يُعدّ محمد بن أبي القاسم بن سعيد العميري من الفقهاء الذين جمعوا بين الاشتغال بالعلم ونظم شعر الملحون، غير أن ترجمته ظلت، إلى حدّ كبير، محاطة بالغموض، ولم تحظَ بما يكفي من التحقيق والتوثيق، الأمر الذي يجعل شعره نفسه مصدرًا مهمًا في إعادة بناء جوانب من سيرته وحياته.
ينتمي العميري إلى أسرة لها صلة بالعلم والقضاء؛ فأبوه القاضي محمد أبو القاسم، وجده سعيد العميري، الذي تذكر الرواية المتصلة بأسرته أنه قدم إلى المغرب في عهد السلطان المولى إسماعيل، وتولى القضاء في ديوانه. ومن هذه البيئة العلمية والقضائية نشأ محمد بن أبي القاسم، فكان الفقه والعلم والرحلة والكتاب عناصر بارزة في شخصيته.
ولم يكن العميري ممن اكتفوا بما حصّلوه في بلادهم، بل رحل في طلب العلم، واتجه شرقًا قاصدًا أداء فريضة الحج. وكانت مصر إحدى محطات رحلته، حيث التحق بالأزهر وأقام به أكثر من خمس سنوات، ثم واصل رحلته إلى مكة المكرمة فأدى فريضة الحج، وانتقل بعد ذلك إلى العراق والشام. وقد امتدت رحلته في المشرق نحو عشر سنوات، قبل أن يعود إلى المغرب في أواخر عهد السلطان المولى سليمان.
وتكشف قصائده عن رجل كثير المطالعة، شديد الصلة بالعلم وأهله، وهو ما نجده واضحًا في قوله في قصيدة «زهور»:
آنَا الْمُولُوعْ بَالْمْـسَاطَرْ * وَامْــطَالَــعْ السْـفَارْ
بَاقِي لَلْعَـلْـمْ كَانْـسَافَرْ * وَانْسَالْ عْلَى الْحْبَارْ
فالشاعر هنا لا يقدم نفسه شاعر غزل فحسب، وإنما يقدم صورة طالب علم مولع بالكتب والأسفار والأخبار.
وقد ترك العميري عددًا من القصائد في موضوعات مختلفة، تكشف عن اتساع تجربته وتنوع ثقافته. ففي شعره الغزل، كما في «زهور»، وفي شعره الاجتماعي والإصلاحي، كما في «ناس الحال»، وفي شعر المحنة والنفي، كما في «التادلاوية»، وفي شعر التأمل في العمر والمصير، كما في «النونية»، نلتقي بشخصية الشاعر الفقيه الذي كان ينظر إلى عصره بعين العالم، وإلى أحداثه بعين الشاهد، وإلى الشعر باعتباره وسيلة للتعبير والتسجيل والتأمل.
وتكتسب قصيدة «زهور» أهمية خاصة في توثيق حياته؛ فقد ختمها العميري بتأريخ أبجدي صريح، فقال:
وَاحْسَبْ تَارِيخْهَا فْعِيدْ الْفَطْرَا
عَامْ جُلْ رْوَاشِي بَمْنَارُ
وبحسب حساب الجُمّل المغربي الذي استعمله الشاعر، فإن:
ج = 3، ل = 30، ر = 200، و = 6، ش = 1000
فيكون المجموع: 1239هـ.
وبذلك تقدم لنا القصيدة شهادة مباشرة من شعر العميري نفسه على أنه كان حيًا سنة 1239هـ، الموافقـة لنحو 1824م، وهو تاريخ بالغ الأهمية في إعادة بناء خطه الزمني.
أما «التادلاوية» فتقدم لنا جانبًا آخر من حياته، إذ ارتبط نظمها بمرحلة نفيه إلى تادلة، وهي قصيدة يغلب عليها جو المحنة والشكوى والخصومة، وتظهر فيها نظرته الناقدة إلى بعض مظاهر الظلم والنفاق والفساد. وفيها يقول:
لَا يَـغَـرُّوكْ اصْحَابْ الْفِيشْ وَالْفَـشَـرْ
وَالْحِيلَة وَالنِّـفَاقْ بَـكَـذْبْ وَانْـوَاعَـرْ
كما تكشف «النونية» عن شاعر أدرك مرحلة متقدمة من العمر، واستعاد فيها ذكريات الصبا والقرناء ومكناس والوالدين، وجاء فيها قوله:
طَالْ عَهْدِي وَاجْفِيتْ اللِّي ايْحَبْنِي
بالفرح مع السرور دَوَّزْتْ اسنيني
وهي من الشواهد التي تسمح لنا بقراءة شعوره بطول السنين واستحضاره لمراحل حياته، دون أن نحمل العبارة أكثر مما تحتمل أو نستخرج منها عمرًا محددًا.
