د. حسام الدين فياض - الوهم الذي نصنعه هرباً من الحقيقة

" أصعب ما في الحقيقة أنها لا تصطدم بما نجهله، بل بما اعتدنا أن نراه صحيحاً، وما منحناه من مكانة داخل أنفسنا ومجتمعنا حتى أصبح التخلي عنه أشبه بالتخلي عن جزء من صورتنا عن العالم " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل علاقة الإنسان بالحقيقة حين تتعارض مع رغباته وقناعاته، والكشف عن الكيفية التي تتدخل بها الجماعة والمكانة والانتماء والقبول الاجتماعي في تشكيل ما يصدقه الفرد وموقفه مما يراه، مع إبراز أهمية المراجعة والاستشارة والانفتاح على الاختلاف في بناء وعي أكثر استقلالاً وقدرةً على التعامل مع الذات والواقع.

يرى الإنسان أحياناً الحقيقة بوضوح، لكنه حين يجدها مخالفة لما يريد أن يصدقه، يبدأ في البحث عن مخرج منها، فقد يتعلق بتفصيل صغير، أو يستدعي احتمالاً بعيداً، أو يمنح ما حدث تفسيراً يخفف عنه وقع الحقيقة، وبذلك يحاول الحفاظ على الصورة التي يريدها رغم ما يراه أمامه. ومع تكرار هذه المحاولات، يصبح التفسير الذي اختاره أسهل عليه من مواجهة الحقيقة، ولا سيما حين يجد حوله من يشاركه الرؤية نفسها. وعندئذ، تتجاوز المسألة مجرد معرفة الحقيقة إلى قدرة الإنسان على قبولها حين تهدد صورة اعتاد أن يرى نفسه والعالم من خلالها.

وتزداد صعوبة المواجهة حين تتداخل الحقيقة مع علاقات الجماعة وموازينها. فقد يتحدث صاحب الباطل بثقة تجعل كلامه أكثر حضوراً من دليله، ويزداد تأثيره حين يجد من يكرره ويمنحه القبول. وقد يصل الأمر بأهل الحق إلى لحظة يشكون فيها في سلامة موقفهم، لا لأن الوقائع تغيرت، بل لأن الجرأة التي يتحدث بها أهل الباطل تجعل الخطأ يبدو واثقاً من نفسه. ومع حضور المكانة والانتماء والخوف من الاختلاف، قد يصبح قول ما يرضي الجماعة أسهل من قول ما يراه الإنسان صحيحاً. بذلك قد تكتسب بعض الأفكار قوتها من عدد من يرددونها ومكانتهم، لا من قدرتها على الصمود أمام الحقيقة.

ويصبح الخداع أكثر تعقيداً حين يشارك الإنسان في صنعه. قد يرى ما يكفي لفهم الحقيقة، لكنه يؤجل الاعتراف بها لأن معناها يفرض عليه ثمناً لا يريد دفعه. يبرر موقفاً، ويتجاوز إشارة أخرى، ويمنح ما حدث استثناءً جديداً، حتى تتراكم التفسيرات التي تحمي القناعة القديمة. ومع الوقت يصبح الإنسان منشغلاً بحماية الصورة أكثر من فهم ما يجري، وقد يجد في محيطه ما يساعده على الاستمرار فيها. وهنا يتداخل الشخصي والاجتماعي، فالفرد قد يتمسك بوهم يريحه، والجماعة قد تمنحه أسباباً إضافية كي لا يراجعه.

وقد تكون أقسى لحظة حين يكتشف أن الآخرين لم يخدعوه كما كان يظن، وأنه كان في كل مرة يقترب فيها من الحقيقة يجد لنفسه سبباً جديداً كي يتعامى عنها.

لهذا تكتسب الاستشارة قيمة تتجاوز طلب النصيحة. فالإنسان يرى تجربته من داخلها، وقد يصعب عليه أن يلاحظ ما أصبح واضحاً لمن يقف خارجها. وعندما يستمع إلى شخص يثق بعقله ونزاهته، فإنه يمنح فكرته فرصة لأن تُرى من زاوية أخرى، ويكتشف أحياناً ما حجبه عنه الانفعال أو الخوف أو التعلق بالنتيجة. والاستشارة الحقيقية لا تعني البحث عمن يوافقنا، وإنما قبول رأي قد يغير ما نعتقده. فبدلاً من أن يفكر الإنسان بعقله وحده، يستطيع أن يوسع رؤيته بخبرات عقول أخرى، من دون أن يتخلى عن مسؤوليته في اتخاذ القرار.

وعندئذ يصبح النضج أكثر ارتباطاً بقدرة الإنسان على التمييز بين ما يؤمن به فعلاً وما اعتاد محيطه أن يطلب منه الإيمان به. فالموقف الشائع ليس صحيحاً لمجرد أن كثيرين يتبنونه، والصوت المرتفع لا يصبح أكثر صدقاً لأنه أكثر حضوراً. ويحتاج الإنسان إلى قدر من الاستقلال حتى يحافظ على علاقته بجماعته دون أن يجعل الانتماء بديلاً عن التفكير، وأن يستمع إلى المختلف دون أن يرى في اختلافه تهديداً له. وعندما يستطيع مراجعة موقفه أمام ما تكشفه الوقائع، يصبح تغيير الرأي دليلاً على حيوية العقل لا على ضعفه.

تُظهر الحياة أن الإنسان قد يبتعد عن الحقيقة لأنه يخاف ما ستطلبه منه، وقد يجد في الجماعة ما يشجعه على الاستمرار في هذا الابتعاد. لكن الوعي ينضج حين يستطيع الفرد أن يتوقف لحظة، وينظر إلى ما يؤمن به، ويسأل نفسه إن كان قد اختاره حقاً أم اعتاد عليه حتى أصبح جزءاً من صورته عن العالم. وحين يستشير من يثق بهم دون أن يبحث عن مجرد تأييد، يصبح أكثر قدرة على رؤية ما غاب عنه. عندها لا يعود الاعتراف بالحقيقة خسارة لصورة قديمة، بل استعادة للقدرة على بناء موقف أكثر صدقاً مع النفس والواقع.

نصيحتي لك، اترك لنفسك مساحةً تراجع فيها اختياراتك خلال حياتك الاجتماعية، حتى تظل قادراً على التعلم وتغيير نظرتك إلى الأشياء كلما اتسعت خبرتك بالحياة. فالمجتمع الأكثر عافية هو الذي لا يجعل التراجع عن موقف سابق علامة ضعف، ولا يحول الاختلاف في الرأي إلى تهديد للعلاقات والمكانة، بل يتيح لأفراده أن ينضجوا فكرياً دون أن يدفعوا ثمناً اجتماعياً باهظاً كلما غيروا قناعة أو أعادوا النظر في موقف. وحين يصبح التفكير قابلاً للنمو داخل الجماعة، تتحول المعرفة من موقف يدافع عنه الإنسان إلى مسار تتسع فيه خبرته، ويتقدم فيه وعيه مع اتساع علاقته بالحياة والآخرين.

--------------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...