مُبدعون: دور النشر ترانا «حنفيّة» تسيل نقوداً .. الإصدارات الأدبية بين تجاهُل الكتَّاب وكسَاد صناعة الكتاب
تحقيق – جعفر الديري:
في البحرين ثلّة مخلصة، لا تألو جَهداً في إنتاج الأدب الجميل من شعر وسرد، غير أنهم وهم المبدعون في شتى الحقول لا يزالون يعانون من قلة دور النشر التي تسعى إليهم راغبة في نشر نتاجهم وتسويقه، وحتى لو تمكن أحدهم وصار علامة بارزة للإبداع يطلب القراء نتاجه، فإن الناشر يظل الأول في مجال تسويق الكتاب، يحصد ثمنه بينما لا ينال المبدع سوى القليل، في حين أن المبدعين في خارج أوطانهم في أوروبا وأمريكا مثلاً تكفلهم دولهم، وتضمن لهم كرامة العيش وتفرّغهم للإنتاج الإبداعي. في التحقيق التالي نضع حالة الإبداع البحريني والإصدارات الأدبية عموماً مع دور النشر العربية والأجنبية على المحك، لنتساءل عن جملة من الإشكالات بهذا الخصوص فالى هذا التحقيق ...
يبدأ الكاتب الروائي والناقد الأدبي عبد الله خليفة بالقول: إن دور النشر في الأساس دور نشر تجارية وأكثر ما تهتم به تحقيق الربح والاستفادة من الكاتب، وهم مستمرون في أخذ مستحقات وأموال من الكتّاب في الخليج من أجل طباعة الكتب، رغم أن بعض المبدعين وصلوا إلى درجة كبيرة من الشهرة. أجل هناك من فرض اسمه، ينشرون له مجانّا، لكن مستحقاته بسيطة لا تجاز نسبة 15% من وذلك بعد اقتطاع المصاريف، ومع شديد الأسف يعكف الكاتب على كتابه مدة طويلة، مهملا جوانب حياته الأخرى، ثم يأتي الناشر فيتعامل مع نتاجه كسلعة يحسن استغلالها بشكل كبير، ولو حدث وأن أعطاك الناشر شيئاً من مستحقاتك على استحياء، فسيكون ذلك بعد سنوات من المطالبة، وبعد ذهاب سنوات كان الكتاب يحقّق فيها أرباحا كبيرة له، بينما هو اليوم يخرج لك الفواتير التي تثبت انه لم يبع شيئا من الكتاب، وبالتالي يكون نصيبك ضئيلاً من حقوقك، رغم أن بعض الناشرين يمتلكون مطابع خاصة بهم، فهم لا ينفقون شيئا سوى على الورق، وويقتصدون ما أمكنهم في تكلفة الطباعة، ثم يبيعون الكتاب في مواسم البيع في المعارض أو بعض الوزارات، فيحصدون الأرباح.
ويستدرك خليفة قائلاً: نحن لا نرفض أن يربح الناشر بل نرحب بذلك لمصلحة نمو الكتاب العربي، لكن الكاتب نفسه يعاني في حين دور النشر تستفيد، ولو بقيت الحال على هذا المنوال فإن الإبداع إلى زوال، لاسيما في الأدب. الأدهى أن الحكومات والوزارات لا تساهم في هذا النتاج إلا في شكل نادر وكذلك الوزارات لا تساهم مع أنه من المفترض بهم أن يتبنّوا الكتاب، والناشرين يبحثون عن كتاب يدفعون لهم وليس العكس، لذلك تدنت الكتابة في الفترة الأخيرة، وامتلأت الأسواق بكمية كبيرة من الكتب الرديئة، وهناك مجموعة كبيرة من الروايات لا تصبح للنشر ومع ذلك تطبع طباعة جيدة. أيضاً سنجد هناك طباعة غزيرة لأمهات الكتب الموسوعية، لا تزال تباع بأثمان باهظة عندما تصل إلينا يرتفع سعرها، إذ لا يوجد لدينا اتصال مباشر مع الناشر وإنما هناك دكاكين أو مكتبات توزع الكتب، والمكتبات تواجه هول الإيجارات والمصروفات ولا تجد أية مساعدة حقيقية، لذلك ترفع أسعارها.