وهكذا فإن صورة العميري التي ترسمها قصائده ليست صورة شاعر مناسبات فحسب؛ بل صورة فقيه شاعر، وطالب علم رحّال، ومثقف واسع المطالعة، وشاهد على عصره، وصاحب موقف من التحولات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي عاشها.
ومع ذلك، تبقى ترجمته بحاجة إلى مزيد من التحقيق؛ فقد أوردت بعض المصادر المتأخرة أخبارًا عنه لا تخلو من الرواية الشعبية، بينما لم تقدم لنا ترجمة كافية، ولا حتى تاريخ وفاته، فقد ذكره صاحب كتاب القصيدة ص 627 و كذا في معلمة الملحون ج2 ص 312.
ولذلك فإن إعادة بناء سيرته ينبغي أن تقوم على مقابلة المصادر التاريخية بما تركه هو من شعر مؤرخ وشهادات داخلية، لا على الروايات المتداولة وحدها.
ومن هنا تأتي أهمية نشر قصائده كاملة، وفي مقدمتها قصيدة اللامية، لأنها لا تمثل قيمة فنية وشعرية فحسب، وإنما تسهم أيضًا في استكمال صورة صاحبها، وفي التعرف إلى لغته وثقافته ومواقفه وعصره.
تأتي قصيدة «اللامية» ضمن ما وصلنا من شعر الفقيه محمد بن أبي القاسم العميري، حيث استطعت بتوفيق من الله ان اجمع له 23 قصيدة. رقنتها بعد التحقيق و التحليل، وفي مقدمتها قصيدة اللامية وهي قصيدة جديرة بالنشر والدراسة لما تحمله من خصائص فنية وفكرية، ولما تضيفه إلى معرفتنا بهذا الشاعر الذي لم تستوفِ المصادر المتداولة ترجمته استيفاءً كافيًا.
ولأن العميري كان فقيهًا وعالمًا وطالب علم، فإن قراءة شعره ينبغي ألا تتوقف عند جمال العبارة والصياغة، بل تتجه كذلك إلى ما تحمله القصيدة من معانٍ ودلالات ومفردات وصور وعناصر ثقافية تكشف عن تكوين صاحبها وعن البيئة التي عاش فيها.
وتأتي أهمية نشر اللامية اليوم أيضًا من ضرورة إخراج شعر العميري من دائرة الرواية الشفوية أو الأخبار المتفرقة، وجمعه في نصوص يمكن للباحث والقارئ الرجوع إليها ودراستها.
وقد حرصت في نشر هذه القصيدة على المحافظة على نصها كما هو.
وتبقى هذه اللامية، إلى جانب قصائده الأخرى، شاهدًا من شواهد شعر الفقيه العميري، الذي نأمل أن تكشف نصوصه تباعًا عن جوانب أخرى من حياته وفكره وتجربته.
والآن تأتي القصيدة نفسها، لتتحدث بلسان صاحبها.
