أدب السيرة الذاتية عبدالعزيز كوكاس - عزيز مول البيت

كانوا يلقّبوننا في الحي الشعبي بحي الخير في يعقوب المنصور بالرباط بـ«مالين البيت». كانت العبارة تحمل نبرةً من التقدير وربما شيئًا من الغبطة الخفيّة. ففي ذلك الحي الصفيحي، حيث كانت البيوت تتجاور كأنها تتساند في وجه الريح والفقر، كان لنا وحدنا بيت نعدّه ملكنا، مساحة صغيرة من الأرض، وجدران متينة من البناء الصخري بالحمري، وسقف كان يمنحنا شعورًا نادرًا بالأمان وامتياز أن نرى ما يحدث من أعلاه حين كنت أنط مثل قرد بدون سلم إلى سطحه، وحين كنت أنشر عليه كتبي كلما هاجمنا المطر..
كان أبي «مول البيت» يملك، وسط الهشاشة، موضعًا ثابتًا يضع فيه قدميه، ويغلق عليه بابه، ويقول في سرّه: هذا بيتي. وربما كانت الملكية، في عالم المحرومين، تبدأ من هذه الجملة البسيطة، من أن يكون للإنسان باب يملك مفتاحه، وجدار يعلّق عليه ذاكرته...
كان اللقب يميزنا عن غيرنا، لكنه لم يفصلنا عنهم. كنا ننتمي إلى الحي نفسه، نمشي في أزقته، ونقتسم مع سكانه الغبار والمطر وضيق المكان، غير أن البيت منح الأسرة منزلة رمزية مختلفة. صار أبي، في نظر الناس، رجلًا له أصل ثابت، لأنه استطاع أن ينتزع من الفقر رقعةً صغيرة يعلن فوقها استقلاله.
ومع مرور الزمن، أدركت أن عبارة «مول البيت» كانت أكبر من البيت نفسه. كانت تختصر سيرة رجل قاوم الهشاشة بما استطاع، وحوّل المسكن المتواضع إلى دليل على الكرامة. فالبيت كان حصيلة تعب، وعلامة حضور، ووعدًا ضمنيًّا بأن أبناءه لن يظلوا عابرين في هذه المدينة.
قد يبدو الأمر اليوم مفارقًا: أن يكون امتلاك بيت في حي صفيحي مدعاةً للتميز. لكن الفقر يعيد ترتيب معاني الأشياء، فما يبدو صغيرًا في أعين الميسورين، قد يكون فتحًا عظيمًا في حياة المحرومين. كان بيتنا هشًّا في مادته، قويًّا في دلالته، ضيقًا في مساحته، لكنه كان واسعًا بما احتضنه من حب وأحلام. ومن داخله بدأنا نتعلم أن الكرامة تُقاس بما يمنحه لنا ذلك القليل من شعور بأن لنا مكانًا في العالم، وربما لهذا السبب كنا نمد نحن الأبناء "مالين البيت" ارجلنا بحجم حافة سريرنا، ولم تجذبنا مغريات عديدة حتى حين كنا ندور في قلبها وفي ظل غوايتها، وحافظنا جميعا على نقائنا وتواضعنا..
لهذا ظل لقب «مول البيت» عالقًا في ذاكرتي. ومثّل لنا انتصارا صغيرا على الاقتلاع، وكان امتلاك عقار من طين في حي صفيحي يحمل بعد امتلاك موطئ قدم في الحياة. كان أبي يملك بيتًا في حي شعبي، يمنحه اسمه، ويثبّت مكانته، ويجعل من رجل بسيط سيّدًا على حدوده الضيقة. لعل هذا ما منحه الكثير من الكبرياء دون أن يفقده تواضعه وقد أورثنا بعضا منه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...