أ. د. مصطفى الشليح - * بصدد حُمَّى الكتابة عن الملحون: انزعْ عن قوسكَ تكنْ بشمسِكَ.

كان ذلك، في مستهل عام 1983. أحرزنا، نحن ستة طلبة، امتحان الشهادة المعمقة تخصص: أدب مغربي ـ أندلسي، وكنا اثنين نترقب لقاء أستاذنا د. عباس الجراري لنقترح عليه عنواني رسالتين، إذ بقبوله نكمل تحضير تقريرين أوليين.

سألني صاحبي: ما عنوانك ؟ قلتُ: لعلِّي أمضي إلى بحث عن الثقافة المغربية بسلا في عهد الحماية. وقتئذ لا أحد أنجز دراسة عن سلا مركزا ثقافيا. كنتُ قلتُ، وللشباب حميتُه، قبلما أتدبرُ: أنا انتدبتُني ذاهبًا إلى إنجاز غير مسبوق، إلا من تراجم قليلة، وإلا من إشارات مقالية في الإعلام. أعود إلي صاحبي: وأنت، ما مقترحك عنوانا ؟ قال: قصيدة الملحون في " … ".

أنا كنتُ قرأت أطروحة أستاذنا عباس: القصيدة. الزجل في المغرب، وكتابات محمد الفاسي في مجلة " المناهل "، علاوة على ما كان ينشر في الإعلام باحتشام كبير. كان لديَّ شبه انجذاب إلى إنشاد قصائد الملحون. لعله الإيقاع، ولعلها تخاييل ليست في الفصيح، أو لعلها ترسبات التنشئة.

قلت لصاحبي: قصيدة الملحون، في المغرب، ذات حوار لا ينتهي بين مختلف مراكزها، وإن هي إلا لوينات شفافة لا تنتج فرادة يمكن اعتبارها من قبيل الخصوصيات، وإن أستاذنا في " القصيدة ' ألمّ بالمشترك الموضوعاتي والجمالي بين مآرز الملحون في المغرب، فلستُ أراك مبرزا، في البحث، إلا بإنجاز مسافة بينك وكتاب " القصيدة "، وإلا احتواك تصورًا وبناءً. خذ الكتابة عن الملحون بأفق سيميائي يبنْ قولكَ عن رؤية سابقة. لم يأبه صاحبي بما أتيتُ عليه، وأنجز رسالته بما سألته اختلافا واجتهادا بطرق منهجي غير مطروق.

وأنا أُدَرِّسُ، في كلية آداب الجديدة، اقترح طالب عنوان: شعر الملحون في " .. "، وكان صديقنا د، عبد المجيد نوسي. يحاضر في المنهج السيميائي بمختلف طرائقه. قلتُ للطالب: قارب المتن سيميائيا، واجعل ملحقين للمتن وللتراجم، ولكن الطالب آثرَ مهيعًا ثانيًا، فتركتُ له الحق في تخير ما يأنس إليه؛ ولم ينأ الدرس عن الوصف والتصنيف، وهما مرحلتان أساسيتان، ولكنهما غير كافيتين لإنجاز قراءة تسعى إلى معرفة النص بالنص.

الآن، نشهد حمَّى الكتابة عن الملحون، وليسَ فيه، وهي حمَّى مباركة، ولكن الخشية أن ينجم، عنها، ما لا يفيد تقطيرَ انتباهٍ عارفٍ للملحون من دواةٍ تكون سكنى الباحث فيه باعتباره كينونةَ ذاتٍ قبلما تكون منتجًا تعبيريا إذا خلا من نسقيته أخلى، فكأنْ ليس الأنا والآخر شريكين في " لكلامْ " قبل الكلام، وبعد الكلام عن " لكلامْ "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...