عبدالمنعم الهراق - شخصيات استوقفتني

بعض الشخصيات لا تحتاج إلى لقاءات طويلة كي تترك أثرا عميقا في الذاكرة ؛ يكفي أن تجلس إلى أحدهم مرة، أو ترافقه في طريق قصير، لتكتشف، بعد سنوات، أن شيئا من ذلك اللقاء ما زال يسكنك ؛ كان عبد الوهاب بن منصور واحدا من هؤلاء، رحمة الله عليه .
مؤرخ الدولة العلوية ومدير الوثائق الملكية، وأحد أبرز أعلام المغرب في التاريخ والتحقيق والتراجم ؛ رجل اجتمعت فيه معارف كثيرة، لكنه لم يكن بالنسبة إليّ مجرد اسم في كتب التاريخ، ولا صاحب منصب رسمي؛ كان ذاكرة مغربية تمشي بين الناس.
كان يؤمن بأن الوثيقة هي ذاكرة الأمة، ولذلك ظل يبحث عنها في الأرشيفات والخزائن، في المغرب وخارجه، وينقب عن كل ما يمكن أن يعيد إلى تاريخنا شيئا من أوراقه المبعثرة.



ترك أعمالا جليلة، من بينها سلسلة "انبعاث أمة" التي وثقت خطب ورسائل وندوات ملوك المغرب، وبلغت عند وفاته ثلاثة وخمسين مجلدا، ومجلة "الوثائق"، ومشروعه الكبير "أعلام المغرب العربي"، فضلا عن تحقيقه ونشره لعدد كبير من المصادر والنصوص التاريخية النادرة.
لكن ما بقي في ذاكرتي منه ليس عدد المجلدات التي أنجزها، ولا المناصب التي تقلدها، وإنما ذلك اللقاء العابر الذي صار، مع مرور الزمن، أكثر حضورا من كل ما قرأته عنه.
أذكر أنني صحبته ذات يوم إلى خزانته العامرة ؛ كانت الكتب تمتد في قبو منزله، وكلها ترتدي حلة واحدة: جلد أحمر قاتم، بزخارف مغربية أصيلة ، فشعرت وأنا أنظر إليها أنني أمام رجل لا يحفظ الكتب من التلف فحسب، لكنه يحاول أن يصونها، كما يصون المرء قطعة من ذاكرته.
لم تكن الزيارة طويلة، بحيث لم أستطع أن أتصفح كثيرا من تلك الكنوز، لكن صورة الخزانة بقيت عالقة في ذهني.
وفي طريق العودة سألته عن بوحمارة ، فتحولت الرحلة القصيرة إلى درس لن أنساه.
حكى لي عن الرجل الذي كان يسميه ( الفتان )، وسرد أخباره وتفاصيل من تاريخه بأسلوب عجيب ؛ شعرت كأنني أستمع إلى رجل يعيد فتح باب قديم من أبواب التاريخ، ثم يأخذك من يدك إلى داخله.
كان يحكي فيختفي الفاصل بين الماضي والحاضر؛ يصبح الحدث قريبا، والشخصيات حاضرة، والزمان كأنه لم ينقض.
ومنذ ذلك اللقاء، كلما مرّ اسمه أمامي، لم أتذكر مؤرخ الدولة وحده، وإنما تذكرت الرجل الذي حمل ذاكرة المغرب في صوته، ومضى.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...