عبدالكريم كاصد - محو الترجمة (4-10)

المترجم الثاني الذي أتناوله في متابعاتي هذه الصديق الشاعر والمترجم ياسين طه حافظ من خلال ترجمته لشاعرين هما ويلفريد أوين والشاعر الإيرلندي ييتس.
سأتناول قصائد أوين الثلاث التي وردت في كتابه "شعراء من الحرب العالمية الأولى" مبتدئاً بقصيدة مؤثرة هي من بين أجمل ما خلّف الشاعر أوين من أشعار رائعة.
عنوان القصيدة هي كما جاء في ترجمة ياسين طه حافظ "الذين ذهبوا" ويعني بهم الذاهبون إلى الجبهة. كذلك يمكن ترجمتها بـ "المودَّعون".
تبدأ القصيدة بهذا المشهد الواسع الذي يتسم بالغرابة التي التقت فيها غرابة الشعر والواقع معاً في ظرف استثنائي هو ظرف الحرب.
جنود قادمون من معسكر تدريب يهبطون ممرات مظلمة ضيقة منشدين أناشيدهم باتجاه محطة جانبية مجهولة؛ لتنقلهم إلى جهة من الجبهة مجهولة أيضاً (أي بكامل السرية)، ثم يصعدون القطار بوجوه مبتهجة متجهمة (أي تبدو فرحة وهي متجهمة أيضاً) في آن واحد وقد التصقت بصدورهم أكاليل الورد البيضاء المهداة من حبيباتهم وزوجاتهم، كما تلتصق بصدور الموتى الذين عادة ما تغطى جنائزهم، في التقاليد الإنجليزية، بالأزهار البيضاء.
جاء في الترجمة:
يهبطون في الممرات الضيقة المظلمة
ينشدون في طريقهم إلى السقائف الخشبية
يحاذون القطار خطّاً طويلاً
بوجوه عليها فرح شرس
صدورهم ابيضت من غضب وزهر
كما ينبغي أن تكون صدور الرجال، الموتى
الترجمة تقول وليس القصيدة إنهم ذاهبون لا إلى محطة جانبية لا تقع على الخط الرئيسيّ للقطار لسرية الحملة، بل إلى السقائف الخشبية وهذا بسبب أنّ كلمة "محطة جانبية":
Sliding-shed
تحتوي على كلمة
Shed
وتعني سقيفة.
وبما أنها سقيفة فهي لا بدّ أن ترتبط في لغتنا العربية بكلمة خشبية، ولكنها في اللغة الإنكليزية تعني مع اللفظة الأخرى محطة جانبية بعيدة عن الخطّ الحديد الرئيسيّ وقد تنطلق من هذه المحطات والسكك الفرعية القطارات المشحونة بالحيوانات إلى الحظائر الموجودة في نهايات الخطوط الفرعية، ولا علاقة لهذا الأصل أو الكلمة المستجدة بما ورد في الترجمة وهذا ما أكدته بعض المقالات التي تناولت هذه القصيدة المتميزة.
أما السطر:
يحاذون القطار صفّا طويلا
فلا محلّ له في القصيدة، وبالأحرى لا معنى له، وكذلك السطر الذي يليه:
يوجوه عليها فرح شرس
ما من شراسة هنا وهم يطلون من القطار بأزهارهم التي تزين صدورهم كما تزين الموتى وهم بإطلالتهم المزينة بالأزهار، من نوافذ القطار وأبوابه، لا يكتم فرحهم الذي يتظاهرون به لمودعيهم الجهامة التي تلبسته رغماً عنهم، فلا موضع لشراسة هنا بل يأس مستحكم، وقد سبقهم مجندون بالآلاف لم يعودوا إلى بيوتهم.
تقول الإحصائيات إن انكلترا فقدت أكثر من 400000 جندي في الحرب وهذا ما كان يعرفه هؤلاء الجنود المودّعون الآن.
الترجمة الصحيحة: فرح متجهم أو متكدّر
وهو نوع من البلاغة يسميه الإنجليز:
Oxymoron
ونسميه في لغتنا: بـ "الإرداف الخلفيّ" وهو اجتماع لفظتين متناقضتين.
صدورهم ابيضّت من غضب وزهر
لا موضع أيضاً لكلمة غضب هنا فهي لم ترد في القصيدة قطّ، مثلما لم ترد كلمة شراسة ايضاً، وأنما تمّ هنا شيء من الخلط بين كلمتين في الإنكليزية هما:
Wreathe
و
Wroth
والأولى تعني: إكليل زهر.
والثانية تعني: شديد الغضب.
واستبدلت إحداهما الآخرى، فصار أكليل الزهر غضباً، وهذا في رأيي من السهو الذي ينبغي للمترجم أن يحذره. وهو للأسف يتكرر في خاتمة القصيدة أيضاً.
