د. حسام الدين فياض - النجاح يكشف مكانة الإنسان في عيون الآخرين

" يغير النجاح مكانة الإنسان بين الناس، فتتغير معه بعض الوجوه والعلاقات من حوله، ويصبح التحدي الحقيقي أن يصل الإنسان إلى ما يريد دون أن يفقد نفسه في طريق نجاحه " (الكاتب).

يهدف المقال إلى فهم الكلفة الاجتماعية والنفسية التي قد ترافق نجاح الفرد، وكيف يعيد النجاح تشكيل موقعه وعلاقاته داخل محيطه الاجتماعي، وما يكشفه من تحولات في نظرة الآخرين إليه، مع إبراز أهمية الحفاظ على اتزانه وقيمه الإنسانية وسط تحولات الحياة وتجاربها.

يبدو النجاح في صورته الظاهرة نتيجة طبيعية للجهد والمثابرة، لكنه في الواقع يعيد ترتيب موقع الإنسان داخل شبكة العلاقات التي ينتمي إليها. فكلما ارتفعت مكانة الفرد، تغيرت الطريقة التي يراه بها المحيطون به، لأن المكانة الاجتماعية لا تقاس بما يحققه الإنسان لنفسه فقط، وإنما بما يمثله هذا الإنجاز في أعين الآخرين. لذلك قد يتحول النجاح من مصدر للإعجاب إلى مصدر للمقارنة والقلق، خصوصاً في البيئات التي تبنى فيها القيمة الاجتماعية على التفوق النسبي لا على الاعتراف المتبادل. يصبح تقدم الفرد، في هذا السياق، حدثاً يربك بعض التوازنات التي اعتادها الآخرون، لأن نجاحه يعيد توزيع الانتباه والاعتراف والمكانة داخل محيطه الاجتماعي.

ويكشف تغير مكانة الإنسان عن تحولات أكثر خفاءً في نظرة الآخرين إليه. فقد يواجه الفرد الرفض بسبب ما أصبح عليه، لا بسبب ما فعله، إذ قد تدفع المكانة الجديدة بعض الأشخاص إلى إعادة تفسير نجاحه بما يقلل من قيمته، فيعزى إلى الحظ أو العلاقات أو الظروف، أو تستعاد من سيرته تفاصيل يمكن استخدامها لتقليص صورته الجديدة. ولا يرتبط ذلك دائماً بحسد واع ومقصود، بل بآلية نفسية واجتماعية تنشأ من المقارنة، فنجاح الآخر قد يضع الفرد أمام سؤال يتعلق بموقعه هو، فيصبح الإنجاز الخارجي للناجح مناسبة لإعادة تقييم الذات. عند هذه النقطة تتحول الخصومة من اعتراض على فعل محدد إلى مقاومة لمعنى اجتماعي جديد فرضه نجاح الفرد على محيطه.

وتظهر هذه المقاومة بصورة أكثر وضوحاً في العلاقات التي تتداخل فيها المودة مع المنفعة. فبعض الروابط تستمر ما دامت المصالح متوازنة، وبعضها يحتفظ بمظهر القرب بينما يستند في عمقه إلى الحاجة وتبادل المنافع. وعندما تتغير مكانة الإنسان، تنكشف طبيعة هذه الروابط تدريجياً، يقترب منه من يرى في نجاحه فرصة، ويبتعد عنه من يشعر أن صعوده أخل بالتوازن القديم، ويتغير خطاب آخرين تبعاً لما أصبح يمثله من نفوذ أو قيمة اجتماعية. وهكذا لا يغير النجاح موقع الفرد فحسب، بل يعيد ترتيب المسافات بينه وبين الآخرين، فيكشف العلاقات التي كانت تستمد قوتها من الإنسان نفسه، وتلك التي كانت تستمدها من موقعه السابق. ولذلك قد يكون النجاح كاشفاً لطبيعة العلاقات أكثر من كونه سبباً في تغيرها.

