جوشوا روثمان - هل يُعدّ تأليف كتاب بالذكاء الاصطناعي أمرًا خاطئًا؟... ترجمة: سارة حامد حواس

كانت آلة الإيقاع رولاند TR-808، التي طرحت عام 1980 بحجم يقارب حجم القاموس، تُعدّ أحد ألمع رطلاً، ويبلغ سعرها ألفاً ومئتي دولار، ومثّلت أنذاك طفرة تكنولوجية غير مسبوقة. فعلى الرغم من أن آلات الإيقاع كانت موجودة منذ عقود، فإنها كانت تعتمد عادةً على أصوات جاهزة (كالطبل والسينجر والهات-هات) لـإعادة إيقاعات جاهزة سابقاً (فوكس تروت، وفالس، وبوسا نوفا). أما الـ 808 فكانت مختلفة؛ إذ احتوت على حاسوب داخلي أتاح للموسيقيين برمجة أصواتهم وأنماطهم الإيقاعية بأنفسهم. تم ترتيبها في تسلسلات أطول تشبه بنية الأغاني وتُنشط تلقائياً.
عند طرحها في الأسواق، لم يعرف أحد تقريباً كيف يتعامل معها، وسرعان ما أُوقف إنتاجها، لكن أصحابها هبطت في سوق المستعمل، بنحو خمسين في المئة، فبدأ الموسيقيون يقتنونها ويخوضون تجاربهم الخاصة بها. وسرعان ما أسهمت هذه الآلات في صناعة عدد لا يُحصى من الأغاني الناجحة (من بينها Sexual Healing لـمارفن غاي، و I Wanna Dance with Somebody لـويتني هيوستن). وبدا تأثيرها في الموسيقى الشعبية يضاهي تأثير الجيتار الكهربائي. اكتشف الفنانون أنهم يستطيعون باستخدام الـ 808 بناء المقطوعات بأنفسهم؛ متحررين من عازفي الطبول من دون حاجة إلى تعيين أوركسترا، وتستثمر أصواتها الاصطناعية الوعائية ونطقتها القائمة على الأنماط لابتكار أنواع موسيقية جديدة ومميزة مثل الإليكترو والمانس والهيب هوب.
ويكاد صوت الـ 808 يكون حاضراً اليوم في كل مكان، ويسهل التعرف إليه فوراً، وربما ما لا يبدو واضخاً بالقدر نفسه هو أن البنى التأليفية التي أرستها هذه الآلة وسلسلاتها أصبحت واسعة الانتشار أيضاً. فكثير من الأغاني تُكتب الآن على أجهزة الحاسوب باستخدام المسلسلات والأنماط والحلقات الصوتية، حيث تُرتب النغمات بدقة تامة على شبكة إيقاعية منتظمة ذات ميزان 4/4، وغالباً ما يحدد تصميم الصوت، أي الطابع النغمي الخاص بضربة الباص أو بطم السنير، هوية العمل الموسيقي، على نحو أهم...؛ أي، الطابع النغمي الخاص بصدور صارمة؛ فلكي يصنعوا الأغاني مدهشة، لا يحتاجون بالضرورة إلى إتقان النظريات الموسيقية، أو حتى امتلاك آلات تقليدية. باستخدام المركبات الصوتية والعينات، يمكن للمصمم، الفاتح لنقل المقامات، أو اختيار أوركسترا سيمفونية كاملة من قائمة منسدلة، بل أنهم قادرون على ابتکار أصوات لم تُنتجها أي آلة على وجه الأرض من قبل، والجمهور مستعد لمرافقتهم إلى عوالم سمعية جديدة. لم تختف الآلات التقليدية فما زلنا نصغي إلى الجيتار الصوتي، لكنها باتت جزءاً من مشهد أوسع تظله الأصوات المركبة.
