُفِّذت بفُرش أرَقّ من الهواء، حيث تتراكب الألوان الزرقاء والوردية والخضراء والصفراء على خلفيات صُنِعت من أوراق من ذهب.
لكن الإنسان كان يطلب المزيد. وكانت الإنسانية تدفع بشكل غامض بضعة رجال لكي يشُقّوا بفؤوس النورانية غابة الجهل شديدةَ الكثافة. إن الكتب، التي كانت ينبغي أن تكون للجميع، كانت، بفعل الظروف، أَشياءَ كمالية، ومع ذلك فهي أشياء ضرورية. لقد مات ملايين الرجال في الجبال وفي الوديان، في المدن وفي ضفاف الأنهار، دون أن يعرفوا ما كان يعنيه حَرْف. هكذا نُسيَت الثقافة العُظمى للعصور القديمة، وكدَّرتْ أفظعُ الخرافات الوعيَ الشعبي.
ويُقال إن ألَم المعرفة يفتح أعسر الأبواب، وهذه حقيقة. لقد حرّك هذا التّوق المشوَّش لدى الرجال اثنيْن أو ثلاثة لإنجاز دراساتهم وأبحاثهم، وهكذا ظهرت في القرن XVم أوَّل مطبعة في العالم، بمدينة مايْنتس في ألمانيا. ويتنازع العديد من الرّجال اختراعَها، لكنَّ غوتنبرغ هو الذي نفَّذها. لقد خطَر له أن يغمس الحروف في الرصاص ويَطبَعها، وتمكّن بذلك من إعادة إنتاج نسخ لا نهائية من الكتاب الواحد. يا له من شيء شديد البساطة!
يا له من شيء شديد الصعوبة! لقد مرت قرون وقرون، ومع ذلك لم تخطر هذه الفكرة على بال الإنسان. لا غرو أن كل مفاتيح الأسرار في متناول يديْنا، وهي تُطوّقنا باستمرار، ولكن على الرغم من ذلك، يا لها من صعوبة هائلة كي تُفتَح البوابات الصغيرة حيث تحيا مختبئة!
في مواد الطبيعة توجد، دون أدنى شك، مسكِّنات كثير من الأمراض المستعصية، ولكن ما التركيب الدقيق والصحيح لكي تَحدُث المعجزة؟ نادرا ما وُجِد في تاريخ العالم حَدَث أهَمُّ من حدث اختراع المَطْبعة، بأثَره الأبْعد كثيرا من الْحَدثيْن العظيمين الآخرَيْن في عصره: اخْتراعُ البارود واكْتِشاف أمريكا، لأنه إذا كان البارود قد قضى على الإقطاع، وسبَّب في ظهور الجيوش الكبرى وتكوين قوميات قوية جزَّأَها النبلاء سابقا، وإذا كانت ولادة أمريكا قد أدَّت إلى زحرحة التاريخ نحو حياة جديدة، وأنهت سِرًّا جغرافيا عمَّر ألف عام، فإن المطبعة ستُحدِث ثورة في النفوس، شديدة العظمة، اهتزَّت لها أساسات مجتمعاتها. ومع ذلك، بأي صمت وبأي خجل تُولد! فبينما كان البارود يبث ورودَه النارية عبر الحقول، وكان المحيط الأطلسي يمتلئ بالسُّفن ذات الأشرعة المنتفخة بالريح، التي كانت تذرعه جيئة وذهابا مُحمَّلة بالذهب والمواد الثمينة، في هدوء إلى مدينة أَنْتْوِيرْب، حيث يُنشئ كْرِيسْتُوبال بْلَانْتِينُو مطبعةً وأهمَّ مكتبة في العالم، وفي النهاية! يَصنع أوَّلَ الكتُب الرخيصة ثمَنًا.
عندئذ شرعت الكتُب القديمة، التي لم تبق منها سوى نسخة أو نسختيْن أو ثلاث، تتزاحم على أبواب المطابع، وعلى أبواب منازل الحُكَماء، مُطالِبَةً وهي تصرخ بأن تُطبَع، وأن تُتَرجَم، وأن يتوسَّع حضورُها عبر كل أرجاء البسيطة. هذه هي لحظة العالَم العظيمة. إنها النهضة. إنه الفجر المجيد للثقافات الحديثة التي نحيا معها.
