د. حسام الدين فياض - النفاق الاجتماعي حين تتبدل الوجوه بتبدل المصالح

" النفاق الاجتماعي لا يكشف ضعف الإنسان في قول الحقيقة فحسب، بل يكشف مجتمعاً قد يجعل التلون أكثر أماناً من الصراحة، والمجاراة أكثر نفعاً من الاستقلال " (الكاتب).

يهدف المقال إلى توضيح النفاق الاجتماعي بوصفه ظاهرة اجتماعية تتشكل في تفاعل الفرد مع الجماعة والمكانة والمصلحة، وفهم الشروط التي تدفع إلى التلون في المواقف باختلاف البيئات، وبيان أثره في الثقة والعلاقات بين الناس.

ينشأ النفاق الاجتماعي عندما يصبح الحفاظ على الموقع الاجتماعي أهم من الحفاظ على الموقف، فيتعلم الإنسان أن يقدم لكل جماعة الوجه الذي يضمن له مكاناً بينها. يظهر متديناً بين المتدينين، ومنسجماً مع المنحلين بين المنحلين، مطيعاً أمام السلطة، ومعارضاً أمام معارضيها، حتى يصعب معرفة ما إذا كان وراء هذه الوجوه موقف ثابت. ويشبه في ذلك الحرباء التي يتغير لونها بحسب الوسط الذي تستقر عليه، غير أن الإنسان لا يغير لونه، بل يعيد تشكيل صورته الاجتماعية وفقاً للمكان الذي يوجد فيه وللأشخاص الذين يريد منهم الاعتراف. وعندئذ لا يعود النفاق مجرد خلل في الصدق، بل يصبح ظاهرة تكشف كيف يتشكل سلوك الفرد تحت تأثير الجماعة والمكانة والقوة والمصلحة.

يتعلم الفرد منذ التنشئة أن لكل جماعة حدوداً لما تعتبره مقبولاً، وأن الانتماء إليها يرتبط بدرجات متفاوتة من الامتثال. وتصبح هذه الحدود أكثر تأثيراً عندما يكون الاختلاف مكلفاً، أو عندما ترتبط المكانة والفرص بعلاقات الولاء والقرب من أصحاب النفوذ. وقد يبدأ التلون في صورة تجنب للصدام أو حماية للموقع، ثم يتحول بالتكرار إلى أسلوب في إدارة العلاقات، خصوصاً عندما يكتشف الفرد أن إظهار ما يرضي الآخرين أقل كلفة من الدفاع عن موقفه. وهنا تتداخل إرادة الفرد مع شروط البيئة، فالمنافق يختار سلوكه، لكن المجتمع يحدد إلى حد كبير مقدار ما سيدفعه مقابل الصراحة، وما يمكن أن يحصل عليه مقابل المجاراة.

ويجد المنافق في تعدد الوجوه قدرة على الحركة داخل بيئات اجتماعية مختلفة دون أن يرتبط بموقف واحد قد يحرمه من فرصة أو علاقة أو نفوذ. فهو يتقرب من القوة عندما تكون مصدر منفعة، ويستعير خطاب المعارضة عندما يتغير اتجاهها، ويتحدث بلغة الجماعة التي يحتاج إلى قبولها. وتتحول هذه القدرة إلى مورد اجتماعي في البيئات التي تمنح الولاء الشخصي والتملق قيمة تتجاوز قيمة الكفاءة والاستقلال، فيصبح النفاق وسيلة للحماية أو الترقي أو الحفاظ على المكانة. وبهذا المعنى، فإن مصلحة المنافق ليست في الكذب لذاته، وإنما في تحويل صورته الاجتماعية إلى وسيلة للوصول.

وتأخذ الظاهرة بعداً أعمق عندما تجد هذه الممارسة من يحتاج إليها ويكافئها. فصاحب النفوذ قد يجد في المنافق تأييداً يحفظ صورته وموقعه، والجماعة قد تفضل من يردد خطابها على من يضعه موضع السؤال، والفرد يحصل في المقابل على القبول أو القرب أو الفرصة. وتنشأ بذلك علاقة متبادلة تجعل النفاق قابلاً لإعادة الإنتاج، إذ يتحول من سلوك فردي إلى ممارسة تستند إلى شبكة من المصالح والعلاقات. وتصبح المشكلة عندئذ مرتبطة بطريقة توزيع المكانة والفرص بقدر ارتباطها بضمير الفرد.