الــلازمة
يَـا الْمُولَى نِـعْــمْ آلْمُــتْــعَالْ ذُو آلْجَـلاَلْ * يَـا آلْمَـعْــبُودْ اعْــظِيـمْ الشَّانْ فَالْمْـعَـالِي
القسم الاول
يَـا آلْمُغِيـثْ آللِّي نَـرْجَى افْى دِيقْـتْ آلْحَالْ * يَا الرَّحِيـمْ ارْحَـمْ ضُـعْـفِي اوْشُوفْ حَالِي
غِيـث عَبْدْ امْـهَـوَّل يَـرْجَى اتْـزُولْ لَهْوَالْ * طَالْ مَـا يَــتْــقَــلَّــبْ فَى جْـمَارْ لاَ امْهَالِي
كُـلْ حِيـنْ ايْــــنادِي فَى حْـمَاكْ يَـا آلْفَـعَّالْ * اعْــيَا ايْــقَاسِي وَاهْــوَالُو فَاقْـتْ آلْهْـوَالِي
جَـرْعُو حَالْ آلْوَقْتْ امْنَ آلْمْـرَايْـرْ اشْحَالْ * وَ آلْخْــلاَيَـقْ بَآلْــوَاقَــعْ حَــــدْ مَـا امْـبَالِي
وْهَلْ الصْلاَحْ آرَبِي غُـرْبَة اوْلاَمْنَ ايْسَالْ * عَـلْ آلْغُـرْبَة فَى زْمَانْ امْنَ آلْفْضَالْ خَالِي
القسم الثاني
يَا مُولْ آلْجُودْ وَآلْحْسَانْ امْعَ التَّـفْـضِيلْ * يَا غَانِي يَـا اكْــرِيـمْ فُـكْ الـتَّــوْحِيـلَة
عَجَّلْ بَعْلاَجْ قَلْبْ وَسْطْ الصَّدْرْ اغْـلِيـلْ * وَ اعْـتَقْ يَا ذَا آلْجْلاَلْ رُوحِي الَغْـلِيلَة
وَ آللِّي يَـطْـغَى اتـهَـدْ دَاتُـو لاَ تَـمْـهِيـلْ * حَـتَى يَــبْــدَا ايْــشُوفْ نَـفْـسُو الدْلِيـلَة
فِي حِيـصْ اوْ بِيــصْ لِيـسْ تَــنْــفَـعْ لــُـو حِيـلَة
اتْــدَرْقُـو نَـاسْ آلْـجَــدْ اوْبَـانْ كُــلْ خَـتَّـالْ * كَانْ يَـرْصَـدْ آلْوَقْـتْ اتْـسَاعْـدْ الـرْدَالِي
اوْغِـيـرْ بَــرْزُو آتَـاوْ آلْـبَـادْعِيــنْ الَحْـيَـالْ * مَا ارْعَـاوْ آلْحُـرْمَةْ لَـشْـرَافْ وَ آلْقْـيَالِي
اوْغِيرْ بَرْزُو دَغْيَا دَغْـيَا افْى خِيبْتْ آلْحَالْ * بَـانْ عِـيبْ آلْخَـتَّـالَـة سَاعْــتْ آلْمْـعَالِي
اتْــشُوفْـهُـمْ فَالضَّاهَـرْ تَـحْــسَابْـهُــمْ كُـمَّالْ * اتْــشَاهْــدْ افْـعَـايَـلْـهُـمْ بِـيـهُـمْ مَـا اتْـبَالِي
ابْــرُورْهُــمْ بَـآلْـقُـــرَّا وَ احْــسَانْـهُـمْ بَآلْآلْ * كَانْ وَثَــرْنِي لِـيـهْ اسْــبَـابْ بَـانْ جَالِي
القسم الثالث
آلْوَقْـتْ آلْيُـومْ جَابْ خَـصْـلاَتْ التَّـرْذِيـلْ * مَنْ عَاشَـرْ قُـومْ سَارْ مَـنْـهُـمْ بَالصِّيـلَة
آللِّي هُـــوَ ارْذِيـــلْ يَـــدْنُـو للَـتَّــفْـضِيـلْ * وَ آللِّي هُـوَ افْــضِيـلْ يَسْـوَى تَـنْـخِيـلَة
مَـنْ لاَ فَـهْـمُو احْـدِيثْ مَـا فَـقْـهُو تَآوِيـلْ * وَلاَ يَـــدْرِيـــوْ لَلْــمْــغَـــنِـي تَــرْثِـيــلَة
كُـلْ اشْــتِيـمَة افْـحَـقْــهُــمْ جَـاتْ اقْــلِيــلَة
غَــرْهُــمْ الـشِّــطَانْ اوْلَا اعْــبَـاوْ بَـسْـئَالْ * اتْـقُـولْ مَا سَـمْـعُـوشِي مَا فَاتْ فَآلْجْـيَالِي
ايْـعَـبْـرُو عَـنْ حُبْ الدَّنْـيَا ابْــشَـرْ لَعْـمَالْ * مَـا ايْــرَقُـو لَـنْـــدِيــرْ آلُــو ايْـكُـونْ وَالِي
اوْهَلْ التَّـقْوَى وَالدِّينْ اضْحَاوْ طَيْ لَـهْمَالْ * اوْهَـلْ آلْبَـدْعَة وَالزِّيـغْ افْـغَايْـتْ الرْفَالِي
جِيلْ تَرْكْ الصَّدْقْ اوْالُوْفَا انْسَاهْ وَ ارْجَالْ * بَــدْلُوهْ ابْــدَرْهَــمْ مَـبْـخُوسْ جِيــلْ خَالِي