قرونا كثيرة قبل هذه الحكاية، بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، وبعد الاجتياحات البربرية، وانتصار المسيحة، عَرَف الكتاب لحظاته الأفظع خطرا. لقد اجتُثَّتِ المكتبات وبُعثِرت الكتُب. وكادتْ كل العلوم الفلسفية وشِعر القدماء تندثر. أشعار هوميروس، وأعمال أفلاطون، وكل الفكر اليوناني، نور أوروبا، والشعر اللاتيني، وقانون روما، كل شيء، كل شيء تماما. ويعود الفضل في عدم انقطاع الخيط إلى عناية الرهبان. إن الأديرةَ القديمة هي التي أنقذت الإنسانيةَ. لقد لجأت كل الثقافة والمعرفة إلى الأديرة حيث رجالٌ حكماء وبسطاء، لا تَعصُّب فيهم ولا تعنُّت (التعنت تعبير أكثر حداثة)، حرسوا ودرسوا الأعمال العظمى الضرورية للإنسان. ولم يكتفوا بفعل هذا فقط، بل درسوا اللغات القديمة لفهمها، وهكذا حدَث أنْ أثَّر فيلسوفٌ وثني مثل أرسطو بشكل حاسم في الفلسفة الكاثوليكية. وطيلة العصور الوسطى جميعها، جمع البِينِدِيكْتِيُّون المُقيمون في جَبل آثُوس عددا لا يحصى من الكتب واحتفظوا بها، وإليهم نحن مدينون تقريبًا بمعرفة أَروع أعمال الإنسانية القديمة.
لكن الهواء الخالص لعصر النهضة الإيطالي شرع يهبّ، وطفقت المكتبات تنتصب في كل الأرجاء. لقد كُشفت تماثيل الآلهة القديمة، ودُعّمت المعابد المرمرية فائقة الجمال، وافتُتِحتِ أكاديميات مثل تلك التي أسَّسَها كُوسْمي دي مِيديسيس في فلورنسا لأجل دراسة أعمال الفيلسوف أفلاطون، وفي الأخير بعث البابا العظيم نيكولاس الخامس وكلاءَ عمولة إلى كلِّ أنحاء العالَم ليقتنوا كُتُبا، وكان يُجزِل العطاء لمترجميه.
ومهما كان هذا رائعا، فإن الخطوة الكُبرى كان قد خطاها النّاشر كريستوبال بلانتينو في أنتويرب. فانطلاقا من ذلك المنزل الصغير ذي الحديقة المَكسوّة لبلابا، وذي النوافذ الزجاجية المؤطَّرة بالرصاص، خرج النور إلى الجميع بنشره للكتاب الرخيص، ومنه خُطِّط لهجوم كبير على الجهل، وينبغي مُواصلتُه بحرارة حقيقيّة، لأن الجهل لا يزال فظيعا، وبالفعل نحن نَعْلم أنه حيثما يُوجَد الجهل يَسهلُ كثيرا خلط الشر بالخير والحقيقة بالكذبة.
بالطبع، كان الأقوياء، الذين يمتلكون مخطوطات وكتُبا رَقِّيّة، تَهزأ نظرتُهم بالكتاب المطبوع على الورق وكأنه شيء حقير يُعبّر عن ذوق سيئ، لأنه في متناول الجميع؛ فَكتُبهم كانت مُزيَّنة بشكل غني بزخارف ذهبية، بينما كانت الكتُب الأُخرى أوراقا عادية بها حروف. ولكن في منتصف القرن XVم، وبفضل الرساميْن الفلامنكيين الرائعين، الأخوين فان إيك اللذين كانا الأوَّليْن في اجتراح الرسم بالزيت، ظهَر النقش، وامتلأت الكتُب بالنُّسَخ التي كانت تُساعد القارئ بشكل مُميَّز. وفي القرن XVIم، حسَّنتْها عبقريّةُ ألْبِرْتُو دُورِرُو، وبالفعل تمكَّنتِ الكتُب منْ استنساخ لوحات، ومناظر طبيعية، ووجوه، وواصَلت تحسينَها طيلة القرن XVIIم، لكي تصل في القرن XVIIIم إلى أعجوبة الرُّسُوم التَّوضيحية، وإلى ذروة جمال الكتاب المصنوع بالورق.