تعميم تجربة مشروع النشر المشترك
ويصدّق الكاتب الروائي أحمد المؤذن على الكلام السابق، لكنه ينوّه إلى أهمية مشروع النشر المشترك من قبل الدولة، كونه يخفف من الأحمال على الكاتب، موضحا: في السابق كان الكاتب يتحمل طباعة كتابه وتوزيعه، بينما اليوم يقدم الكاتب الكتاب للناشر وهو الذي يتولى كل هذه الأمور، فالكاتب لا شأن له بهذه التجارة الرابحة، والكاتب لا يعرف سبل النشر والانتشار والترويج له وتوزيعه، لذلك يصادف عدة مشكلات تصيب مشروعه في مقتل، لذلك كانت تجربة النشر المشترك تجربة رائعة ونتمنى تفعيلها وتوسيعها مثلاً إلى النشر المشترك في كافة حقول النشر في البحرين، فهناك الكثير من الكتب المبدعة في البحرين لا تجد لها ناشراً في الوطن العربي.
نتسوّل الرعاية المالية
ويرى الكاتب الروائي محمد لوري أن العلاقة بين المبدع البحريني ودور النشر العربية غير إيجابية، والمبدع البحريني عند دور النشر العربية ليس أكثر من كاتب خليجي لديه المال، وغير مستعد لتسويق كتابه، بالتالي يتم استنزاف جيبه، وليس أدل على ذلك من أن كثيراً من دور النشر العربية تصر على استلام قيمة الإصدار الأدبي وتقوم بطباعته بأكثر مما تم الاتفاق عليه ليتم المتاجرة به والاستفادة من عائده مالياً، وكل ذلك على حساب هؤلاء الأدباء ومجهوداتهم الإبداعية.
ويعرض لوري لتجربته الشخصية فيقول: عندما سافرت إلى بيروت العام 2005 بغرض طباعة إصداري الثاني، وجدت أن كثيراً من دور النشر تضع أسعاراً مرتفعة بدون امتيازات، ومع أنها ترفع شعار نشر الثقافة، لا نجدها تهتم بسوى مستوى الورق وتكلفته، لكن المشكلة ان الأديب محتاج إليها، فلو قام بعمل تسويق لمشروعه الخاص فسيجد نفسه يتيماً مضطرا لتسول الرعاية المادية من المؤسسات الثقافية أو الرسمية، لعله ينجح في ذلك، لكنه لا ينجح في الغالب.
الأمر مختلف في تونس
ويؤكد الشاعر جاسم حاجي من جانبه أن دور النشر مقصرة في خدمة المبدع، فعلى رغم كثرة عدد دور النشر، لا نجد التفاتة حقيقية للمبدع خصوصا إلى الشاعر، بحجة أن عدد من يتذوق الشعر الفصيح محدود، لكني أعتقد أن المبدع البحريني يساهم في تحجيم نفسه حين لا يلجأ إلى دور النشر الأكثر انتشاراً، وشخصياً أفضل النشر في مصر أو لبنان وفي دول شمال أفريقيا، لأنهم هناك يتذوقون شعر النثر أكثر مما هو عليه هنا في البحرين والخليج، الى جانب توافر الناقد، فهم يساهمون أيضا في إخراج الشاعر من القوقعة التي يعيش فيها، فمثلاً أهديت نسخة من كتابي إلى أحد الأصدقاء التونسيين فأعطاه إحدى الناقدات التونسيات، فبعثت لي بما كتبته من دراسة حول الكتاب، وكانت ذات فائدة كبيرة لي.