اوْفَآلْحْـديث آلْقَابَـطْ دِيـنُو افْـجَـمْـعْ لَحْـوَالْ * كِي آلْقَابَطْ جَـمْرَة يَا مَنْ اصْغَى اقْـوَالِي
القسم الرابع
آللِّي يَـنْسَى اعْـهُودْ لَـجْـدَادْ افْــتَــضْـلِيـلْ * مَا مَـثْـلُو شِي اضْـلِيلْ فَآقْـطَارْ اضْـلِيـلَة
صَالْ ابْـقُـبْحُو اوْزَادْ لـُو جَـهْـلُـو تَـخْـبِيلْ * وَبْـقـَا قَــلْــبُـو امْـحَــيْــرْ اوْفِي تَـهْـوِيلَة
انْـوَا رَاسُو اعْـلاَ اوْصَابُو فِي تَــسْــفِيـلْ * مَـا طَـاقْ آلْعَــوْمْ فِي ابْـحُـورْ التَّـهْـوِيلَة
لاَبُــدْ ايْـعُـودْ لِيـهْ جَـهْـلُـو تَــكْــبِيــلَة
يَا ايْـلاَهْ اسْألْـتَـكْ وَ آنْـتَ آلْغْــنِي آلْـمُـتْـعَالْ * رَدْ هَـذْ آلْكَــسْـرَة بَآلْخِيــرْ يَا آلْعَالِي
جُودْ وَ اغْنِي وَارْحَمْ ضِعَافْ وَسْطْ لَهْـوَالْ * دَاقْ بِيـهُـمْ آلْحَالْ افْى دَنْــيَـتْ آلْحْـيَالِي
مَا ايْـلِيـهُـمْ غِيـرَكْ وَ آنْـتَ آلْعْـلِيــمْ بَآلْـحَالْ * يَا آلْمُـجِيـــبْ آلْمَـنْ اضْـطَـرْ فَآلْسْـئَالِي
غِيثْ ضِعَافْ آلْخَلْـقْ الْغَايْـصِينْ فَ آوْحَالْ * مَا انْـوَصَّـفْ هُـمْ لِيـكْ آعَالْـمْ آلْحْـوالِي
كِيفْ يَـوْصَـفْ للَرَّاقَـبْ عَلْ آلْحَالْ وَ امْـآلْ * عَـبْدْ جَاهَلْ وَ اقْـلِيلْ آلْفَهْـمْ مَنْ امْـثَالِي
القسم الخامس
يَا مَنْ فَـضْـلُو اعْـمِيمْ وَاحْـسَانُو لَجْـزِيلْ * عَـجَّـلْ وَ اشْـفِي اقْـلُوبْ فَصْدُورْ اعْـلِيلَة
يَا مَنْ هَـدْيُو آلْهَــلْ الْإِسْـلاَمْ ابْـتَــنْــزِيلْ * آلْهَـمْ لِيـهْ آلْـقْـــلُـوبْ تَـــقْـــرَاهْ اوْ جِيـلَة
يَا بَاعَـثْ لَلْخْـلاَيْـقْ ارْسُولَـكْ لَــفْـضِيلْ * يَـا جَـاعَــلْ سِيــرْتُـو اللَّـعْــبَـادْ افْـضِيلَة
اهْــدِي لِيــهَا ابْـصَايْـــرْ اضْـحَاتْ اعْـــطِيــلَة
مَـا ادْرَى مَنْ شَهَّـدْ ابْـدَعْوَةْ كُـلْ مُـرْسَالْ * بِيـنْ رُوحْ آلْمَـعْـنَى فَـمْـنَابْـعْ آلْقْـوَالِي
لُو ايْـعَـــرْفُـو هَـذِي هِــيَّا اتْـغَــيْــرْ آلْحَالْ * كِي اتْـغَـيَّـرْ فِي كَـمْ اجْـيَالْ بَآلْفْـضَالِي
يَا الرَّحْمَانْ ارْحَمْ ضُعْـفْ آلْخْلاَقْ يَنْـشَالْ * يَا آلْغَــفَّـارْ اغْــفَــرْ لَـعْـبَادْكْ آلْـزْلاَلِي
يَا آلْخَلاَقْ اخْـلَـقْ فِـيـنَا آلْـخِيــرْ يَـــنْــزَالْ * كُـلْ شَرْ امْـنَ اقْـلُوبْ النَّاسْ يَا آلْـعَالِي
بَآلنْـبِي وَ انْصَارُو وَمْـهَاجْـرِيـنْ لَـفْـضَالْ * غِـيثْ هَــذْ الأمَـة تَـطْـرَدْ كُــلْ ضَالِي
وَالصْلاَة وَ السَّـلاَمْ اعْلَى النْـبِي آلْمُـرْسَالْ * سِيـدْنَا مُحَـمَّـدْ كَــنْـزِي اوْرَاسْ مَـالِي
تمت
ينتمي العميري إلى أسرة لها صلة بالعلم والقضاء؛ فأبوه القاضي محمد أبو القاسم، وجده سعيد العميري، الذي تذكر الرواية المتصلة بأسرته أنه قدم إلى المغرب في عهد السلطان المولى إسماعيل، وتولى القضاء في ديوانه. ومن هذه البيئة العلمية والقضائية نشأ محمد بن أبي القاسم، فكان الفقه والعلم والرحلة والكتاب عناصر بارزة في شخصيته.