لقد بلغ القرن XVIIIم الأعجوبة في صناعة الكتب الجميلة. فطُبعت الأعمال مليئةً بالحَفر والنقوش، وبعناية وحب للكِتاب شديدي الكِبر، حتى إننا نحن رجال القرن XXم على الرغم من التقدم الهائل، لم نتمكّن من تجاوزها.
لقد كفّ الكتاب عن أن يكون موضوعًا للثقافة لدى قِلّة من الناس، لكي يصير فاعلا اجتماعيّا هائلا، ولم تكن التأثيراتُ ليُحَسّ بها؛ وعلى الرغم من الملاحَقات، التي تعرَّض لها الكتاب، إذ استُعمِل مرّات كثيرة طُعما للنار، فقد اندلعت الثورة الفرنسية، التي تُعَدّ أول عمل اجتماعي للكتُب.
الواقع أنه لا تَصلُح الملاحَقات في حق الكِتاب، فلا الجيوش، ولا الذَّهب، ولا النِّيران بقادرة على أن تَهزِمَه؛ لأنّه يُمكن إخفاءُ عمل، ولكنْ لا قدرةَ على قَطع الرؤوس التي تعَلَّمت منه، بِحُكم أنّ عددها بالآلاف، أمت إن كانت تلك الرؤوس قليلة فسيُجهَل مكانُ وجودها.
لوحِقتِ الكتُب من قِبل جميع أنواع الدول، ومن قِبل كل أنواع الديانات، لكنَّ هذا لا يعني شيئا مُقارَنةً بما مُحِضتْه من حُبّ، لأنه إذا ما كان أمير شرقيّ متعصِّب قد أحرق مكتبة الإسكندرية، ففي مُقابل ذلك نجد الإسكندر المقدوني قد أمر بناء صندوق باذخ للغاية من المينا والأحجار الكريمة لصَوْن إلياذة هوميروس؛ وصنع عربُ قرطبة أعجوبة المِحراب في مسجدهم ليَصونوا فيه نسخة من القرآن كان مِلكا للخليفة عمر. وعلى الرغم من كل شيء، فإن المكتبات تَكتسح العالَم، وها نحن نراها حتى في الشوارع، وفي الهواء الطلق بحدائق المدن.
وبمرور كل يوم تجتهد دور النشر المتعددة في خفض الأسعار، وها هو الكتاب فِعْلا قد أضحى اليوم في متناول الجميع، في ذلك الكتاب اليومي الهائل الذي تُمثِّله الجرائد، في ذلك الكتاب المفتوح الذي من صفحتين أو ثلاث صفحات، والذي يَبلُغنا مُتضوِّعا رائحةَ القلق وبالحبر على ورقه، وفي تلك الأذن التي تُصغي إلى وقائع كلِّ الأمم في حياد مطلق؛ إن في آلاف الصحف تنبض خفقات قلب العالم المتَّفِق.