ومع تغير هذه المسافات، تصبح صورة الإنسان في المجال الاجتماعي موضوعاً لإعادة التشكيل. فالمجتمع لا يتعامل مع الفرد من خلال أفعاله المباشرة وحدها، وإنما يبني عنه صوراً تتكون من الكلام والتأويل والذاكرة والتجارب المتراكمة. وقد تمنح الخصومة بعض هذه الصور اتجاهاً سلبياً، لكن الصورة الاجتماعية لا تستقر على رواية واحدة، فالزمن يختبر ما يقال، والسلوك المتكرر يمنح الناس مادة أكثر ثباتاً للحكم. لذلك يستطيع الإنسان أن يحافظ على صورته من خلال اتساق أفعاله، لا من خلال الدخول في معارك مستمرة للدفاع عن نفسه. فالسيرة المتماسكة أقوى من الانطباع العابر، والاستقامة التي تتأكد عبر المواقف قادرة على مقاومة كثير من التأويلات، لأن السمعة في النهاية ليست جملة يقولها الآخرون، وإنما حصيلة طويلة لما يراه الناس ويختبرونه ويتذكرونه.

وعندئذ، يظهر الثمن الأعمق للنجاح، فالمطلوب من الإنسان أن يحافظ على مكانته من دون أن تسمح له المكانة بإعادة تشكيل أخلاقه. يستطيع الفرد أن يواجه الحسد دون أن يصبح حسوداً، وأن يتعامل مع التلون دون أن يتلون، وأن يرفض منطق المصلحة دون أن يتحول إلى شخص يستغل قوته الجديدة. فالخصومة تصبح أكثر خطورة عندما تدفع الإنسان إلى تقليد السلوك الذي يرفضه، عندها يتحول الدفاع عن الذات إلى وسيلة لفقدانها، ويتحول النجاح إلى موقع جديد داخل المنطق الاجتماعي نفسه الذي كان ينتقده. أما القيمة الحقيقية للنجاح فتظهر في قدرة الإنسان على تغيير موقعه من دون تغيير مبادئه، وعلى اتساع تأثيره من دون أن يتحول إلى استعلاء، وعلى امتلاك القوة دون أن تصبح علاقته بالآخرين محكومة بها وحدها.

وتكشف لنا التجربة في نهايتها أن كلفة النجاح لا تتمثل في الجهد الذي يتطلبه الوصول وحده، وإنما في التحولات التي يفرضها الوصول على علاقة الإنسان بمحيطه وبصورته عن نفسه. فقد يواجه الناجح الإعجاب والمقارنة والمصلحة والخصومة في الوقت نفسه، لكنه يستطيع أن يختار استجابته لها، وأن يجعل سلوكه أكثر ثباتاً من تأويلات الآخرين. لذلك تبقى السيرة أقوى من الضجيج المحيط بها، فالصورة التي يصنعها الإنسان بالكلام يمكن أن ينازعها الآخرون، أما الصورة التي يبنيها بالسلوك فيحسمها الزمن. قد يكون النجاح مكلفاً، وقد يكشف هشاشة بعض العلاقات، وقد يفتح أبواباً للخصومة، لكن الإنسان الذي يعبره محتفظاً بنزاهته لا يخرج منه بمكانة أعلى فحسب، بل يخرج بسيرة يصعب على الخصومة أن تشوهها.

نصيحتي لك، واصل طريقك، وتقبل أن تتغير بعض الوجوه من حولك كلما تغيرت ظروف حياتك، فهذا جزء من التجربة الإنسانية. احتفظ بمن يبقى إلى جانبك بمحبة صادقة، ولا تثقل قلبك بما لا تستطيع تغييره، وامنح نفسك حق الفرح بما حققته، حتى لو لم يستطع الجميع أن يفرحوا لك. عش تجربتك بالطريقة التي تؤمن بها، واترك للآخرين مشاعرهم واختياراتهم، دون أن تجعلها عبئاً عليك، فأجمل ما يمكن أن يصل إليه الإنسان أن يجد نفسه في نهاية الطريق كما أحب أن يكون، وأن يظل قادراً على النظر إلى من حوله بقلب لم تفسده تجارب الحياة.

----------------------------------------------------​
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...