محمد الغرباوي - مذكرات الغبار والدم...

لم يكن "كريم" يعلم أن خلف جدران هذا البيت الهادئ تقبع واحدة من أبشع الجرائم الأخلاقية!!.
كان كل شىء هادئاً، وجميلاً ...فقد تزوج من سارة - الزوجة المخلصة- وعاشا حياة مستقرة.... لكن الشيطان وجد مدخلاً من الباب الذي لا يُتوقع :"شيرين"، أخت زوجته المتزوجة من رجل طيب يُدعى "ماجد".
بدأ الأمر بنظرات مخفية، وتطور إلى لقاءات سرية برضاها التام. خان كريم زوجته، وخانت شيرين زوجها، وعاشا في وهم أن سرّهما مدفون في بئر عميق، فـ "سارة" لم تشك يوماً في زوجها وأختها، و"ماجد" كان مشغولاً بكسب عيشه واثقاً في بيته.
لكن خطأ واحداً كان كفيلاً بانهيار كل شيء.
العين الثالثة :
كان لعائلة سارة وشيرين أخت ثالثة تُدعى "مها". كانت مها تمتلئ بالهدوء والملاحظة الدقيقة. لمحت نظرة غير مريحة بين كريم وشيرين في إحدى العزومات العائلية، وبدأت تراقبهما .... ولم يستغرق الأمر طويلاً ؛حتى ضبطتهما متلبسين بخيانتهما في شقة كريم، في غياب سارة.
لم تصرخ مها، ولم تبكِ. تجمد الدم في عروقها، وتحول حبها لأختها؛ واحترامها لزوج أختها إلى بركان من الغضب والاشمئزاز ....
رأت أن هؤلاء الخونة لو عاشوا، سيدمرون حياة الأبرياء؛ فقررت أن تطهر العائلة من هذا العار، بأسلوبها الخاص.

في ليلة ممطرة، استدرجت مها كلاً من كريم وشيرين إلى بيت العائلة القديم المهجور بحجة أمر طارئ. وهناك، واجهتهما بجرائمهما قبل أن تنهي حياتهما بدم بارد.
لم تكتفِ مها بذلك، بل رتبت مسرح الجريمة باحترافية شديدة ليظهر الأمر وكأنه حادث اختفاء غامض، ودفنت الجثتين في مكان لم يخطر على بال بشر....!!.
انطوت صفحة كريم وشيرين للأبد، واعتبر الجميع أنهما هربا معاً؛ أو واجها مصيراً مجهولاً.

بعد سنوات من الحزن والانتظار، تقرب "ماجد" (زوج الخائنة) من "سارة" (زوجة الخائن)؛ فكلاهما تجرع مرارة الخذلان والغموض. وبمباركة العائلة، وتشجيع كبير من "مها"، تزوج ماجد من سارة.
كانت مها ترى في هذا الزواج تعويضاً عادلاً للشخصين الوحيدين اللذين أخلصا. وظلت مها تخفي داخل قلبها هذا السر الثقيل.
لم تخبر به أحداً حتى وافتها المنية، لكنها قبل أن تموت، كتبت تفاصيل تلك الليلة المشؤومة في مذكراتها القديمة، وأخفتها في صندوق خشبي عتيق.

مرت العقود، وأثمر زواج ماجد وسارة عن أبناء، ثم جاء الأحفاد.
"طارق"، شاب في مقتبل العمر، كان شغوفاً بالأشياء القديمة وعالم القراءة. وأثناء تنظيفه لغرفة جدته الراحلة مها، عثر على الصندوق الخشبي المغلق.
فتح طارق الصندوق، ووقع في يده الدفتر الأصفر. بدأ يقرأ بفضول، لكن ملامحه بدأت تتغير، ودقات قلبه تتسارع. قرأ تفاصيل الخيانة، وقرأ عن القتل، وعرف لأول مرة كيف مات زوج جدته (سارة) وزوجة جده (ماجد)، وعرف أن السيدة الوقورة التي كان يقبل يدها (مها) كانت قاتلة. والأهم من ذلك، أدرك أنه هو نفسه الحفيد الناتج عن زواج الضحيتين.
أغلق طارق المذكرات، ونظر إلى جده وجدته العجوزين وهما يجلسان في الشرفة يشربان الشاي بسلام، غير مدركين تفاصيل ذلك الماضي المرعب الذي بنى حياتهما الحالية.
أحرق طارق المذكرات، وشاهد الرماد يتطاير في الهواء، وقال في نفسه:
"بعض الأسرار يجب أن تموت مع أصحابها.. لتبقى الحياة مستمرة."

محمد الغرباوى

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...