ولم يكن العميري ممن اكتفوا بما حصّلوه في بلادهم، بل رحل في طلب العلم، واتجه شرقًا قاصدًا أداء فريضة الحج. وكانت مصر إحدى محطات رحلته، حيث التحق بالأزهر وأقام به أكثر من خمس سنوات، ثم واصل رحلته إلى مكة المكرمة فأدى فريضة الحج، وانتقل بعد ذلك إلى العراق والشام. وقد امتدت رحلته في المشرق نحو عشر سنوات، قبل أن يعود إلى المغرب في أواخر عهد السلطان المولى سليمان.
وتكشف قصائده عن رجل كثير المطالعة، شديد الصلة بالعلم وأهله، وهو ما نجده واضحًا في قوله في قصيدة «زهور»:
آنَا الْمُولُوعْ بَالْمْـسَاطَرْ * وَامْــطَالَــعْ السْـفَارْ
بَاقِي لَلْعَـلْـمْ كَانْـسَافَرْ * وَانْسَالْ عْلَى الْحْبَارْ
فالشاعر هنا لا يقدم نفسه شاعر غزل فحسب، وإنما يقدم صورة طالب علم مولع بالكتب والأسفار والأخبار.
وقد ترك العميري عددًا من القصائد في موضوعات مختلفة، تكشف عن اتساع تجربته وتنوع ثقافته. ففي شعره الغزل، كما في «زهور»، وفي شعره الاجتماعي والإصلاحي، كما في «ناس الحال»، وفي شعر المحنة والنفي، كما في «التادلاوية»، وفي شعر التأمل في العمر والمصير، كما في «النونية»، نلتقي بشخصية الشاعر الفقيه الذي كان ينظر إلى عصره بعين العالم، وإلى أحداثه بعين الشاهد، وإلى الشعر باعتباره وسيلة للتعبير والتسجيل والتأمل.
وتكتسب قصيدة «زهور» أهمية خاصة في توثيق حياته؛ فقد ختمها العميري بتأريخ أبجدي صريح، فقال:
وَاحْسَبْ تَارِيخْهَا فْعِيدْ الْفَطْرَا
عَامْ جُلْ رْوَاشِي بَمْنَارُ
وبحسب حساب الجُمّل المغربي الذي استعمله الشاعر، فإن:
ج = 3، ل = 30، ر = 200، و = 6، ش = 1000
فيكون المجموع: 1239هـ.
وبذلك تقدم لنا القصيدة شهادة مباشرة من شعر العميري نفسه على أنه كان حيًا سنة 1239هـ، الموافقـة لنحو 1824م، وهو تاريخ بالغ الأهمية في إعادة بناء خطه الزمني.
أما «التادلاوية» فتقدم لنا جانبًا آخر من حياته، إذ ارتبط نظمها بمرحلة نفيه إلى تادلة، وهي قصيدة يغلب عليها جو المحنة والشكوى والخصومة، وتظهر فيها نظرته الناقدة إلى بعض مظاهر الظلم والنفاق والفساد. وفيها يقول:
لَا يَـغَـرُّوكْ اصْحَابْ الْفِيشْ وَالْفَـشَـرْ
وَالْحِيلَة وَالنِّـفَاقْ بَـكَـذْبْ وَانْـوَاعَـرْ
كما تكشف «النونية» عن شاعر أدرك مرحلة متقدمة من العمر، واستعاد فيها ذكريات الصبا والقرناء ومكناس والوالدين، وجاء فيها قوله:
طَالْ عَهْدِي وَاجْفِيتْ اللِّي ايْحَبْنِي
بالفرح مع السرور دَوَّزْتْ اسنيني
وهي من الشواهد التي تسمح لنا بقراءة شعوره بطول السنين واستحضاره لمراحل حياته، دون أن نحمل العبارة أكثر مما تحتمل أو نستخرج منها عمرًا محددًا.