لنفترض أن مسار الذكاء الاصطناعي الفني سيسير على نحو يشبه إلى حد ما مسار آلة الإيقاع، فأين نقطف اليوم ضمن هذا المسار؟ ربما نكون في عام 1983، العام الذي فُرّغ فيه الطراز اللاحق لـ 808 وهو 909 (وللملاحظة: أُنتجت بفضل ممارسة Sexual Healing لـمارفن غاي، و Vogue لـمادونا). كانت الموسيقى الإلكترونية أنذاك ما تزال حديثة العهد، وتعرضت لانتقادات شتى، قيل إن الآلات الإلكترونية المبرمجة لا تتطلب مهارة موسيقية ولا موهبة، وأن صوتها ثقيل ميكانيكي يفتقر إلى التعبير. (وبالنسبة إلى بعض الموسيقيين، كان ذلك مقصوداً). وقيل إن الموسيقى المصنوعة بالآلات تخلو من الروح العفوية التي تنشأ حين يعزف بشر مجتمعون معاً في غرفة واحدة. (لكن هذه التوضيحات كانت مرغوبة لدى آخرين). وأثيرت مخاوف من أن تؤدي الموسيقى الإلكترونية إلى فقدان الموسيقيين وظائفهم. (وقد اعتصم الاتحاد الأمريكي للموسيقيين، الذي كان قد عارض الموسيقى المسجلة في ثلاثينيات القرن الماضي، ضد لويس، المهندس، الذي أسهم في تطوير الـ 808، أثناء أدائه)، وأصر منتجون مرموقون على أن آلات الإيقاع قد تفيد في مرحلة كتابة الأغاني، لكنها ينبغي أن لا تظهر في التسجيلات النهائية.
وكثير من المستمعين شعروا، على مستوى معين، بأن الموسيقى الإلكترونية خاطئة في جوهرها؛ شكل من الخداع والغش، وتدمير للموسيقى نفسها.
تمثلت هذه الهواجس كلها مفهومة، لكنها ضائلت أمام قوى الانتشار والديمقراطية الإبداعية والذوق العام. فقد تبين أن الآلات الإلكترونية مكنت أعداداً كبيرة من الناس إلى عالم صناعة الموسيقى، وأن هؤلاء استخدموها بطرق ذكية وممتعة ومؤثرة، وأن الجمهور أحب ما سمعه. ولم يكن ثمة جدال ممكن مع أغنيات مثل It's Tricky لـ Run DMC، أو Slippy Nasty لـ Born Slippy، أو 2 Nothing Compares 2 U، وهكذا. إذاً، على القياس، فسيبدو من غير المقنع تقريباً القول إن الفن المصنوع بمساعدة الذكاء الاصطناعي زائف أو رديء بالضرورة. فالأدوات في حد ذاتها لا تحسم ما يُعد فناً، وإنما يتوقف ذلك على كيفية استخدامها.
غير أن الخطوط التوازية قد تفترق قريباً؛ وربما نخلص إلى أن الذكاء الاصطناعي ليس أداة عادية، وأنه لا مكان له في حياتنا الفنية. لعل هذا هو الدرس الذي توحي به رواية The Sex Life of Sexual Healing؛ إذ إن جزءاً منها على الأقل أُلف باستخدام الذكاء الاصطناعي، الرواية، التي تتبع شابة احتجزها راعيها الثري، بوصفها حيواناً أليفاً، نُشرت ذاتياً أولاً، ثم لاقت رونقاً ملحوظاً عبر الإنترنت، قبل أن تستحوذ عليها دار النشر بنغوين، بدأ القراء يلاحظون، فضلأ عن حاجة المشهد، أن نثرها يبدو مصنعاً، إذ رأوا أنه متقل ببعض صور الصفات والاستعارات، وأن إيقاعه ونبرته ركيكان على نحو يذكر بنصوص روبوتات المحادثة. قامت شركة بانغرام، المخصصة في كشف النصوص المولدة بالذكاء الاصطناعي، بتحليل Shy Girl وأعلنت أن 78 في المئة منها منتج آلياً، أما مؤلفتها مها بالآرد، فأشارت إلى احتمال أن يكون محرّر مسودات سلمته المخطوطة قد مرّر النص عبر نظام ذكاء اصطناعي من دون علمها. وفي نهاية المطاف، ألغت ناشذنت نشر الرواية.