أهمية التعاون بين الدور البحرينية والعربية
أمّا رجل الأعمال الشاعر حسن كمال، فيرى أن ندرة دور النشر البحرينية تعود إلى أن هذه الصناعة لا تعود على محترفيها بالمال الوفير كالذهب مثلا، داعيا الى التعاون بين دور النشر البحرينية والمكتبات الخليجية والعربية، لأجل توسيع دائرة نشر الكتاب البحريني.
يقول كمال: المبدعون أنفسهم يفضلون الطباعة في الخارج لأنها أرخص، فعندما يطبعون في بيروت مثلاً تكون مصاريفهم أقل وأسرع أيضا، عدا عن أن الاستهلاك الشرائي في البحرين محدود جدا، فعدد من مع يتعطون مع الكتاب نادر جداً، وهذا أمر لا يتعلق فقط بسوق الكتاب، فنحن نلاحظ مثلاً أن مطعماً خارج البحرين ناجح الى درجة أنك لا تستطيع الحصول على طاولة من طاولاته، بينما الأمر مختلف هنا، فنحن لا نجد إلا قلة ممن يخرجون من بيوتهم في هذا الطقس الذي لا يساعدنا على الخروج لأجل الأكل في مطعم.
ويضيف كمال: المؤكد ان عدد المهتمين بالقراءة والكتاب في البحرين محدود، على خلاف بلدان أخرى، فلو خرجت من نطاق البحرين فلن تجد مكتبة إلا وترى فيها أناساً يهتمون بالكتاب، وهناك يطبعون آلاف النسخ، وهذا الأمر يعود عليهم بالفائدة فهم لا يشترون الكتاب بسعر غال، بينما نجد هنا سعر الكتب مرتفعاً والسبب تكلفة الطباعة، ثم إن الكتّاب في البحرين متعارفون على مسألة إهداء الكتاب فأنا شخصياً تصلني إهداءات من المؤلفين البحرينيين، لذلك عندما أذهب إلى المكتبات أبحث دائماً عن جديد الكتب من الروايات، وهناك من يهتم بالكتب التراثية، وكل تلك الكتب تحصل عليها في الخارج بأثمان معقولة، ولكن هنا قد تجد تلك الكتب ولكن سعرها مرتفع، والسبب تكلفة الطباعة.
مستقبل أفضل بسبب تعدُّد الجامعات
فيما يعتقد رجل الأعمال البروفيسور د. عبد الله الحواج أن ندرة دور النشر في الأساس تعود الى ندرة الكتاب نفسه، فالناشرون يبحثون عن الأسهل لهم لتصريف كتبهم عن طريق دور النشر في بيروت ومصر مثلاً، لأسباب منها كثرة الجامعات في هذه الدول، مؤمنا أن المستقبل سيكون أفضل بسبب كثرة الجامعات في البحرين وبسبب التعليم التنافسي، فسبب ذلك ستزداد مشتريات الكتب بشكل ملحوظ، خصوصاً ما يتعلق بالتخصصات الموجودة في هذه الجامعات، وستشهد المرحلة المقبلة تطوراً كبيراً في النشر الكتب العربية والعالمية في البحرين.
ويلفت د. الحواج: من المهم هنا ملاحظة أن الناس عندما يريدون نشر وطباعة كتاب ما فإنهم لا ينظرون للنشر محلياً فقط أو عربياً إذ إنه لا بد من التوجه للنشر العالمي، خصوصاً بعد انفتاح الثقافات على بعضها وتطور النشر العالي، وقد بدأت بالفعل اليوم بعض دور النشر في هذا الأمر وتسعى إلى نشر الكتب عالميا، ونحن في البحرين لا ينقصنا شيء، ونستطيع أن نطور أنفسنا بأن نكون جزءاً مهماً من هذا العالم، ولا شيء يصدنا من التطور في النشر في المرحلة المقبلة لأن جميع الإمكانات تساعدنا على تحقيق هذا.