وهكذا فإن صورة العميري التي ترسمها قصائده ليست صورة شاعر مناسبات فحسب؛ بل صورة فقيه شاعر، وطالب علم رحّال، ومثقف واسع المطالعة، وشاهد على عصره، وصاحب موقف من التحولات الاجتماعية والأخلاقية والسياسية التي عاشها.
ومع ذلك، تبقى ترجمته بحاجة إلى مزيد من التحقيق؛ فقد أوردت بعض المصادر المتأخرة أخبارًا عنه لا تخلو من الرواية الشعبية، بينما لم تقدم لنا ترجمة كافية، ولا حتى تاريخ وفاته، فقد ذكره صاحب كتاب القصيدة ص 627 و كذا في معلمة الملحون ج2 ص 312.
ولذلك فإن إعادة بناء سيرته ينبغي أن تقوم على مقابلة المصادر التاريخية بما تركه هو من شعر مؤرخ وشهادات داخلية، لا على الروايات المتداولة وحدها.
ومن هنا تأتي أهمية نشر قصائده كاملة، وفي مقدمتها قصيدة اللامية، لأنها لا تمثل قيمة فنية وشعرية فحسب، وإنما تسهم أيضًا في استكمال صورة صاحبها، وفي التعرف إلى لغته وثقافته ومواقفه وعصره.
تأتي قصيدة «اللامية» ضمن ما وصلنا من شعر الفقيه محمد بن أبي القاسم العميري، حيث استطعت بتوفيق من الله ان اجمع له 23 قصيدة. رقنتها بعد التحقيق و التحليل، وفي مقدمتها قصيدة اللامية وهي قصيدة جديرة بالنشر والدراسة لما تحمله من خصائص فنية وفكرية، ولما تضيفه إلى معرفتنا بهذا الشاعر الذي لم تستوفِ المصادر المتداولة ترجمته استيفاءً كافيًا.
ولأن العميري كان فقيهًا وعالمًا وطالب علم، فإن قراءة شعره ينبغي ألا تتوقف عند جمال العبارة والصياغة، بل تتجه كذلك إلى ما تحمله القصيدة من معانٍ ودلالات ومفردات وصور وعناصر ثقافية تكشف عن تكوين صاحبها وعن البيئة التي عاش فيها.
وتأتي أهمية نشر اللامية اليوم أيضًا من ضرورة إخراج شعر العميري من دائرة الرواية الشفوية أو الأخبار المتفرقة، وجمعه في نصوص يمكن للباحث والقارئ الرجوع إليها ودراستها.
وقد حرصت في نشر هذه القصيدة على المحافظة على نصها كما هو.
وتبقى هذه اللامية، إلى جانب قصائده الأخرى، شاهدًا من شواهد شعر الفقيه العميري، الذي نأمل أن تكشف نصوصه تباعًا عن جوانب أخرى من حياته وفكره وتجربته.
والآن تأتي القصيدة نفسها، لتتحدث بلسان صاحبها.
الــلازمة
يَـا الْمُولَى نِـعْــمْ آلْمُــتْــعَالْ ذُو آلْجَـلاَلْ * يَـا آلْمَـعْــبُودْ اعْــظِيـمْ الشَّانْ فَالْمْـعَـالِي
القسم الاول
يَـا آلْمُغِيـثْ آللِّي نَـرْجَى افْى دِيقْـتْ آلْحَالْ * يَا الرَّحِيـمْ ارْحَـمْ ضُـعْـفِي اوْشُوفْ حَالِي
غِيـث عَبْدْ امْـهَـوَّل يَـرْجَى اتْـزُولْ لَهْوَالْ * طَالْ مَـا يَــتْــقَــلَّــبْ فَى جْـمَارْ لاَ امْهَالِي