ويكشف موقف المجتمع من المنافق عن مفارقة تستحق التوقف، فالمجتمع يدينه عندما تنكشف أقنعته، لكنه قد يمنحه الاعتراف عندما يكون نفاقه مفيداً لمن يملكون القوة أو القرار أو القدرة على التأثير. وقد يوصف الشخص نفسه بالانتهازية في موقف، وبالمرونة والذكاء الاجتماعي في موقف آخر، تبعاً لموقع من يحكم عليه ومصلحته في الحكم. وتكشف هذه الازدواجية عن فجوة بين القيم التي يعلنها المجتمع والآليات التي تعمل بها علاقاته فعلياً، فإدانة النفاق أخلاقياً تفقد كثيراً من قوتها عندما تكافئه الممارسة الاجتماعية.

ويمتد أثر هذه الازدواجية إلى الثقة التي تقوم عليها العلاقات. فالموقف المتغير بحسب الشخص أو الظرف يجعل الآخر أقل قدرة على توقع السلوك، ويدفعه إلى التعامل بحذر والبحث عما وراء الأقوال. ومع تكرار التجربة يتحول الشك من استجابة تجاه فرد معين إلى أسلوب عام في قراءة العلاقات، فتزداد الحاجة إلى اختبار الولاءات وتفسير النيات، ويصبح التعاون أكثر صعوبةً. وبذلك يدفع النفاق ثمناً اجتماعياً يتجاوز صاحبه، لأنه يضعف الثقة التي تسمح للأفراد بالتعامل مع بعضهم من دون مراقبة مستمرة.

ويظل تعدد الأدوار الاجتماعية أمراً طبيعياً، فالإنسان يتحدث مع أسرته بطريقة، وفي عمله بطريقة أخرى، ويتعامل مع اختلاف الأشخاص والسياقات بما تقتضيه طبيعة كل علاقة. ويختلف ذلك عن النفاق في أن تعدد الأدوار يغير أسلوب التعبير، بينما يغير النفاق الموقف نفسه تبعاً للجهة التي يقف أمامها الفرد. ويستطيع الإنسان المتماسك أن يراعي السياق دون أن يتخلى عن مرجعيته، وأن يحترم المختلف دون أن يتقمص قناعاته، وأن يتعامل مع السلطة دون أن يجعل القرب منها بديلاً عن استقلاله.

ويكشف النفاق الاجتماعي في نهايته عن تفاعل بين مسؤولية الفرد وشروط البيئة التي يتحرك داخلها. يتحمل الفرد مسؤولية اختياره، لكن الاختيار لا يحدث في فراغ، فكلما ارتفعت كلفة الاستقلال، وضعفت حماية الاختلاف، وأصبحت المكانة أقرب إلى الولاء منها إلى الكفاءة، اتسعت المساحة التي يستطيع النفاق أن يعمل فيها. وكلما أصبحت الفرص أكثر ارتباطاً بالجدارة، والاختلاف أكثر قبولاً، والعلاقات أقل خضوعاً للمحاباة، تراجعت الحاجة الاجتماعية إلى الأقنعة.

وتبقى المسألة الأعمق في النفاق الاجتماعي أن المجتمع قد ينشغل بكشف وجه المنافق، بينما يغفل أحياناً عن الشروط التي جعلت ارتداء الأقنعة مفيداً. فالأقنعة لا تعيش بقوة أصحابها وحدهم، وإنما بما تمنحه البيئة لمن يرتديها. وعندما يصبح الإنسان قادراً على أن يختلف دون أن يخسر مكانه، وأن ينجح دون أن يتملق، وأن يقترب من السلطة دون أن يتحول إلى تابع، يصبح تعدد أدواره تعبيراً عن مرونة اجتماعية طبيعية، لا دليلاً على تعدد حقيقته. عندها فقط يفقد النفاق وظيفته الاجتماعية، ويستعيد الإنسان حقه في أن تتغير مواقفه بالاقتناع، لا بتغير الوجوه التي ينظر إليها.

نصيحتي لك، افهم الناس كما هم، من غير أن تفقد نفسك بينهم، واترك لكل إنسان حقه في أن يختلف عنك من غير أن يتحول الاختلاف إلى خصومة. فالحياة تجمعنا بأشخاص وبيئات متعددة، والنضج أن نعرف كيف نعيش هذا التنوع من غير أن نتخلى عما نؤمن به أو نسيء إلى من لا يشبهنا. احتفظ بما يطمئن إليه ضميرك، ولا تجعل ضغط الجماعة يدفعك إلى ما لا يشبهك، وفي الوقت نفسه لا تجعل تمسكك بما تؤمن به سبباً للقسوة على الآخرين. وعندما يجد الإنسان راحته في أن يكون نفسه، يصبح تعامله مع الناس أكثر صدقاً وهدوءاً، ويستطيع أن يترك أثراً طيباً من غير أن يسعى إليه، وأن يجعل ما بينه وبين الله تعالى حاضراً في معاملته للناس، فيبقى محترماً لذاته، كريماً مع غيره، ومطمئناً إلى الطريق الذي اختاره.
------------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...