كل ما سبق يبدو هيّنا إزاء ما يطالعنا في المقطع الذي يليه:
عمال القطار شهدوا ذلك
أجير عابر وقف وحدّق بشدة
ودون أن يتحرك، هزّ برأسه للحارس وأشار له بمصباحه
لم يرد ذكر لعمال القطار في القصيدة والذي ورد هو:
حمالون بليدون يتطلعون إليهم، ومشرد
وقف يحدق فيهم بتمعٍّن (أو بعمق)
أسفاً لفقد هؤلاء القادمين من معسكر التدريب
أي أن الذي حدق متشرد عابر وليس عابراً أيّاً كان، فلا مكان في هذه المحطة حتى للعابرين. إنه مجرد مشرّد لا يستوقف أحداً.
وهذا المتشرد هو أنبل من الآخرين في تعاطفه مع هؤلاء الهابطين من معسكرهم فهو يأسف لفقدهم القادم لأنه كعامة الناس يعرفون أن لا عودة لهم.
كذلك ليس هناك عابرٌ ولا مشرد ظلّ واقفاً، ولم يتحرك، أو هزّ رأسه للحارس أو أشار إليه بمصباحه.
هذا لم يحدث في القصيدة.
لماذا يحمل المشرد أو العابر المصباح ويشير به إلى الحارس. هل نحن في كرنفال؟ وكيف يحمل المشرد أو العابر المصباح ولا يحمله حارس المحطة.
لماذا لم يتحرك وهو العابر؟ خاصة أن الشاعر استخدم الفعل الماضي عندما ذكر أنه وقف يحدّق فيهم ومضى آسفاً.
الذي هزّ رأسه دون أن يتحرك هو الإشارات الموجودة في السكة، والذي غمز الحارس هو المصباح لا المشرد ولا العابر.
وفي هذا الجوّ الذي تكون فيه الآلات لا البشر هي الفاعلة يزداد المشهد قتامة ووحشة وسريّةً.
Dull porters watched them, and a casual tramp
Stood staring hard,
Sorry to miss them from the upland camp.
كما تلاحظون أن الفعلين الواردين في هذين السطرين في الزمن الماضي.
الذي لم يتحرك من مكانه هو الإشارات التي أومأت برؤوسها، والمصباح الذي غمز بعينيه الحارس.
Then. unmoved, the signals nodded, and, a lamp
Winked to the guard.
يلي ذلك هذه الأسطر الثلاثة بترجمة ياسين طه حافظ:
سرّاً ، مثل أخطاء كُتمت، ذهبوا.
لم يكونوا منّا.
لم نسمع حينها إلى أي الجهات أرسلوا.
ولا ملاحظة جوهرية لي على هذه الترجمة وإن كنت أفضل كما جاء في الأصل: بسريّة تامة أو مطلقةٍ بدلاً من: سرّاً.
والبيت الأخير أن يكون:
لم نسمع قطّ إلى أيّ جبهة أرسلوا.
لأنّ قطارَهم يتوجه إلى جبهة محددة وليس إلى جبهات كما تقتضي السرية التامة.
ولا.. إنْ كانوا سخروا من النساء
آنَ أهدينهم الأزهار
الذي جاء في ترجمة الصديق ياسين:
ولا هناك حين سخروا من النسوة اللائي أعطينهم زهوراً
لأنهم يعرفون أنهم الضحية القادمة وأنهم قد لا يعودون أبداً وهذا ما تعرفه زوجاتهم وحبيباتهم أيضاً وكأنّ ما يجري مسرح يخفي أكثر مما يعرض على خشبته. الكل متواطئ في حجب الحقيقة... حقيقة الواقع كما هو.
تنتهي القصيدة بتوقعها أن من سيعودون هم قلة...قلة:
قلّةٌ، قلّةٌ، قلّة جدّاً (من يعودون)* للطبول والعويل
وقد يزحفون صامتين باتجاه آبار قريةٍ
وطرق شبه مجهولة
*جملة من يعودون أضافة مني واستعاضة عما حذفته في السطر الثاني بنفس المعنى.
هذه الأبيات الأخيرة جاءت بترجمة الصديق ياسين طه الحافظ كالتالي:
بضعة، بضعة ضئيلة للطبول والندب
قد يزحفون عائدين بصمت
إلى حيطان القرية، وعبر طرق نصف معروفة
والنص الأصلي لهذه الأبيات هو:
A few, a few, too few for drums and yells.
May creep back, silent, to village wells
Up half-known roads
ثانية يخلط الصديق ياسين طه الحافظ بين:
Wells
و
Walls
فيترجم الثانية بدلاً من الأولى أي:
حيطان القرية
بدلاً من:
آبار القرية
ولا حاجة للشرح والتأكيد أن الأبار هي الألصق بالقرية.
وهذا ما سيتكرر – مع الأسف – في ترجماته القادمة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...