مقدمة
في سنة 1916، أربع سنوات بعد إقرار الحماية على المغرب، قدمت هيأة من أعيان مدينة تطوان (مدينة في الشمال) ومثقفيها ملتمسا إلى وزارة الدولة الإسبانية تقترح فيه إحداث مركز للدراسات العربية الإسلامية في منزل عتيق من منازل غرناطة كان يعرف في ذلك الوقت باسم «منزل الفحم» La casa del carbon. لقد كان المسعى عملا مستقبليا بعيد المدى يهدف، رغم وطأة الحماية، إلى خلق فضاء للتواصل يكون كفيلا بإبقاء الجسور ممدودة بين إسبانيا وجذورها الثقافية، وبين المغرب ومصادر تراثه الحضاري في الأندلس.
بعد مرور ست سنوات على ذلك، اقترح الشاعر فيدريكو غارسيا لوركا (1898- 1936) مشروعا مشابها يحسن التذكير به في سياق التعريف بأحد أوجه اهتمامات الشاعر ضمن فعاليات جماعة «الركن الصغير» (El rinconcillo) الغرناطية التي تواصلت فيما بين 1915 و 1923.
لم يكن لوركا شاعرا فقط، ولا رجل مسرح، ولا رساما فحسب، ولكنه كان أيضا مثقفا ناشطا سعى إلى القيام بأعمال رمزية تساهم في النهوض بالتوجه الحداثي للثقافة الإسبانية، مع تأمل جذورها وفحص تراثها المستمد من خصوصية التاريخ الإسباني الذي عرف تلاقح عدة شعوب وثقافات. لقد رأى المثقفون والكتاب العرب، الباحثون عن الحداثة في الخمسينات، في لوركا صورة الشاعر المناضل الذي سقط ضحية للفاشية الفرانكوية، كما رأوا في عمله ضمن «جيل 1927»، إلى جانب أبرز وجوه الثقافة الإسبانية في الربع الأول من هذا القرن، مرآة للجهود التي كان عليهم القيام بها لتحقيق نهضة ثقافية معاصرة تطمح إلى التغيير، وفي نفس الوقت ترسخ جذورها على أرض الواقع بالانفتاح على التيارات التي يعتمل بها.
لكن الجانب الذي سها المثقفون والكُتاب العرب عن إدراكه هو عمق حضور الثقافة العربية في وعي فيدريكو غارسيا لوركا، وبالضبط الثقافة الأندلسية التي تشكل الامتداد التاريخي والجغرافي لثقافتنا في شبه الجزيرة الإيبيرية، والتشخيص الحضاري لإسبانيا في ثقافتنا، وملتقى تقاطع كل ذلك في بنية ثقافية كان لها انعكاس راسخ على أصعدة الكتابة والمعمار والموسيقى وطرز العيش.
تكشف الرسالة، التي نقدم ترجمتها هنا، بجلاء، نزوع الشاعر غارسيا لوركا إلى إحياء هذه الثقافة، كما تؤكد حرصه على خلق فضاء لإخصاب ذاكرة التواصل بين ثقافة بلاده والثقافة العربية عبر توثيق عرى العلاقة مع المثقفين العرب والمسلمين، وذلك من خلال تكريم ابن طفيل (1110-1185) الفيلسوف والطبيب العربي الإسباني الذي عاش شطرا من حياته في غرناطة وشطرا آخر في مراكش.
في هذا السياق، تتحدث الرسالة عن مشروع بناء «زاوية»، إحياء لذكرى صاحب كتاب «حي بن يقظان»، فوق قطعة أرض كان أحد أعضاء جماعة «الركن الصغير» قد قرر اقتطاعها من ضيعة له على مشارف غرناطة: «زاوية» تخيلها لوركا على هيأة مسجد مغربي متواضع، تعلوه قبة وصومعة، ويشيد على أحد سفوح سلسلة جبال سييرانيفادا، بحيث يمكن معاينته مباشرة لدى عبور المار من «الباب الملكي» Puerta real. وتجدر الإشارة إلى أن جماعة «الركن الصغير»، التي عُرفت بهذا الاسم بسبب الموقع المنزوي الذي كانت تحتله في أحد مقاهي غرناطة، كانت تضم 19 مثقفا يمتحون من مشارب ثقافية مختلفة، ويمارسون أنشطة اجتماعية متباينة، لكنهم كانوا يتطلعون إلى القيام بعمل إحيائي يعيد التوازن إلى مكونات إسبانيا الثقافية التي اختلت، حسب رأيهم، لصالح ثقافة قشتالة.