كُـلْ حِيـنْ ايْــــنادِي فَى حْـمَاكْ يَـا آلْفَـعَّالْ * اعْــيَا ايْــقَاسِي وَاهْــوَالُو فَاقْـتْ آلْهْـوَالِي
جَـرْعُو حَالْ آلْوَقْتْ امْنَ آلْمْـرَايْـرْ اشْحَالْ * وَ آلْخْــلاَيَـقْ بَآلْــوَاقَــعْ حَــــدْ مَـا امْـبَالِي
وْهَلْ الصْلاَحْ آرَبِي غُـرْبَة اوْلاَمْنَ ايْسَالْ * عَـلْ آلْغُـرْبَة فَى زْمَانْ امْنَ آلْفْضَالْ خَالِي
القسم الثاني
يَا مُولْ آلْجُودْ وَآلْحْسَانْ امْعَ التَّـفْـضِيلْ * يَا غَانِي يَـا اكْــرِيـمْ فُـكْ الـتَّــوْحِيـلَة
عَجَّلْ بَعْلاَجْ قَلْبْ وَسْطْ الصَّدْرْ اغْـلِيـلْ * وَ اعْـتَقْ يَا ذَا آلْجْلاَلْ رُوحِي الَغْـلِيلَة
وَ آللِّي يَـطْـغَى اتـهَـدْ دَاتُـو لاَ تَـمْـهِيـلْ * حَـتَى يَــبْــدَا ايْــشُوفْ نَـفْـسُو الدْلِيـلَة
فِي حِيـصْ اوْ بِيــصْ لِيـسْ تَــنْــفَـعْ لــُـو حِيـلَة
اتْــدَرْقُـو نَـاسْ آلْـجَــدْ اوْبَـانْ كُــلْ خَـتَّـالْ * كَانْ يَـرْصَـدْ آلْوَقْـتْ اتْـسَاعْـدْ الـرْدَالِي
اوْغِـيـرْ بَــرْزُو آتَـاوْ آلْـبَـادْعِيــنْ الَحْـيَـالْ * مَا ارْعَـاوْ آلْحُـرْمَةْ لَـشْـرَافْ وَ آلْقْـيَالِي
اوْغِيرْ بَرْزُو دَغْيَا دَغْـيَا افْى خِيبْتْ آلْحَالْ * بَـانْ عِـيبْ آلْخَـتَّـالَـة سَاعْــتْ آلْمْـعَالِي
اتْــشُوفْـهُـمْ فَالضَّاهَـرْ تَـحْــسَابْـهُــمْ كُـمَّالْ * اتْــشَاهْــدْ افْـعَـايَـلْـهُـمْ بِـيـهُـمْ مَـا اتْـبَالِي
ابْــرُورْهُــمْ بَـآلْـقُـــرَّا وَ احْــسَانْـهُـمْ بَآلْآلْ * كَانْ وَثَــرْنِي لِـيـهْ اسْــبَـابْ بَـانْ جَالِي
القسم الثالث
آلْوَقْـتْ آلْيُـومْ جَابْ خَـصْـلاَتْ التَّـرْذِيـلْ * مَنْ عَاشَـرْ قُـومْ سَارْ مَـنْـهُـمْ بَالصِّيـلَة
آللِّي هُـــوَ ارْذِيـــلْ يَـــدْنُـو للَـتَّــفْـضِيـلْ * وَ آللِّي هُـوَ افْــضِيـلْ يَسْـوَى تَـنْـخِيـلَة
مَـنْ لاَ فَـهْـمُو احْـدِيثْ مَـا فَـقْـهُو تَآوِيـلْ * وَلاَ يَـــدْرِيـــوْ لَلْــمْــغَـــنِـي تَــرْثِـيــلَة
كُـلْ اشْــتِيـمَة افْـحَـقْــهُــمْ جَـاتْ اقْــلِيــلَة
غَــرْهُــمْ الـشِّــطَانْ اوْلَا اعْــبَـاوْ بَـسْـئَالْ * اتْـقُـولْ مَا سَـمْـعُـوشِي مَا فَاتْ فَآلْجْـيَالِي
ايْـعَـبْـرُو عَـنْ حُبْ الدَّنْـيَا ابْــشَـرْ لَعْـمَالْ * مَـا ايْــرَقُـو لَـنْـــدِيــرْ آلُــو ايْـكُـونْ وَالِي
اوْهَلْ التَّـقْوَى وَالدِّينْ اضْحَاوْ طَيْ لَـهْمَالْ * اوْهَـلْ آلْبَـدْعَة وَالزِّيـغْ افْـغَايْـتْ الرْفَالِي
جِيلْ تَرْكْ الصَّدْقْ اوْالُوْفَا انْسَاهْ وَ ارْجَالْ * بَــدْلُوهْ ابْــدَرْهَــمْ مَـبْـخُوسْ جِيــلْ خَالِي