وأنت تقرأ كل ذلك، قد تتخيل قصة بوليسية يكشف فيها الطابع الاصطناعي لرواية Shy Girl تدريجياً على أيدي محققين رقميين بارعين. لكن الحقيقة هي أنها تبدو كأنها مكتوبة بالذكاء الاصطناعي منذ سطورها الأولى؛ إذ تتبع بستاناً وردياً، من ذلك النوع الذي يوحي بالنعومة ولا يمنحها، فماث التول فيه هش وقاس. يحتك بفروتي تألف سن صغيراً، كعاشق قاص يعض مع كل حركة. كل خدش يثبتني في مكاني، تفكيرنا أمناً عليه: حيو أن أليف، شيء إضافي فإن كلمة استثنائي، أنك الأكثر غواية، أنا كتابك، أنك معدات نبرات وإيقاعات نصوص الذكاء الاصطناعي، فستلتقطها على الفور؛ تقريباً: قد تبدو لك Shy Girl نصاً آلياً، كان مؤلفها لم يتجرع أنماطها الخاصة، وتركتنا نصغي إلى إيقاعات السامبا والتشا تشا الجاهزة في الآلة. بالنسبة إلى كثيرين، هذا هو الاعتراض الأوضح على استخدام الذكاء الاصطناعي في كتابة الرواية: إنه يباطأ لا يبدو جيداً.
ومع ذلك، فقيمة الرواية لا تزلزل في أسلوبها اللغوي وحده. تحظى Shy Girl بشيء فمن مواجها، أستثمر أربع نجوم على أحسن، واستناداً إلى مئات المراجعات، فكثير من القراء يشيدون بفكرتها وطرحها وهي عناصر يُحتمل أن نفترض أن قراراً بشوبها قد صاغها. (تشير إحدى المراجعات إلى معرفة صاحبها الجدال المحيط بالرواية، لكنه أحبها رغم ذلك: «فكرة شغفتني»). والواقع الأشمل أن كثيراً من الروايات مكتوبة بأسلوب ضعيف. ومع ذلك يمكن أن تنجح لدى القراء، لأن السرد الأسلوبي، مثل الموسيقى، فن متسامح. فكما يمكن لـأغنية جيدة أن تمتلك إيقاعاً جذاباً ولحناً متواضعاً، يمكن للعمل الروائي أن ينجح في جوانب ويخفق في أخرى، يكفي أحياناً نجاح جزئي، ما دام القارئ يجد فيه ما يمسه، تشويقاً، أو جمالاً، أو واقعية، أو خيالاً؛ أو حتى مجرد بطل يتعاطف معه ويرى فيه شيئاً من نفسه.
إذا كان تأليف الرواية عملية متعددة الطبقات، بحيث يمكن، إلى حد ما، الفصل بين الفكرة والحبكة والأسلوب وغيرها، فهل ينبغي أن ينجز شخص واحد كل هذه الطبقات؟ لقد أجاب كتاب محترفون في مجالات مختلفة عن هذا السؤال عملياً؛ فكثيراً ما يعملون ضمن فريق ومجموعات: جيمس باترسون، الذي ينتج كتاباً واحداً من كل سبعة عشر كتاباً بغلاف مقوى يُباع في الولايات المتحدة الأمريكية، يفعل ذلك عبر تزويذ متعاونين معه بمخططات ومعالجات تفصيلية، مشرفاً على منظومة إنتاج وصفها البعض بأنها مصنع للروايات. (قد يشرف الروايات الرفيع: بل إن بعضهم قد يتساءل عما إذا كان باترسون كاتباً حقاً، غير أن قوالبنا تختلف باختلاف السياق، وفق ثقافات تصنعها داراً ما تُصرح بها، فغند قراءة رواية فازت بجائزة بوكر، نتوقع أن يكون المؤلف قد كتب كل كلمة فيها؛ أما عند قراءة عمل صحفي فنفترض أن للكاتب والمحرر دوراً في صياغته، وغالباً ما نعتد المنتجين المنفذين في مسلسلات الدراما الرفيعة، مع أنهم يعتمدون على فرق من الكُتّاب لكتابة الحلقات، عندما يفوز كتاب سيناريو بجائزة الأوسكار لأفضل سيناريو أصلي، فإن كلمة «أصلي» تعني فقط أن النص ليس مقتبساً.
