نِيَّةٌ سيِّئة

حيدر عاشور

اعتاد عَليٌّ أن يزن صِلاته بالبشر بميزان صائغٍ حذر. يغزل للجميع أدباً جماً، ويقف من العالم على مسافة أمانٍ دقيقة؛ مسافةً تصون سلامته الداخلية وتفرض مهابته على الآخرين. تلك كانت نبتة تربيته الأولى، وعقيدته التي رعتها الأيام، فترسخت في نفسه فضيلة التسامي عن هفوات الأقربين وعابري الطريق. كان يملك حكمةً تُلين عسير المواقف، وتُحيل العداوات صلحاً، مدفوعاً برغبةٍ عارمة في حماية نقاء ضميره وصيانة مبادئه.
ساقته خطاه النقية نحو البسطاء؛ ففي ممرات عمله الضيقة، كان يرى في عامل النظافة وقاراً خاصاً، ويجد متعته في تبادل أطراف الحديث مع الحارس والفراش. لم يكن جافاً يوماً، بل كان يفيض دفئاً ما دام يحتمي خلف أسواره غير المرئية، لكن الحصون الشاهقة تتهاوى أمام الجوع الإنساني للمودة. بين الحين والآخر، كان يمر بحياته عابرٌ يبدي له إعجاباً خاصاً، فيظنه الاستثناء الذي ينتظره. وغالباً ما كانوا يستغلون نيته الطيبة، لا سيما أولئك الذين يعملون في مجاله نفسه. ورغم أنه صاحب الفضل عليهم في تقويم مسارهم المهني، فإن نواياهم كانت تتجه نحو الإساءة المبطنة ونكران الجميل. أما من يفوقونه مهارةً، فقد كانوا يتعمدون تهميشه ليبرزوا هم دون وجه حق، كأنهم صانعو المستقبل، غير أنهم من فرط فشلهم باتوا لا يستحيون.

في أيِّ مكانِ عملٍ يلتحقُ به، كان عليٌّ يسقط في فخه المعتاد؛ يشرع أبواب قلبه الموصدة، ويمنح هذا الزميل المقرب مكاناً لا يستحقه، مغدقاً عليه اهتماماً بلا حدود، ومسلماً إياه مفاتيح ثقةٍ مطلقةٍ حُرم منها الجميع. ويا لمرارة النهاية المعاد تدويرها! فما إن يدرك الطرف الآخر أنه استوطن قلبه، حتى تتغير نبرته تماماً؛ يتلاشى التوقير ليحل محله استعلاءٌ مبطن، ثم ينتهي الأمر بارتداء قناع النفاق؛ ملقٌ يملأ الوجه علناً، وضغينةٌ تنهش السريرة خفاءً. لكن الوجع لم يقف عند حدود المفاجأة، بل كان يتدحرج سريعاً ليصبح طعنةً متكاملة الأركان. في لحظة غامضة، يتحول الصديق المقرب إلى خصم شرس، فيبدأ بنبش أسرار الماضي التي ائتُمن عليها في ساعات البوح العفوية، ويستخدمها ذخيرةً لتشويه سمعته، وكأن نبل عليّ كان استفزازاً للدناءة. تكررت هذه القصة معه كثيراً؛ فاختلفت الشخوص والأماكن، وظلت الحبكة الخائنة ذاتها، ومع كل طعنة جديدة، كانت روحه تُثخَن بالجراح.
وقف عليٌّ يوماً يُحدق في انكساراته داخل مرآة نفسه، متسائلاً بذهول:

  • لماذا تنعكس النوايا كلما أظهرتُ الحب؟ هل القرب يفسد النفوس، أم أن البعض لا يرى في اللين إلا ضعفاً؟. لماذا ينقلب من أُدْنِيهم من قلبي وأسراري أعداءً بنوايا سيئة؟. لا أشعر بها فحسب، بل أتحسسها وألمسها لمساً واقعياً في صورها المرئية ووشاياتها المبطنة! لماذا يخونني من يُقاسمني زادي؟ ولماذا يفضحون أسراري الخاصة بلا رحمة، بل يزدادون قسوة بتأويل ما ليس فيّ؟.
في تلك اللحظة تحديداً، حسم عليٌّ خياره بأن يعيش واقع نفسه بلا مجاملة ودون رياء، وأن يكون على حقيقته كإنسان؛ إذ أدرك أخيراً أن النقاء والحب وأواصر الصداقة ليست مأثماً، إنما المأثم الحقيقي هو إيواء من لا يستحقون الأمان. عقد العزم على إيصاد أبواب قلبه إلى الأبد، وكفّ يده عن اقتفاء خطى الآخرين. عاد إلى نقطة انطلاقه الأولى، واضعاً حداً صارماً بينه وبين البشر؛ بات يجود بالاحترام على الجميع، ويشحّ بالثقة عن الجميع، بعد أن أغلق كل الممرات المفضية إلى روحه بلا استثناء. وبذلك، استعاد سكينة ذهنه، لكنه سدد لقاءها ثمنًا باهظاً وموحشاً: أن يلوذ بسلام صقيعي.. فلا أعداء يربكون خطوه، ولا أصدقاء يدفئون وحدته.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...