رسائل الأدباء رسالة من فيديريكو غارثيا لوركا الى صديقه العزيز ميلتشور [ ألماڭرو

غرناطة 1 يوليوز 1922

« صديقي العزيز ميلتشور [ ألماڭرو]

سوف أذهب إلى البادية، وأود أن نتكاتب هذا الصيف وأن تخبرني بأدق تفاصيل ما يجري هناك1. إنني لمسرور بالغ السرور. لكني منفعل غاية الانفعال لسبب أجهله... ففي كل صباح تنتابني رغبة لا تقاوم في البكاء بمفردي، بكاءً حلوا ومرحا.... أجل مرحا! إنني أنفعل انفعال الفجر لكل شيء وأعتقد أني بصدد البرء من مرض ما، إذ أشعر بتعب كما لو أني قطعت فيافي في حمى مضطربة.
«أفكر في الانكباب على العمل تحت أشجار الحور الخالدة و «تحت رقة الذهب الرائعة»2. أود أن أنجز هذا الصيف أثرا هادئا ووديعا: أفكر في وضع رومانسات بها برك وجبال وأنجم. أثر غامض وواضح مثل زهرة، مجاني وكامل مثل زهرة تفوح عطرا وشذى. أريد أن أخرج من الظل صبايا عربيات يمرحن بهذه القرى وأتفقد في غاباتي الغنائية الصغيرة الصور المثالية للرومانسات المجهول واضعوها. تخيل رومانسا يتحدث عن «سماوات» بدل البرك: هل يوجد شيء أشد إثارة للانفعال من ذلك؟ لو أعانني الرب بحماماته الملهمة لأنجزت هذا الصيف أثرا شعبيا وأندلسيا صميما. سأسافر قليلا عبر هذه القرى الرائعة التي يبدو أن الشعراء لم يكتشفوا بعد قلاعها وشخصياتها...كفانا من قشتالة !!.
«سنجتمع هذه الليلة لتناول طعام العشاء في مطعم فندق «El último» نحن كافة أعضاء «الركن الصغير»، وسوف تكون هنالك ولاريب أنباء باهرة سنخبرك بها لكوننا ندرك أنك كنت دائما عوناً لنا. إننا نفكر، بالمناسبة، في تعيينك قنصلا عاما لـ «الركن الصغير» في مدريد. أما الفكرة التي سنطرحها هذه الليلة ليتداول بشأنها جميع الحاضرين في العشاء هي ما يلي .... لكن حذار أن تحدّث عنها أحدا قبل إقرارها، وإلا تم اقتناصها من طرف الغير، وهو ما لن يكون لصالحنا.
«يتعلق الأمر، أيها العزيز ميلتشور، بتشييد «زاوية» تكريما لابن طفيل ولعبقريين أو ثلاثة ممن أنجبتهم الثقافة العربية الغرناطية، وذلك على مساحة الأرض التي سيمنحنا إياها صوريانو3 في ضيعته القريبة من قرية «لاثوبيا»4. سنزود «الزاوية» بخزانة للكتب العربية الغرناطية، وسنزرع خارج هذه المعلمة وفي محيطها أشجار الصفصاف والنخيل والسرو. إنه لأمر سار، عزيزي ميلتشور، أن يستطيع المرء، وهو واقف عند «الباب الملكي»5، رؤية القبة البيضاء وهي تعلو «الزاوية»، وكذا الصومعة الصغيرة التي تحاذيها. سيكون ذلك أول نصب يقام في إسبانيا تذكرة لأولئك الأفذاذ، ذوي الأصول الغرناطية القحة، الذين يشغلون العالم الإسلامي اليوم. كما ستكون هذه المعلمة عملا خاصا وحميميا من أعمال جماعة «الركن الصغير» التي سيصير صيتها بالغ الذيوع، أليس كذلك؟
«نتوقع أن يمد لنا أصدقاؤنا في مدريد يد العون بكل حماسة. فنحن نفكر، فضلا عن ذلك، في توجيه الدعوة إلى علماء عرب من كافة أرجاء المشرق والمغرب للقدوم إلى غرناطة، وفي وضع أنطولوجية لكتابات ابن طفيل بإشراف صديقنا نفارو6، حيث سأساهم بما قد أكون أعددته لتلك المناسبة. نتصور أن قبة «الزاوية» ستكون بها منافذ ضوء على هيأة نجوم، مثلما هو الشأن في الحمامات، وسيتولى مانولو أورتيث7 زخرفة المبنى من الداخل بأشكال دينية رصينة وزخارف شرقية موحية.
« ما رأيك؟
هذه ليلة رائعة بالنسبة لنا جميعا. سنشرب نخبك، ونخب خوان كريسطوبال8 الذي يبدو أنه جفانا، وإن كنا نمحضه خالص الحب، وسنهتف جميعا «عاش الركن الصغير».
«لا تخبر أحدا بشيء قبل أن نبلغك النبأ رسميا.
«وداعا، ولك عناق حار من لدن
فيدريكو».

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...