أصبحت هذه البلدة تتوافر على اللبنة الأولى لمكتبة، لأول مرة في تاريخها القصير. المُهم هو وضع الحجر الأساس، لأنني أنا والكُلُّ سنُساعد لكي ينتصب هذا البناء. إنه حدَث مهم يملأني سرورا، ويُشرِّفني أن يكون صوتي هو الذي يرتفع هنا في لحظة تدشينه، لأن عائلتي تعاونت بشكل غير مألوف مع ثقافتكم، وإنّ أُمِّي، كما تعرفون جميعا، علَّمتِ الكثيرين من أبناء هذه البلدة، لأنها قدِمتْ إلى هنا لكي تُدرِّس، وأنا أتذكَّر لَمّا كنت صبيّا أنها كانت تَقرأ بصوت عالٍ لكي يَسمعها الكثيرون، كما أن أجدادي خدموا هذه البلدة بروح حقيقيّة، حتى إن الكثير من القطع الموسيقية والأغاني التي غنَّيتُموها كان قد صاغَها بعضٌ من الشّعراء المُسنِّين من عائلتي، ولأجل ذلك أشْعُر بالرضى الكامل في هذه اللحظة، وأتوجّه إلى ذوي المال طالبا منهم أن يُساعدوا في هذا العمل، وأن يُقدِّموا المال لاقتناء الكتُب، مثلما يقتضي التزامُهم، ومثلما يستدعي واجِبُهم. وأقول لأولئك الذين لا يملكون الوسائل أنْ يأتوا للقراءة، وأن يلتحقوا لِيُغنوا ذكاءَهم بصِفتِه الوسيلة الوحيدة لتَحرُّرِهم الاقتصادي والاجتماعي. ينبغي للمكتبة أن تتغذى بكتُب جديدة وقُرّاء جدد، وأن يبذل المعلِّمون قصارى جهدهم ليس لتعليم الأطفال القراءة آليّا، كما يفعل كثيرون للأسف، وإنما ليَغرسوا فيهم مغزى القراءة، بمعنى، ما تُساويه نقطة وفاصلة في تَطوُّر وشَكْل فكرة مكتوبة.
وماذا عن الكتب! ماذا عن الكتب! ضروري أن تَشرع الكتب في الوصول إلى مكتبة فْوِينْطِي. لقد راسلتُ دار النشر مسؤوليْ "إقامة الطلاب" في مدريد، حيث درستُ أعواما عديدة، وراسلتُ "دار النشر عولِيسِ"، لعلّي أَفلح في أنْ يبعثا إلى هنا مجموعاتهم الكاملة، وطبعا، سأبعث الكُتُب التي ألَّفتُها وكُتب أصدقائي.
ينبغي أن تضم المكتبة مؤلَّفات من كل الاتجاهات وكل الأفكار. ويسري ذلك نفسُه على الأعمال الربانية، والإشراقية للمتصوِّفة والقِدّيسين، وكذلك على الأعمال التَّهْيِيجية للثوار ولرجال العمل. ولتَكُن المواجَهة بين النشيد الرُّوحي لِلْقدِّيس خْوان دِ لاكْرُوثْ، وهو عمل فَذّ ضِمن الشعر الإسباني، وأعمال تُولْسْتُوي؛ ولْيَتَقابَل وجهًا لوجه كتابُ "مدينة الله" للقديس أَغُوستين مع كتاب "زرادشت" لمؤلِّفه نيتشه، أو مع كتاب "رأس المال" لماركس. لأن كلَّ هذه الأعمال، يا أصدقائي الأعزاء، تتوافق فيما بينها على نقطة الإنسانية وسمو الروح، وفي الأخير، تمتزج جميعها وتتعانق في مَثَل أعلى.
وماذا عن القُرّاء! القُرّاء الكثيربن! أَعْرف أنهم جميعا غير متساوين في الذكاء، مثلما أنهم لا يمتلكون الوجه نفسَه؛ فهناك أنواع من الذكاء الرائع، وهناك أشكال من الذكاء الفقير للغاية، مثلما أن هناك وجوها بشعة ووجوها جميلة، ولكنّ كلَّ واحد سيستخلص من الكتاب ما يستطيعه، وسيكون مفيدا له دوما، وسيكون لِبعضِهم منقذا حتْما. على هذه المكتبة أن تُحقِّق غاية اجتماعيّة، لأنها إذا اعتُنِي بها، وزاد عدد القُرّاء، وأُغْنيتْ شيئًا فشيئًا بالمؤلَّفات، فسيُلاحَظ بالفعل في البلدة، في غضون بضع سنوات، مستوى ثقافيٌّ أكْبَر، ولا تَشُكُّوا في هذا. وإذا لم يستغلَّ هذا الجيل -الذي يُنصت إليَّ اليوم لقِلّة في الاستعداد لديه- كلَّ ما يُمكِن للكتُب أن تُعطيَه، فإنَّ أبناءَكم فِعْلا سيُفيدون منه. لأنه من الضروري أن تَعْلَموا جميعا أننا نحن البشرَ لا نَعملُ لأجل ذاتِنا، بل لأجل من يأتون لاحقا، وأن هذا هو المعنى الأخلاقي لكل الثورات، وفي آخر المطاف، هذا هو المعنى الحقيقي للحياة.