نص الرسالة
غرناطة 1 يوليوز 1922
« صديقي العزيز ميلتشور [فيرناديث ألماڭرو]
سوف أذهب إلى البادية، وأود أن نتكاتب هذا الصيف وأن تخبرني بأدق تفاصيل ما يجري هناك1. إنني لمسرور بالغ السرور. لكني منفعل غاية الانفعال لسبب أجهله... ففي كل صباح تنتابني رغبة لا تقاوم في البكاء بمفردي، بكاءً حلوا ومرحا.... أجل مرحا! إنني أنفعل انفعال الفجر لكل شيء وأعتقد أني بصدد البرء من مرض ما، إذ أشعر بتعب كما لو أني قطعت فيافي في حمى مضطربة.
«أفكر في الانكباب على العمل تحت أشجار الحور الخالدة و «تحت رقة الذهب الرائعة»2. أود أن أنجز هذا الصيف أثرا هادئا ووديعا: أفكر في وضع رومانسات بها برك وجبال وأنجم. أثر غامض وواضح مثل زهرة، مجاني وكامل مثل زهرة تفوح عطرا وشذى. أريد أن أخرج من الظل صبايا عربيات يمرحن بهذه القرى وأتفقد في غاباتي الغنائية الصغيرة الصور المثالية للرومانسات المجهول واضعوها. تخيل رومانسا يتحدث عن «سماوات» بدل البرك: هل يوجد شيء أشد إثارة للانفعال من ذلك؟ لو أعانني الرب بحماماته الملهمة لأنجزت هذا الصيف أثرا شعبيا وأندلسيا صميما. سأسافر قليلا عبر هذه القرى الرائعة التي يبدو أن الشعراء لم يكتشفوا بعد قلاعها وشخصياتها...كفانا من قشتالة !!.
«سنجتمع هذه الليلة لتناول طعام العشاء في مطعم فندق «El último» نحن كافة أعضاء «الركن الصغير»، وسوف تكون هنالك ولاريب أنباء باهرة سنخبرك بها لكوننا ندرك أنك كنت دائما عوناً لنا. إننا نفكر، بالمناسبة، في تعيينك قنصلا عاما لـ «الركن الصغير» في مدريد. أما الفكرة التي سنطرحها هذه الليلة ليتداول بشأنها جميع الحاضرين في العشاء هي ما يلي .... لكن حذار أن تحدّث عنها أحدا قبل إقرارها، وإلا تم اقتناصها من طرف الغير، وهو ما لن يكون لصالحنا.
«يتعلق الأمر، أيها العزيز ميلتشور، بتشييد «زاوية» تكريما لابن طفيل ولعبقريين أو ثلاثة ممن أنجبتهم الثقافة العربية الغرناطية، وذلك على مساحة الأرض التي سيمنحنا إياها صوريانو3 في ضيعته القريبة من قرية «لاثوبيا»4. سنزود «الزاوية» بخزانة للكتب العربية الغرناطية، وسنزرع خارج هذه المعلمة وفي محيطها أشجار الصفصاف والنخيل والسرو. إنه لأمر سار، عزيزي ميلتشور، أن يستطيع المرء، وهو واقف عند «الباب الملكي»5، رؤية القبة البيضاء وهي تعلو «الزاوية»، وكذا الصومعة الصغيرة التي تحاذيها. سيكون ذلك أول نصب يقام في إسبانيا تذكرة لأولئك الأفذاذ، ذوي الأصول الغرناطية القحة، الذين يشغلون العالم الإسلامي اليوم. كما ستكون هذه المعلمة عملا خاصا وحميميا من أعمال جماعة «الركن الصغير» التي سيصير صيتها بالغ الذيوع، أليس كذلك؟
«نتوقع أن يمد لنا أصدقاؤنا في مدريد يد العون بكل حماسة. فنحن نفكر، فضلا عن ذلك، في توجيه الدعوة إلى علماء عرب من كافة أرجاء المشرق والمغرب للقدوم إلى غرناطة، وفي وضع أنطولوجية لكتابات ابن طفيل بإشراف صديقنا نفارو6، حيث سأساهم بما قد أكون أعددته لتلك المناسبة. نتصور أن قبة «الزاوية» ستكون بها منافذ ضوء على هيأة نجوم، مثلما هو الشأن في الحمامات، وسيتولى مانولو أورتيث7 زخرفة المبنى من الداخل بأشكال دينية رصينة وزخارف شرقية موحية.