اوْفَآلْحْـديث آلْقَابَـطْ دِيـنُو افْـجَـمْـعْ لَحْـوَالْ * كِي آلْقَابَطْ جَـمْرَة يَا مَنْ اصْغَى اقْـوَالِي
القسم الرابع
آللِّي يَـنْسَى اعْـهُودْ لَـجْـدَادْ افْــتَــضْـلِيـلْ * مَا مَـثْـلُو شِي اضْـلِيلْ فَآقْـطَارْ اضْـلِيـلَة
صَالْ ابْـقُـبْحُو اوْزَادْ لـُو جَـهْـلُـو تَـخْـبِيلْ * وَبْـقـَا قَــلْــبُـو امْـحَــيْــرْ اوْفِي تَـهْـوِيلَة
انْـوَا رَاسُو اعْـلاَ اوْصَابُو فِي تَــسْــفِيـلْ * مَـا طَـاقْ آلْعَــوْمْ فِي ابْـحُـورْ التَّـهْـوِيلَة
لاَبُــدْ ايْـعُـودْ لِيـهْ جَـهْـلُـو تَــكْــبِيــلَة
يَا ايْـلاَهْ اسْألْـتَـكْ وَ آنْـتَ آلْغْــنِي آلْـمُـتْـعَالْ * رَدْ هَـذْ آلْكَــسْـرَة بَآلْخِيــرْ يَا آلْعَالِي
جُودْ وَ اغْنِي وَارْحَمْ ضِعَافْ وَسْطْ لَهْـوَالْ * دَاقْ بِيـهُـمْ آلْحَالْ افْى دَنْــيَـتْ آلْحْـيَالِي
مَا ايْـلِيـهُـمْ غِيـرَكْ وَ آنْـتَ آلْعْـلِيــمْ بَآلْـحَالْ * يَا آلْمُـجِيـــبْ آلْمَـنْ اضْـطَـرْ فَآلْسْـئَالِي
غِيثْ ضِعَافْ آلْخَلْـقْ الْغَايْـصِينْ فَ آوْحَالْ * مَا انْـوَصَّـفْ هُـمْ لِيـكْ آعَالْـمْ آلْحْـوالِي
كِيفْ يَـوْصَـفْ للَرَّاقَـبْ عَلْ آلْحَالْ وَ امْـآلْ * عَـبْدْ جَاهَلْ وَ اقْـلِيلْ آلْفَهْـمْ مَنْ امْـثَالِي
القسم الخامس
يَا مَنْ فَـضْـلُو اعْـمِيمْ وَاحْـسَانُو لَجْـزِيلْ * عَـجَّـلْ وَ اشْـفِي اقْـلُوبْ فَصْدُورْ اعْـلِيلَة
يَا مَنْ هَـدْيُو آلْهَــلْ الْإِسْـلاَمْ ابْـتَــنْــزِيلْ * آلْهَـمْ لِيـهْ آلْـقْـــلُـوبْ تَـــقْـــرَاهْ اوْ جِيـلَة
يَا بَاعَـثْ لَلْخْـلاَيْـقْ ارْسُولَـكْ لَــفْـضِيلْ * يَـا جَـاعَــلْ سِيــرْتُـو اللَّـعْــبَـادْ افْـضِيلَة
اهْــدِي لِيــهَا ابْـصَايْـــرْ اضْـحَاتْ اعْـــطِيــلَة
مَـا ادْرَى مَنْ شَهَّـدْ ابْـدَعْوَةْ كُـلْ مُـرْسَالْ * بِيـنْ رُوحْ آلْمَـعْـنَى فَـمْـنَابْـعْ آلْقْـوَالِي
لُو ايْـعَـــرْفُـو هَـذِي هِــيَّا اتْـغَــيْــرْ آلْحَالْ * كِي اتْـغَـيَّـرْ فِي كَـمْ اجْـيَالْ بَآلْفْـضَالِي
يَا الرَّحْمَانْ ارْحَمْ ضُعْـفْ آلْخْلاَقْ يَنْـشَالْ * يَا آلْغَــفَّـارْ اغْــفَــرْ لَـعْـبَادْكْ آلْـزْلاَلِي
يَا آلْخَلاَقْ اخْـلَـقْ فِـيـنَا آلْـخِيــرْ يَـــنْــزَالْ * كُـلْ شَرْ امْـنَ اقْـلُوبْ النَّاسْ يَا آلْـعَالِي
بَآلنْـبِي وَ انْصَارُو وَمْـهَاجْـرِيـنْ لَـفْـضَالْ * غِـيثْ هَــذْ الأمَـة تَـطْـرَدْ كُــلْ ضَالِي
وَالصْلاَة وَ السَّـلاَمْ اعْلَى النْـبِي آلْمُـرْسَالْ * سِيـدْنَا مُحَـمَّـدْ كَــنْـزِي اوْرَاسْ مَـالِي
تمت