يُكافح الآباء من أجل أبنائهم وأحفادهم، وتعني الأنانيةُ العُقم. والآن بعد أن صارت الإنسانية تَنزَع إلى محو الطبقات الاجتماعية، كما وُضِعت، فإن الواجب يقتضي سيادةَ روح التضحية وبذل النفس في كلِّ القطاعات، لتعزيز الثقافة، بِصفتها الخلاص الوحيد للشعوب.
أنا متأكد من أنَّ فوينطي ڤاكِرُوس، التي كانت دوْما بلدة خَيالٍ حيٍّ، وروحٍ صافية، وبشوشة كالماء الذي يجري من عينها، ستستخلص منافع كثيرة من هذه المكتبة، وستَصلُح لكي تَجلُب إلى وعي الجميعِ رغباتٍ وأفراحا جديدة من أجل المعرفة. لقد شرحت لكم، في خطوط عريضةٍ، العملَ الذي كلَّف الإنسانَ حتى يَصِل إلى صُنع كتُب كي يضعها في متناول كل الأيدي. أرجو لهذا الدرس المتواضع والوجيز أن يُفيدَكم كي تُحبُّوها وتبحثوا عنها كبحثكم عن أصدقاء، ذلك أن الناس يموتون، بينما هي تبقى حيَّة أكثرَ كلَّ يوم، ولأن الأشجار تذبل، بينما الكتب تبقى خضراء إلى الأبد، ولأنها تنفتح في كلّ لحظة، وفي كل ساعة لكي تُجيب عن سؤال، أو لتُجزِل تسلية.
واعلموا، طبعا، أن التَّقدم الاجتماعي والثورات تُنجَز بالكتب، وأن الرجال الذين يُوجِّهونَها، في مرات كثيرة، يموتون مِثل لينين العظيم مِن كثرة الدراسة، ومن كثرة الرغبة في الإحاطة بذكائهم بالمعارف. لا قيمة للأسلحة ولا الدماء إذا لم تكن الأفكار مُوجَّهة بشكل جيّد وتُدار بشكل جيد في الرؤوس. وأنّ القراءة ضرورية للناس حتى لا يكتفوا بتعلُّم المعنى الحقيقي للحرية فقط، بل المعنى الحالي للفَهم المتبادَل وللحياة.
وشكرا للجميع. شكرا لأهل البلدة، شكرا بشكل خاص للتجمُّع الاشتراكي الذي أبان لي دومًا عن جليل الاحترام، وشكرا لرَئِيس بلديتكم، السيد رافايِيل سانْشيثْ رُولْدَان، الرجل الفاضل، والابن الحقيقي والمُخلِص للعمل، الذي اكتسبَ بجهده الخاص تنويرَ ووعيَ عصره، والذي بفضله أصبحت هذه المكتبة العمومية اليومَ واقعا.
وتحية أخرى للجميع. إلى الأحياء والأموات، فِعلا إذ بالأحياء والأموات يتشَكَّل البلد. تحيتي للأحياء راجيا لهم السعادة، وللأموات لكي نتذكَّرهم بموَدَّة، لأنهم يمثلون تقاليد البلدة، ولأنه بفضلهم نحن حاضرون هنا جميعا. فلتُستخدمْ هذه المكتبة في نشر السلام، والانشغال الروحي والفرح في هذه البلدة الجميلة، حيث نِلتُ شرفَ ولادتي فيها، ولا تنسوا هذا المَثَل النفيس الذي كتبه ناقد فرنسي من XIXم: "إن تقل لي ما تقرأ أَقُلْ لك من تكون."
قلت هذا في سبتمبر 1931.

(نقلا عن صفحة Mezouar El Idrissi)

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...