وقد يفكر كثيرون، باستعانتهم أو من دون ذكرهم، قد أسهموا في صيغته النهائية، ربما تكون أكثر نقاءً للتعاون في الكتابة حين يكون جزءاً من مشروع أكبر، كأفيلم، وهو برأيي ما جعل جيمس كروس لباترسون، المستمرة منذ عام 1991، لا يمكن لشخص واحد أن يكتب هذا العدد من الكتب، فلا بد من مساعد.
يبدو أن الحجم أن يستدم الكتاب الذكاء الاصطناعي لتأسيس مصالحهم الخاصة، ففي فبراير/شباط، أجرى الكاتب ريتشارد غوين، في صحيفة نيويورك تايمز مقابلة مع كورال هارت، وهو اسم مستعار لكاتبة روايات رومانسية استخدمت أدوات الذكاء الاصطناعي لكتابة عشرات الروايات بسرعة، نشرتها ذاتياً على أمزون تحت عشرات الأسماء، ما إن طُرحت حتى بدأت تلك المدخلات التعليمية، حتى ينتج خلال خمس وأربعين دقيقة مسودة جاهزة للمراجعة البشرية (مثل قصة مزارع يقع في حب فتاة مدينة تهرب من ماضيها). ورغم أن أيأً من رواياتها لم يتحول إلى عمل واسع الانتشار، فإنها تجني دخلاً من ستة أرقام بهذه الطريقة، حسب القول، كما تقدم دورات إلكترونية للراغبين في كتابة الروايات الرومانسية بمساعدة الذكاء الاصطناعي. المستقبل الذي توحي به هذه القصة هو مستقبَل إنتاج روائي متوسط الطابع الشخصي، على نطاق صناعي، حيث يتحول المؤلفون إلى مشرفين يديرون غرف كُتّاب تعمل بالذكاء الاصطناعي. ومن المخاطر الواضحة أن قُراء هذا النوع من الروايات قد لا يعرفون بالضرورة، من أو ما شارك في إنتاج ما يقرؤونه، مما يقوض التفاهمات الضمنية التي يعتمدون عليها، (تطلب أمازون من هارت الإفصاح عن استخدامها للذكاء الاصطناعي؛ وهي لا تفعل ذلك دائماً). لكن هل الإنتاج الكثيف هو الخيار الوحيد الذي يتيحه الذكاء الاصطناعي؟ يعتمد الكثير على أهدافك ومتطورك: أنا موسيقي هاو إلى أقصى حد، وقد وجدت بلا شك أن التكنولوجيا زادت إنتاجيتي، وأنا جالس أمام حاسوبي، وبيدي لوحة مفاتيح ميدي صغيرة من أوكتافين، أستطيع أن أطلع عبر مراحل التأليف بسرعة؛ يمكنني أن أغمر سيمفونية بمقطوعة فلوت جديدة بين يوم وليلة، وأن أكتب ألبوماً كاملاً في أسبوع. لكن هذا ليس ما أفعله، بل أستخدم التكنولوجيا الموسيقية لأصل إلى ما أطمح إليه. لا يمكنني بحال من أن أؤدي أغنياتي أمام جمهور فأنا أعزف بصعوبة مقاطع على البيانو من دون خطأ، ولكن ليس هدفي أصلاً، بل أن أستمع بصوت مسموع إلى ما يدور في رأسي، وبصياغة طموح بعض الشيء، أُريد أن أطمح رؤية...
