شهادات خاصة عبدالمنعم الهراق - #شخصيات_استوقفتني عندما تصبح حاشية الكتاب أهم من المتن...

هناك أناس يقرأون الكتب، وٱخرون يطاردون ما تخبئه تلك الأسفار ، فيتحولون إلى صائدي المعاني .
الأستاذ عبد العزيز الساوري ، عجل الله شفاءه ، واحد من هؤلاء.
إطار بقطاع الثقافة أحيل على التقاعد، وخريج جامعة القاهرة العريقة، شارك عضوا في دورات متعددة من جائزة الحسن الثاني للمخطوطات، إلى جانب نخبة من الباحثين والمهتمين بالتراث المخطوط ، له عدة مؤلفات أغنى بها المشهد الثقافي المغربي ، تأليفا وتحقيقا.
لكن هذه العناوين، على أهميتها، لا تكشف وحدها عن الرجل الذي استوقفني.
ما يلفتني فيه هو ذلك الولع الهادئ بكل ما يتصل بالتراجم والسير والفهارس والبرامج؛ يتابع الإصدارات الجديدة، ويلتقط الرسائل المحققة، والأجزاء التي استُخرجت حديثا من خزائن النسيان.
تسأله عن عَلَم من أعلام الغرب الإسلامي، في المغرب أو الأندلس، فلا يكتفي باسم الكتاب، وإنما يفتح لك طريقا إلى مرجع ربما لم يخطر ببالك.
والأغرب من ذلك أنه قد يسألك عن رسالة صغيرة مغمورة، أو مجلة قديمة لا تكاد يلتفت إليها، أو كتيب لا يتجاوز صفحات معدودة في التيمم، أو جزئية من المواريث، أو العقيدة، أو التصوف؛ وأنت تعرف سلفا أن الموضوع ليس من تخصصه ؛ ومع ذلك، تراه يحتفي به كأنه عثر على كنز في المظان .
تتعجب: ما الذي يجعل هذا الكتيب الصغير بهذه القيمة في عينيه؟
ثم تكتشف السر ؛ ليس الكتاب هو الذي يعنيه، وإنما الاسم المختبئ بين صفحاته.
قد يكون أحد الأعلام الذين يبحث عن ترجمتهم منذ زمن، أو تلميذا لعالم أعياه العثور على أثر له، أو شخصا عاصره ذلك العلم أو صاحبه يوما.
وهنا تنقلب موازين الأشياء ، فتصبح مجلة قديمة لا قيمة لها في نظر الآخرين، شيئا ثمينا في نظره؛ وقد يدفع في سبيل الحصول عليها مبلغا كبيرا، لا لأنها نادرة، ولا لجمال طباعتها، ولا لقيمتها العلمية المباشرة، وإنما لأنها ربما تحمل بضعة أسطر عن رجل يبحث عنه.
كأن الساوري لا يفتش عن الكتب، بقدر ما يبحث عن الناس الذين تركوا ظلالهم فيها.
ولهذا، حين يزور معرضا دوليا للكتاب، أو يدخل مكتبة من مكتبات المدن المغربية، أو يقلب صناديق الكتب المستعملة عند أحد الباعة، يبدو لي كمن ينقب في ذاكرة بعيدة، لعلها تخبئ اسما سقط من سجل التراجم.
وقد يخرج من بين مئات الكتب بكتاب صغير لا يكاد يثير انتباه أحد، لكنه بالنسبة إليه قد يكون مفتاحا لباب ظل مغلقا لسنوات ؛ و ذلك هو ديدنه.
وفي عالم تُقاس فيه قيمة الأشياء أحيانا بحجمها وشهرتها، علّمني عبد العزيز الساوري أن أصغر الكتب قد تحمل أكبر الأسرار، وأن هامشا منسيا قد يعيد إنسانا كاملا إلى الحياة.
لهذا استوقفتني شخصيته؛ لأنه لا يقرأ الكتاب وحده، وإنما يقرأ ما وراءه، وما بين سطوره، وما تركه العابرون من آثار صغيرة في ذاكرة الورق.
وربما لهذا أيضا، حين أراه يقلب مجلة قديمة أو رسالة مغمورة، أشعر أنه لا يبحث عن كتاب ، كأنه ينقب عن شخص ينتظر، منذ زمن طويل، أن يعثر عليه أح

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...