« ما رأيك؟
هذه ليلة رائعة بالنسبة لنا جميعا. سنشرب نخبك، ونخب خوان كريسطوبال8 الذي يبدو أنه جفانا، وإن كنا نمحضه خالص الحب، وسنهتف جميعا «عاش الركن الصغير».
«لا تخبر أحدا بشيء قبل أن نبلغك النبأ رسميا.
«وداعا، ولك عناق حار من لدن
فيدريكو».
ختاما، إذا كان مسعى سكان تطوان في إحداث مركز للدراسات العربية الإسلامية بغرناطة لم يجد آذانا صاغية في حينه من طرف سلطات الحماية، كما لم يتحقق حلم لوركا بتشييد «زاوية» تخليدا لذكرى ابن طفيل، إلا أنه يمكن الظن أن المسعَيَيْن معاً شكلا البذرة الحقيقية التي أثمرت، في سنة 1932، إحداث مدرسة للدراسات العربية التي سيعمل المستعرب الإسباني إميليو غارسيا غوميث (1905-1995) أستاذا بها، قبل أن يتسلم مهام إدارتها حين غدت المدرسة مركزا ثقافيا ذائع الصيت.
هوامش
1. مدريد
2. بيت شعري من إحدى قصائد ديوان لوركا «الرومانسيرو الغجري».
3. باكو صوريانو دي لا بريسا، أحد أعضاء جماعة «الركن الصغير»، وأوسعهم ثراء.
4. توجد على بعد خمسة كيلومترات من مدينة غرناطة.
5. (بويرطا ريال)، إحدى أبواب غرناطة.
6. خوسي نفارو باردو، من أعضاء جماعة «الركن الصغير».
7. مانويل أنخيليس أورتيث (1895-1984)، أحد أعضاء الجماعة.
8. نحات إسباني، عمل بغرناطة ثم التحق بمدريد حيث حصل على ميدالية المعرض الوطني للفنون الجميلة.
في سنة 1916، أربع سنوات بعد إقرار الحماية على المغرب، قدمت هيأة من أعيان مدينة تطوان (مدينة في الشمال) ومثقفيها ملتمسا إلى وزارة الدولة الإسبانية تقترح فيه إحداث مركز للدراسات العربية الإسلامية في منزل عتيق من منازل غرناطة كان يعرف في ذلك الوقت باسم «منزل الفحم» La casa del carbon. لقد كان المسعى عملا مستقبليا بعيد المدى يهدف، رغم وطأة الحماية، إلى خلق فضاء للتواصل يكون كفيلا بإبقاء الجسور ممدودة بين إسبانيا وجذورها الثقافية، وبين المغرب ومصادر تراثه الحضاري في الأندلس.
بعد مرور ست سنوات على ذلك، اقترح الشاعر فيدريكو غارسيا لوركا (1898- 1936) مشروعا مشابها يحسن التذكير به في سياق التعريف بأحد أوجه اهتمامات الشاعر ضمن فعاليات جماعة «الركن الصغير» (El rinconcillo) الغرناطية التي تواصلت فيما بين 1915 و 1923.
لم يكن لوركا شاعرا فقط، ولا رجل مسرح، ولا رساما فحسب، ولكنه كان أيضا مثقفا ناشطا سعى إلى القيام بأعمال رمزية تساهم في النهوض بالتوجه الحداثي للثقافة الإسبانية، مع تأمل جذورها وفحص تراثها المستمد من خصوصية التاريخ الإسباني الذي عرف تلاقح عدة شعوب وثقافات. لقد رأى المثقفون والكتاب العرب، الباحثون عن الحداثة في الخمسينات، في لوركا صورة الشاعر المناضل الذي سقط ضحية للفاشية الفرانكوية، كما رأوا في عمله ضمن «جيل 1927»، إلى جانب أبرز وجوه الثقافة الإسبانية في الربع الأول من هذا القرن، مرآة للجهود التي كان عليهم القيام بها لتحقيق نهضة ثقافية معاصرة تطمح إلى التغيير، وفي نفس الوقت ترسخ جذورها على أرض الواقع بالانفتاح على التيارات التي يعتمل بها.