ومن الرجح أن كثيراً من الكُتّاب الطموحين يريدون الشيء نفسه: لديهم أفكار ويتوقون إلى تجسيدها، لكنهم يعجزون عن ذلك بمفردهم؛ ويحتاجون إلى دفعات وهو، وأدوات مساعدة وقوالب ومسودات أولى. وكلما انتقل الفنانون من صور الهواية إلى الاحتراف، أزداد توقهم إلى ما يمس عملهم وقدرتهم الحقيقية. لكن المقصود بالحقيقي أصلاً؟ عبر الشبكة البرمجيات الصوتية سينثسايزر، يقدم المؤلف الموسيقي الأيسلندي الحائز جائزة الأوسكار يوهان يوهانسون أداة تُسمى Cellos، تُحدد إلى ما تعرفه فتنتج حوله سحابة أوركسترالية مذهلة، تتسامى، كعزف بصورة هارمونية تتعدى العالم الذي يختاره المؤلف. الإرباك يتجاوز مسألة تفوق الذكاء الاصطناعي على الكُتّاب؛ إلى تفوق الذكاء الاصطناعي على الأفكار المرتجلة التي قال كولر عام 2009: «علاقتنا بالتكنولوجيا منسية للغاية؛ فهي حالة حب وغرامية قوية، وأسباب: لم يعد هناك حد مع التكنولوجيا، لكنه أردف قائلاً: أي إرباك إنساني لا بد أن يوضع في مواجهة نوع من الإحباط، فالتقنيات التي توسع العملية الإبداعية لا نهدف أيضاً بنقصها أو الإلتفاف عليها، وحس بالانحراف إلى أن الفنان ينبغي أن يتعلم الضبط، أي أن يضع حدوده بنفسه.
أعمل لاكتساب المهارات التي أمتلكها، وأعد نفسي بارعاً في معالجة المشكلات النقدية التي تُربك عادة الكاتب الأقل خبرة، لكن المستويات الأعلى، الأكثر إلهاماً في الكتابة، جوانبها التخيلية والفنية والمفعمة بالإلهام، تبدو لي بعيدة المنال بعض الشيء.
فأحترامي للحرفة جزء من رؤية أوسع، ففي العشرينيات من عمري، التحقت بالدراسات العليا في الأدب الإنكليزي، كان أساتذتي هناك قراء بارعين في التحليل الدقيق للنصوص، فيحبهم، مثل ناقدة الشعر هيلين فيندلر (1933–2024)، تبلور مسارهم مع صعود النقد الجديد، المدرسة النقدية التي سادت في أربعينيات القرن العشرين، ورأت أن أفضل طريقة للقراءة هي تفحص كل كلمة وعلامة ترقيم، والتساؤل عما تؤديه من وظيفة. الأستاذ الذي ترك في الأثر الأكبر، فيليب فيشر، كان يدرّسنا الروايات الكلاسيكية مثل كبرياء وتحامل والأخوة كارامازوف، ويجد تحليل بنيتها الداخلية بدقة، كان قادراً على شرح كيفية تفاعل مشاهدها بعضها مع بعض على نحو كونترا بونتي، وكيف تتشابك خيوط الحبكة ومستويات اللغة ثم تفترق لتولد المعنى.
