براءة الأطفال

كان "جمال" إبني أو "جيمي" عمره خمسة أعوام حين أخبرني أثناء زيارتنا لوالدتي بأن "يمامة" صغيرة واقفة بالشرفة قد وافقت على أن يكون صديقا لها، حيث سمحت له بأن يمسح على ظهرها الناعم، ثم استأذنني أن أسمح له بإدخال صديقته إلى داخل الشقة كي تزوره.

اعتبرت أن خيال إبني الواسع قد جعله يحكى قصة من تأليفه.

بعدها عاد يطلب مني أن أدعوها أنا بنفسي كي توافق. توجهت معه إلى الشرفة ففوجئت بالفعل بيمامة صغيرة، فقلت له أنه إذا اصطحبها إلى الداخل فربما تأتى أمها فلا تجدها، وأن اليمامة حتى لو هى سعيدة الآن به كصديق لها إلا أنها بعد قليل ستشتاق لأمها.

يبدو أن الصغير قد اقتنع بفكرة أن الصديق لا يغنى عن الشوق للأم. لكن قبل أن أدخل لاحظت أن اليمامة منكمشة إلى جوار سور الشرفة، وأن أحد جناحيها كأنه أطول من الآخر، ثم اكتشفت ما يشير إلى أن شخصا ما قد أصاب جناحها بنبلة أو شئ من هذا القبيل، فأخبرت جيمي.

فسألني وهو يربت على ظهرها عما إذا كان هؤلاء من الإشرار.

فجاء ردي بالإيجاب.

سألني عن السبب.

قلت: هم فى الغالب أرادو أن يحتفظوا بها فى قفص.

قال: وهل هذا هو السبب فى رفضك أن نشترى طائرا فى قفص.

قلت: نعم.

وقبل أن يستطرد فى الأسئلة كالمعتاد اقترحت عليه وضع اليمامة فى منتصف الشرفة كى تراها أمها، فوافق ووقف خلف باب الشرفة منتظرا عثور الأم عليها.

حين غابت الشمس طلبت من جيمي الإبتعاد عن برد الشرفة، جاء رده بأن اليمامة أيضا تشعر بالبرد.

طالبتنا والدتي ـ الله يرحمها ـ بإدخال اليمامة باعتبار أن نزول الظلام معناه أن أمها لا تعرف مكانها.

وقامت ماما بوضع قليل من حبوب الأرز فى مياه ثم فتحت منقار اليمامة وأخذت تطعمها بالتدريج.

بعد ذلك توالت ابتكارات والدتي: زجاجة قطرة أفرغتها من محتوياتها ووضعت فيها مياه وروت عطش اليمامة، ثم علبة مناديل ورق قطعتها من أعلى وفرشت فيها فوطة، لتصبح عشا لليمامة.

فرحة جيمي كانت بلا حدود حين قالت له الجدة أنه بذلك يستطيع اصطحاب اليمامة إلى البيت.

مبكرا استيقظ جيمي والسعادة تغمره لرؤية اليمامة فى فراشها.

أطعمتها وسقيتها مستخدمة ابتكارات ماما.

وبينما يتناول هو إفطاره مثل اليمامة على حد تعبيري لأشجعه على تناول كل طعامه قفزت اليمامة برشاقة ووقفت على حرف علبة المناديل بطريقة صارت بها أصابع قدميها متشبثة بطرف العلبة كأنها واقفة على غصن وسط سعادة غامرة من جيمي، الذى تحول مشهد قفز اليمامة من طرف العلبة إلى داخل العلبة لعبة جميلة تحقق له حالة من البهجة بلا حدود. ثم لإضافة مزيد من حالة الصداقة بينه وبين اليمامة قرر الصغير أن يطلق عليها إسما كى يناديها به، ولقد اختار لها إسم: "سوسو" .

فى اليوم التالى استيقظ "جيمي" منتعشا لأنه سيواصل مشاهدة لعبة صديقته "سوسو" التي تقف فيها على طرف العلبة ثم تقفز، لكنها لم تلعب، ثم حين وضعها على طرف العلبة فاجأته ليس فقط بأنها لم تقفز، وإنما بأنها أيضا لم تظل واقفة، بل وقعت داخل العلبة. حملها جيمي وهو يصرخ. فطلبت من والده أن يذهب باليمامة إلى طبيب للطيور، وهو ما قام به بالفعل، لكنه عاد بدون اليمامة لأن الطبيب قد فضل بقاءها تحت الرعاية فى مستشفى الطيور. إلى أن أخبرونا فى الصباح أن اليمامة الصغيرة قد ماتت.

تحصيل حاصل أن أتحدث عن مدى الحزن الذى أصاب جيمي برحيل اليمامة. إنما بعد أيام دار المشهد التالى: وجدت جيمي يبكى عند عودته من الخارج مع والده، بينما الوالد ملامحه تنطق بالعصبية، وحين أخذته فى حضني مستفسرة عن سبب بكائه أخذ يشكو وسط دموعه من أن أبيه قد رفض أن يصطحب معه "الكلب" الذى وجده يعرج فى الشارع .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...