أقاح في التابوت : مرثية سوسيكي لكوسوكو.... بنيامين يوخنا دانيال

يعرف عن ( ناتسومي سوسيكي ) ( 1867 – 1916 ) بأنه الأب الروحي و العمود الفقري للرواية اليابانية الحديثة , و الأكثر تأثيرا في الأجيال اللاحقة من الروائيين , وفقا للكثير من النقاد و البحاث , و منهم ( ريونوسوكي أكوتاغاوا , سوزوكي ميكيتشي , و تويوشيما يوشيو ) من ( صالون الخميس ) ( 1 ) , و ( هاروكي موراكامي , أوسامو دازاي , و كينزابورو أوي ) و غيرهم .
و لكنه أيضا شاعر مجيد غزير الإنتاج , أبدع في تنظيم قصائد الكانشي , باستخدام اللغة الصينية الكلاسيكية و مقاطع الكانجي , و قد تبادلها بغزارة من خلال المراسلات الشهيرة مع صديقه المقرب الشاعر و الناقد الكبير ( ماساوكا شيكي ) لمدة ( 13 ) سنة تقريبا , لتعكس جانبا من أشهر و أعمق الصداقات الأدبية في تاريخ الأدب الياباني الحديث . كما ألف ( سوسيكي ) قصائد الهايكو الرائعة أيضا , و بتشجيع من صديقه ( شيكي ) , متأثرا بالمبدأ الذي استحدثه الأخير , و المعروف ب ( الشاسي – الرسم من الطبيعة ) . و لم تقتصر علاقة سوسيكي الأدبية على شيكي , بل شملت أيضا ( تاكاهاما كيوشي , شيجيو إيوانامي ) و غيرهما .
أما علاقة ناتسومي سوسيكي بالروائية و القاصة و الشاعرة الجميلة الذكية ( أوتسوكا كوسوكو ) ( 1875 – 1910 ) المنحدرة من أسرة رفيعة ( كان والدها رئيسا لمحكمة الاستئناف ) , و المناهضة للحرب ( 2 ) , فقد كانت متميزة , و شكلت محطة فريدة في المشهد الأدبي السائد في اليابان آنذاك . و شملت قيام سوسيكي بارشادها و تقديم النصائح الأدبية و الفنية لها في كتابة الشعر و الرواية إلى جانب ( نوبوتسونا ساساكي ) ( 1872 – 1963 ) الذي فعل المثل تقريبا , و تزكيتها و مساعدتها في النشر , و بخاصة في جريدة ( طوكيو أساهي شيمبون ) التي كان يعمل فيها محررا أدبيا و رئيسا للقسم الأدبي , و ذلك بعد استقالته كمحاضر للأدب الإنكليزي في جامعة طوكيو الإمبراطورية عام 1907 , مع تشجيعها معنويا و نفسيا من خلال مراسلات متبادلة فيما بينهما , لم تكن خالية من مشاعر الإعجاب المتبادلة و الدفينة ( 3 ) .
و تشير بعض المصادر التاريخية إلى الهامها غير المباشر لبطلات رواياته الشهيرة , مثل البطلة ( فوجيو ) في رواية ( الخشخاش 1907 ) التي كانت بذات المواصفات , و ان وصفه لها كان نابعا من مشاعر الحب و الاعجاب الذي كتمه في قلبه تجاه كوسوكو لطبيعته الخجولة و المنطوية وفقا ل ( أوداجيما هونيو ) , و أيضا ( زوجة الأستاذ كوشامي ) في رواية ( أنا قطة 1905 ) , و ( مينيكو ساتومي ) في رواية ( سانشيرو 1908 ) , و ( نامي ) في رواية ( وسادة من عشب 1906 ) . و قد عرفن هؤلاء البطلات أحيانا ب ( نموذج المرأة اللغز ) أو ( المرأة العصرية ) وفقا للناقد و الروائي و المترجم ( هاروكي موراكامي ) , و ( كايوكي تاكاغاي ) الباحثة و الأستاذة بجامعة مدريد المستقلة في دراساتها المعمقة بخصوص الوعي الجندري في أدب سوسيكي .