لكن الجانب الذي سها المثقفون والكُتاب العرب عن إدراكه هو عمق حضور الثقافة العربية في وعي فيدريكو غارسيا لوركا، وبالضبط الثقافة الأندلسية التي تشكل الامتداد التاريخي والجغرافي لثقافتنا في شبه الجزيرة الإيبيرية، والتشخيص الحضاري لإسبانيا في ثقافتنا، وملتقى تقاطع كل ذلك في بنية ثقافية كان لها انعكاس راسخ على أصعدة الكتابة والمعمار والموسيقى وطرز العيش.
تكشف الرسالة، التي نقدم ترجمتها هنا، بجلاء، نزوع الشاعر غارسيا لوركا إلى إحياء هذه الثقافة، كما تؤكد حرصه على خلق فضاء لإخصاب ذاكرة التواصل بين ثقافة بلاده والثقافة العربية عبر توثيق عرى العلاقة مع المثقفين العرب والمسلمين، وذلك من خلال تكريم ابن طفيل (1110-1185) الفيلسوف والطبيب العربي الإسباني الذي عاش شطرا من حياته في غرناطة وشطرا آخر في مراكش.
في هذا السياق، تتحدث الرسالة عن مشروع بناء «زاوية»، إحياء لذكرى صاحب كتاب «حي بن يقظان»، فوق قطعة أرض كان أحد أعضاء جماعة «الركن الصغير» قد قرر اقتطاعها من ضيعة له على مشارف غرناطة: «زاوية» تخيلها لوركا على هيأة مسجد مغربي متواضع، تعلوه قبة وصومعة، ويشيد على أحد سفوح سلسلة جبال سييرانيفادا، بحيث يمكن معاينته مباشرة لدى عبور المار من «الباب الملكي» Puerta real. وتجدر الإشارة إلى أن جماعة «الركن الصغير»، التي عُرفت بهذا الاسم بسبب الموقع المنزوي الذي كانت تحتله في أحد مقاهي غرناطة، كانت تضم 19 مثقفا يمتحون من مشارب ثقافية مختلفة، ويمارسون أنشطة اجتماعية متباينة، لكنهم كانوا يتطلعون إلى القيام بعمل إحيائي يعيد التوازن إلى مكونات إسبانيا الثقافية التي اختلت، حسب رأيهم، لصالح ثقافة قشتالة.
نص الرسالة
غرناطة 1 يوليوز 1922
« صديقي العزيز ميلتشور [فيرناديث ألماڭرو]
سوف أذهب إلى البادية، وأود أن نتكاتب هذا الصيف وأن تخبرني بأدق تفاصيل ما يجري هناك1. إنني لمسرور بالغ السرور. لكني منفعل غاية الانفعال لسبب أجهله... ففي كل صباح تنتابني رغبة لا تقاوم في البكاء بمفردي، بكاءً حلوا ومرحا.... أجل مرحا! إنني أنفعل انفعال الفجر لكل شيء وأعتقد أني بصدد البرء من مرض ما، إذ أشعر بتعب كما لو أني قطعت فيافي في حمى مضطربة.
«أفكر في الانكباب على العمل تحت أشجار الحور الخالدة و «تحت رقة الذهب الرائعة»2. أود أن أنجز هذا الصيف أثرا هادئا ووديعا: أفكر في وضع رومانسات بها برك وجبال وأنجم. أثر غامض وواضح مثل زهرة، مجاني وكامل مثل زهرة تفوح عطرا وشذى. أريد أن أخرج من الظل صبايا عربيات يمرحن بهذه القرى وأتفقد في غاباتي الغنائية الصغيرة الصور المثالية للرومانسات المجهول واضعوها. تخيل رومانسا يتحدث عن «سماوات» بدل البرك: هل يوجد شيء أشد إثارة للانفعال من ذلك؟ لو أعانني الرب بحماماته الملهمة لأنجزت هذا الصيف أثرا شعبيا وأندلسيا صميما. سأسافر قليلا عبر هذه القرى الرائعة التي يبدو أن الشعراء لم يكتشفوا بعد قلاعها وشخصياتها...كفانا من قشتالة !!.