الكتّاب وليس التّجار معنيون بإنشاء دور النشر
أما رجل الأعمال عبد الله أحمد ناس، فيؤكد أن هذه النوعية من الأعمال يجب ألا تقع على كاهل التجار، بل أن يتصدى لها المبدعون أنفسهم، كونهم المعنيون بها بالدرجة الأولى، ومن المفترض أن يقوموا بإنشاء شركة تحقق لهم مطالبهم، شركة مساهمة يشتركون فيها وينشرون فيها نتاجاتهم ليس في البحرين وحسب بل في العالم، ويمكن تطويرها إلى شركة عالمية، أو يشتركون مع شركة عالمية متخصصة في هذا النوع من الإنتاج.
ويضيف ناس: إن لكل تاجر نوعية خاصة من التجارة، وتجار البحرين متخصصون كل في عمله وليس في الكتابة والكتب، والتاجر مثل أي مستثمر، يهدف إلى الربح، وإذا كانت هذه الشركة التي أسسها الكتاب ستحقق له أرباحاً فسيساهم فيها، بعد أن يكون متأكداً من هذه الأرباح، لكن المبادرة لتأسيس هذه الشركة يجب أن تكون من الكتّاب أنفسهم وعندما ينجح المشروع يفتحون الباب لمساهمات التجار، لكني ألاحظ أنه وعلى رغم أن صناعة الكتاب في العالم مربحة تظل في البحرين خلاف ذلك، فهناك لو تمت طباعة كتاب فستجده يباع في كل الكرة الأرضية، لكن البحرين بلد صغير وعدد سكانها محدود، لو طبعت كتاباً فكم نسخة ستباع منه، وما هو مردوده المالي؟ أعتقد بأن المردود لن يغطي حتى تكلفة الطباعة.
الصحف مؤهلة لتأسيس دور النشر
كذلك يؤمن رجل الأعمال د. تقي الزيرة، أن أكثر المؤهلين والمعنيين بخوض تجربة تأسيس دور لنشر هم القائمون على الصحف، كونهم أكثر دراية بمزاج الناس وثقافاتهم، ولديهم ارتباط بالثقافة ومقدرة على إدارة هذا النتاج الفكري وتنوعه تعميماً للفائدة.
ويواصل الزيرة: ربما بسبب قلة الخبرة في هذا المجال، نجد عزوفاً كبيراً من دور النشر في مملكة البحرين، فدار النشر عندما تباشر طباعة كتاب تنظر إلى حجم الطلب الذي يبرر كلفته وبالتالي حجم المردود المالي الذي سيعود عليها، فعندما تطبع كتاباً في الهند التي تضم عدداً هائلاً من السكان، فإن إمكانية انتشاره وشرائه ستكون أكثر مما لو طبع في بلد صغير من حيث المساحة وعدد السكان، وبالتالي فإنه سيحقق نجاحاً كبيراً على ما أعتقد.
ويتابع الزيرة: طبعا لا يمكننا إغفال الانفتاح الاقتصادي والسياسي اللذين يساعدان بالطبع على نجاح النشر والتوزيع، كما يمكننا أن نتعرف على خبرات دول أخرى في هذا المجال مثل مصر أو لبنان ودول عربية نشطة ونستفيد من خبراتها، هذا إلى جانب أمر مهم علينا الالتفات اليه، وهو أن مجتمعنا البحريني شبابي والشباب له مزاجه الخاص الذي يناسب ثقافته، ولا يمكننا تجاهل التعددية الثقافية الموجودة في مملكتنا على رغم صغر حجمها وقلة عدد ساكنيها، وبهذا فإن التعرف على دور النشر والخوض في هذا المجال يحتاج منا إلى مجازفة كبرى، كما أن هناك نواحي تتعلق بطبيعة بيئتنا فنحن ما زلنا بحاجة لخبرات وتقنيات وقد يفتح تعلم هذه التقنيات مدارك أصحاب المال والمستثمرين للدخول من هذا الباب.
نُشر في صحيفة الوطن البحرينية: العدد (806) الأحد 28 فبراير 2008.