كما تسبب موت أوتسوكا كوسوكو المفاجىء بمرض السل عن عمر يناهز ( 36 ) عاما في صدمة نفسية لسوسيكي , مع تعميق نبرة التشاؤمية و السوداوية و الشعور بالوحدة و العزلة و الندم في أعماله الأدبية الأخيرة . و قد ألف في تأبينها قصيدة هايكو متميزة , تعد من روائع شعر التأبين الياباني , كما تحدث في كتابه ( من داخل بوابة الزجاج 1915 ) عن هذا الجانب قبل عام واحد فقط من وفاته , و وصفها فيه كأديبة بارعة , و امرأة تتمتع بكاريزما لافتة . و جاء في قصيدة التأبين تلك :
انثروا كل الأقاحي
التي لديكم
داخل هذا التابوت ( 4 )
كتب سوسيكي هذه القصيدة وفقا لعدة مصادر في 11 أو 14 تشرين الثاني 1910 , لما كان على فراش المرض , جراء اصابته بقرحة المعدة الحادة , الأمر الذي حال دون حضوره جنازة كوسوكو , أو توديعها كما يجب , بسبب العزلة الطبية و الغيبوبة المؤقتة التي دخل فيها , إذ لم يعلم بوفاتها إلا بعد ايام , و من خلال الأخبار المنشورة في الصحف . و قد ورد القصيدة في مذكراته ( أشياء أتذكرها ) المنشورة في حلقات خلال ( 1910 – 1911 ) في صحيفة ( أساهي شيمبون ) , و ترجمت لعدة لغات و تحت عدة عناوين , و منها اللغة الإنكليزية من قبل ( إيريك لوفغرين , ريتشارد بليت , سويكو شيغيماتسو ) و غيرهم .
علما دخل ناتسومي سوسيكي في غيبوبة خلال شهر آب 1910 , متأرجحا بين الهلاك و النجاة , لما كان يعالج في منتجع ينابيع ( شوزينجي – شيزوكا ) . و قد شغل الموضوع الرأي العام , و تم تناوله في الإعلام على نحو واسع , ليشكل بعدها نقطة تحول جذرية في حياة سوسيكي و مسيرته الأدبية المعطاء , فألف ( حتى اعتدال الربيع و ما بعده 1912 , المسافر 1912 – 1913 , كوكورو أشياء أتذكرها 1914 ) متأثرا به . و قد أطلق مصطلح ( أزمة شوزينجي ) على تجربة سوسيكي المريرة هذه .
--------------------------
( 1 ) – صالون الخميس ( سوسيكي سانيو ) : الملتقى الأدبي الذي كان يترأسه سوسيكي في منزلة بمنطقة ( واسيدا – ميناميتشو – طوكيو ) كل يوم خميس , و منذ عام 1906 و حتى وفاته .
( 2 ) – كتبت كوسوكو قصيدة مناهضة للحرب بعنوان ( زيارة المعبد مائة مرة ) , مستمدة فكرتها من طقس ديني تقليدي يسمى ( القيام بمائة زيارة للمعبد ) , و نشرتها خلال الحرب الروسية اليابانية في مجلة ( الشمس – تايو ) عام 1905 .
( 3 ) – كانت ( أوتسوكا كوسوكو ) زوجة ( أوتسوكا ياسوجي ) ( 1869 – 1931 ) أول أستاذ لعلم الجمال ( الإستطيقا ) بجامعة طوكيو الإمبراطورية , و الصديق المقرب لسوسيكي الذي جمعته به علاقة معقدة و محرجة , هددت دوما أواصر الصداقة المتينة بينهما , بسبب هذه المرأة الجميلة و الموهوبة التي كانت ( الحب الأبدي , أو غير المستقر لسوسيكي ) وفقا للبروفيسور و المترجم الأمريكي ( د . جون ناثان ) في كتابه ( سوسيكي : أعظم روائي في اليابان الحديثة ) الصادر عن دار نشر جامعة كولومبيا 2018 . و أيضا الباحثة ( جونكو هيغاسا ) التي رأت في كوسوكو ( الحب السري العذري لسوسيكي , أو المادونا الأبدية في حياته ) , و ذلك من خلال سلسلة المقالات و الدراسات التحليلية و النقدية المعمقة التي تناولت فيها أعمال سوسيكي على نحو دقيق , و منها ( أوتسوكا كوسوكو في أعمال سوسيكي 2018 ) و ( القراءة العميقة للفصل السادس من رواية سانشيرو لسوسيكي 2017 ) .
( 4 ) - تحمل القصيدة طابعا رثائيا حزينا , تجمع بين الأقاحي ( كيكو ) ( رمز الجمال و النقاء و البراءة و طول العمر ) و التابوت ( كانوكي ) ( رمز الموت و النهاية الأليمة ) . علما توضع زهور الأقحوان داخل تابوت المتوفى كتقليد معمول به في الجنازات اليابانية التقليدية تكريما له , و هي تغمر الأرجاء في اليابان خلال شهر تشرين الثاني الذي توفيت فيه المحبوبة كوسوكو .






تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...