«سنجتمع هذه الليلة لتناول طعام العشاء في مطعم فندق «El último» نحن كافة أعضاء «الركن الصغير»، وسوف تكون هنالك ولاريب أنباء باهرة سنخبرك بها لكوننا ندرك أنك كنت دائما عوناً لنا. إننا نفكر، بالمناسبة، في تعيينك قنصلا عاما لـ «الركن الصغير» في مدريد. أما الفكرة التي سنطرحها هذه الليلة ليتداول بشأنها جميع الحاضرين في العشاء هي ما يلي .... لكن حذار أن تحدّث عنها أحدا قبل إقرارها، وإلا تم اقتناصها من طرف الغير، وهو ما لن يكون لصالحنا.
«يتعلق الأمر، أيها العزيز ميلتشور، بتشييد «زاوية» تكريما لابن طفيل ولعبقريين أو ثلاثة ممن أنجبتهم الثقافة العربية الغرناطية، وذلك على مساحة الأرض التي سيمنحنا إياها صوريانو3 في ضيعته القريبة من قرية «لاثوبيا»4. سنزود «الزاوية» بخزانة للكتب العربية الغرناطية، وسنزرع خارج هذه المعلمة وفي محيطها أشجار الصفصاف والنخيل والسرو. إنه لأمر سار، عزيزي ميلتشور، أن يستطيع المرء، وهو واقف عند «الباب الملكي»5، رؤية القبة البيضاء وهي تعلو «الزاوية»، وكذا الصومعة الصغيرة التي تحاذيها. سيكون ذلك أول نصب يقام في إسبانيا تذكرة لأولئك الأفذاذ، ذوي الأصول الغرناطية القحة، الذين يشغلون العالم الإسلامي اليوم. كما ستكون هذه المعلمة عملا خاصا وحميميا من أعمال جماعة «الركن الصغير» التي سيصير صيتها بالغ الذيوع، أليس كذلك؟
«نتوقع أن يمد لنا أصدقاؤنا في مدريد يد العون بكل حماسة. فنحن نفكر، فضلا عن ذلك، في توجيه الدعوة إلى علماء عرب من كافة أرجاء المشرق والمغرب للقدوم إلى غرناطة، وفي وضع أنطولوجية لكتابات ابن طفيل بإشراف صديقنا نفارو6، حيث سأساهم بما قد أكون أعددته لتلك المناسبة. نتصور أن قبة «الزاوية» ستكون بها منافذ ضوء على هيأة نجوم، مثلما هو الشأن في الحمامات، وسيتولى مانولو أورتيث7 زخرفة المبنى من الداخل بأشكال دينية رصينة وزخارف شرقية موحية.
« ما رأيك؟
هذه ليلة رائعة بالنسبة لنا جميعا. سنشرب نخبك، ونخب خوان كريسطوبال8 الذي يبدو أنه جفانا، وإن كنا نمحضه خالص الحب، وسنهتف جميعا «عاش الركن الصغير».
«لا تخبر أحدا بشيء قبل أن نبلغك النبأ رسميا.
«وداعا، ولك عناق حار من لدن
فيدريكو».
ختاما، إذا كان مسعى سكان تطوان في إحداث مركز للدراسات العربية الإسلامية بغرناطة لم يجد آذانا صاغية في حينه من طرف سلطات الحماية، كما لم يتحقق حلم لوركا بتشييد «زاوية» تخليدا لذكرى ابن طفيل، إلا أنه يمكن الظن أن المسعَيَيْن معاً شكلا البذرة الحقيقية التي أثمرت، في سنة 1932، إحداث مدرسة للدراسات العربية التي سيعمل المستعرب الإسباني إميليو غارسيا غوميث (1905-1995) أستاذا بها، قبل أن يتسلم مهام إدارتها حين غدت المدرسة مركزا ثقافيا ذائع الصيت.
هوامش
1. مدريد
2. بيت شعري من إحدى قصائد ديوان لوركا «الرومانسيرو الغجري».
3. باكو صوريانو دي لا بريسا، أحد أعضاء جماعة «الركن الصغير»، وأوسعهم ثراء.
4. توجد على بعد خمسة كيلومترات من مدينة غرناطة.
5. (بويرطا ريال)، إحدى أبواب غرناطة.
6. خوسي نفارو باردو، من أعضاء جماعة «الركن الصغير».
7. مانويل أنخيليس أورتيث (1895-1984)، أحد أعضاء الجماعة.
8. نحات إسباني، عمل بغرناطة ثم التحق بمدريد حيث حصل على ميدالية المعرض الوطني للفنون الجميلة.