لم يكن الأمر مقتصراً على الأفكار وحدها، فقد كانت في الجامعة مكتبة للكتب النادرة، وأثناء تدريسي «يوليسس»، عرضت على طلابي بروفات الطباعة التي وضع عليها جويس ملاحظاته بخط يده؛ وكان بإمكانهم أن يروا التوضيح الذي أضاف فيه، في الهامش، كلمة ثم ثانية إلى ختام مناجاة مولي بلوم. وفي مساق آخر، تأملنا مجموعة من الكليات الصغيرة المصنوعة يدوياً، التي دوّنت فيها إميلي برونتي وأخواتها برونتي، وهما طفلتان، قصائدهما وحكاياتهما. كانت هذه الشواهد المادية تؤكد أن الكتابة مشروع يمتد على مدى الحياة، بل أسلوب حياة أيضاً، فهي في اسمي ما يمكن أن تكرس له طاقة العقل.
كان من السهل، خصوصاً في ذلك المناخ، أن نتعامل مع تصور معين للكتابة باعتباره أمراً بديهاً، كنت أعلم أنه مهما تكن ماهية فعل الكتابة صعباً، فإنه، بل غير مستقر بطرق ما بعد حديثة، فإنه أيضاً مباشر وواضح ولا لبس فيه، في فنون أخرى، كان الدور المباشر أكثر تعقيداً، ومكانة العمل الفني أكثر سيولة، في الموسيقى كان هناك أبراهام فيتش تعتمد على مشاركة الجمهور في الأداء، وجيف كونز كان فناناً - مديراً تنفيذياً يدير خط إنتاج، يدير شؤون، كان الفنانون يستخدمون التكنولوجيا لتوسيع أداواتهم، وتغيير علاقتهم بأعمالهم، لكنني كنت أظن أن الكلمة المكتوبة معفاة إلى حد كبير من كل ذلك. صحيح أن هناك أدباً تجريبياً يعاد فيه تشكيل «المؤلف»، وأن مفهوم التأليف في الأدب الشعبي قد يكون مرناً، إلا أن الكتابة الحقيقية الأديمة منها ظلت بسيطة، الآن، وقد بدأ الذكاء الاصطناعي يخترق الصور المحيطة بالكتابة، لم تعد تلك البساطة أمراً يمكن التسليم به، غير أن مザيا الأسلوب التجميعي، التي كانت تُعدّ حصرية، صارت اليوم أكثر شيوعاً؛ في عالم تُلقى فيه الأصوات بالـ «أوتوتيون» أو ترك بالذكاء الاصطناعي، يكتسب الكمال والنقصان معاني جديدة. العيوب البشرية التي تسوها التكنولوجيا وتُعلّمها تغدو كاملة بطريقتها الخاصة. فما قد تبدو كمساعد أدبي لتصنيع التقنية مأساة حد الفراغ. قال توماس بانجانثر، في غرفة دافت بانك لغيت وايت أول عام 2009: «علاقتنا بالتكنولوجيا منسية للغاية؛ فهي حالة حب وغرامية قوية، وأسباب: لم يعد هناك حد مع التكنولوجيا، لكنه أردف قائلاً: أي إرباك إنساني لا بد أن يوضع في مواجهة نوع من الإحباط، فالتقنيات التي توسع العملية الإبداعية لا نهدف أيضاً بنقصها أو الإلتفاف عليها، وحس بالانحراف إلى أن الفنان ينبغي أن يتعلم الضبط، أي أن يضع حدوده بنفسه.
قد ترى أن الكتابة مختلفة، وهذا رأيي مفهوم، وأنا أصغى إليه. أكتب لكي أعيش، ما يعني أنني أنتج قريباً بفكرة الكتابة وبممارستها بنفسي، من دون ذكاء اصطناعي، لئلا تصور رُفع عما تؤكد عليه الكتابة الجيدة، حين يسألني الناس عما أفعله، أقول إنني صحفي؛ لا أحب استخدام كلمة كاتب لأنني لا أدعي أنني استحقها، لقد أمضيت حياتي...


جوشوا روثمان
* ناقد أدبي أمريكي


** منقول عن
يا طالع الشجرة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...