حيدر عاشور
لم يكن صادقٌ مجردَ قصابٍ عاديٍّ في الحي، بل كان فنانًا في الخداع. كان يملك لسانًا ينطق بالقسم الغليظ أسرع من حركة ساطوره: «والله العظيم، لحمُ بقرٍ بلديٍّ يذوب في الفم!». هكذا كان يصرخ بزبائنه وهو يبيعهم لحمَ الحميرِ المفرومَ بعناية، بعد أن يخلطه بنسبة ذكية من ليَّةِ الخروف الدسمة ليخفي الرائحة والطعم. وكان يرى في ملامح الرضا على وجوه زبائنه وأصدقائه نكتةً يوميةً تثير ضحكَه الساخر في المساء وهو يَعُدُّ أمواله، حتّى إنَّه كان يُكرم عمّاله على وفائهم لخدمته؛ فرواتبهم تفوق راتب مدير عام في الحكومة.
في ليلة خريفية، توقفت أمام محلِّ صادقٍ سيارةٌ مصفحةٌ سوداء، بالغة الفخامة، تكاد الأرض تهتز تحت وطأة عجلاتها. نزل منها رجلٌ يرتدي بدلةً رسميةً أنيقة، يفوح منه عطرٌ فرنسيٌّ ثقيل، وتلوح علامات السلطة والنفوذ على ملامحه؛ كان يبدو كأنه صديق طفولةٍ قديم، يتقاسم مع صادقٍ الملامحَ والطباع ذاتها. قدّم الرجل نفسه بأنه «المستشار المسؤول»، وعرض على صادق شراكة العمر قائلًا: «لنستعد ماضينا بنطاقٍ أوسع، فنحن في زمن الخنازير الحديثة». صعد صادق إلى المقعد الخلفي الوثير، وطوال الطريق، كان بريق الجلد الفاخر ورائحة الثراء يبتلعان ما تبقى من تردده. انطلقت السيارة نحو أطراف المدينة، وعبرت بواباتٍ حديديةً عملاقة إلى بستانٍ ناءٍ مسيَّجٍ بالكاميرات والحراس، كأنه محميةٌ سرية لا تطأها قدم القانون.
داخل البستان، قاده المستشار إلى حظائر حديثة حُجبت بعناية. هناك، شاهد صادق قطعانًا من الخنازير الرمادية الصغيرة تلهو حول أمهاتها الضخمة. التفت إليه المسؤول وقال بنبرة باردة: "هذه المزارع تابعة لجهات نافذة، وتنتج فائضاً لا يمكن تسويقه علناً. نريد قصاباً ماهراً ومجرداً من العقد الأخلاقية مثلك. سنزودك بلحوم الخنازير مجاناً، وعليك دمجها في السوق على أنها لحوم بقر وخراف. الأرباح ستكون خيالية.. والقسمة بيننا مناصفة. لمعت عينا صادق، وتحولت الفكرة في ذهنه فوراً إلى خطة جهنمية: واجهة المحل ستبقى مزينة بأفخم ذبائح الخراف والبقر لجذب الأثرياء والنخبة من الزبائن، بينما المفروم والثلاجات الخلفية ستمتلئ بلحوم الخنازير التي لا تكلفه فلساً واحداً.
خلال أشهرٍ قليلة، تحول دكان صادق الصغير إلى ملحمة النخبة؛ إذ أصبح يقصده رجال الأعمال والمسؤولون لشراء اللحم المفروم المميز، الذي يتمتع بطراوة غريبة بفضل دهن الخنزير. تضاعفت ثروة صادق، فاشترى بيتاً جديداً، وبدأ يرتدي الساعات الثمينة، لكن تلك الضحكة الساخرة التي كانت لا تفارق وجهه بدأت تتحول إلى قلق دائم؛ فالمسؤول الكبير بات يتدخل في أدق تفاصيل حياته، وأصبح هو محاطاً برجال يراقبون كل حركاته.
في أحد الأيام، اختفى المستشار المسؤول فجأة إثر فضيحة فساد سياسي كبرى هزت الرأي العام. وداهمت قوة من مكافحة الجريمة المنظمة بستان المحمية السرية، واستولت على ما فيه من مستندات. وفي تلك الأثناء، تلقى صادق اتصالاً غامضاً يخبره بأن اللجنة الطبية والرقابية في طريقها إلى محله لتحليل اللحوم، بناءً على اعترافات المستشار المحتجز. تملّك الذعر صادقاً، فهرع إلى المحل للتخلص من مئات الكيلوغرامات من لحم الخنزير المفروم؛ لكن الصدمة كانت بانتظاره عند وصوله، إذ وجد المحل محاطاً بأصدقائه المقربين وجيرانه الذين طالما غشّهم.
في هذه المرة، لم يكن الأصدقاء يحملون سكاكين، بل كانوا يرفعون لافتات تكريم! فقد تواطأ رفاق "صادق" مع برنامج تلفزيوني شهير؛ لتدبير مقلب كاميرا خفية له، مدفوعين باعتقادهم الساذج بأنه أكثر الجزارين أمانة، وأرخصهم سعراً، وأجودهم بضاعة، انخداعاً بأيمانه الغليظة والمتكررة. وقد استقدم البرنامج لجنة من رقابة الأغذية؛ لتوثيق جودة لحومه على الهواء مباشرة أمام ملايين المشاهدين. يقف صادق الآن متسمراً في مكانه، تحاصره العدسات ويصفق له الجمهور بحرارة، في حين يقتحم المكان أطباء المختبر المختصون بأدواتهم؛ لأخذ عينات من الثلاجة الخلفية؛ حيث يكمن السر المظلم... لحم الخنازير! السر الذي سينهي حياته خلف القضبان على الهواء مباشرة؛ ليُصدم الشعب بأسره، لا منطقته فحسب، بأن "صادقاً" هو أكبر الكذابين. وها هو يقف بذات الابتسامة الباردة أمام قاضي التحقيق؛ لينال عقابه تحت عنوان "خنازير 2026".