وجرحٌ يرفض أن يندمل

قصة قصيرة

وجرحٌ يرفض أن يندمل​

حيدر عاشور

في أزقةِ الذاكرة المنسية، وخلف واجهات البيوت التي شوّهت الحرب ملامحها، تعيش سميرة حياةً تشبه الوقوف الأبدي على حدّ خنجر. امرأةٌ يلتهمها الحريق من الداخل، ويسكن دمها شعورٌ بالخيانة لا ينطفئ، وعطشٌ جارف لشيءٍ لا تجده إلا في دوامة عقلها المنهك. خالجتها أوهام الهروب كثيراً؛ تارةً نحو دهاليز السياسة علّها تظفر بسلطة تحميها، وتارةً نحو دروب التجارة علّها تشتري حريةً مسلوبة. غير أن روحها المجروحة كانت تنبذ تلك الخيارات، وتدفعها دوماً نحو صراطٍ واحدٍ لا حيدة عنه: الانتقام بالانتقام. بدأت مأساتها مع ذلك الهبوط المدوّي، يوم سقط الصنم وانهار معه كل شيء، لتتكشف الوجوه عن بشاعتها العارية في بلدٍ تلتهمه الفوضى. حينها فقط، أدركت أن زوجها الذي ظنته يوماً سنداً وملاذاً لم يكن يرى فيها سوى درعٍ بشري، ودميةٍ رخيصةٍ يلوّح بها ليتقي القتل أو الاختطاف، متوارياً خلف ضعفها ليشتري حياته.
لم يكن لسميرة أن تنسى تلك الظهيرة الحارقة؛ ظهيرة صهرت فيها الشمس لظى الأسفلت، وصهرت معها حياتهما إلى الأبد. يتجسد الألم في ذاكرتها في تلك اليد الغليظة التي انتزعتها عنوة من أمان بيتها، ودفعتها نحو الشارع العاري، لتتحول في لحظة خاطفة من إنسانة إلى ضحية مهدورة الدم. كان الخاطفون يطوقون المدى ككوابيس مجسدة، يوجّهون فوهات أسلحتهم وتهديداتهم نحو زوجها الذي انكمش يرتجف خلفها، مستجيرًا بضعفها. في تلك البرهة العصيبة، تجردت سميرة من غريزة البقاء؛ لم يخفق قلبها رعبًا على نفسها، بل تفطّر خوفًا على زوجها المكبل بالعجز، وعلى ذلك الجنين الغض الذي لم يكمل شهره الثاني في ظلمات أحشائها. وسط الشارع، وتحت أنظار مارة شلّ الخوف أطرافهم، فلم يملكوا سوى همهمات متلعثمة بـ "لا حول ولا قوة إلا بالله" تخفي عجزهم، أُجبرت مع زوجها تحت تهديد السلاح على صعود سيارة الإسعاف التي تحولت من رمز للإنقاذ إلى أداة للاحتجاز. هناك، حجبوا النور عن عينيها بعصابة سوداء، وتبددت كل آمالها في النجاة، لتذوق مع زوجها قسوة الأسر والاعتداء الذي استهدف كرامتهما ونال من روحهما، وسط عجز تام عن الدفاع أو المقاومة. ولم تنتهِ فصول ذلك الرعب إلا حين غابت سميرة عن الوعي من شدة الصدمة والألم النفسي والجسدي، لتستيقظ لاحقًا على فاجعة فقدان جنينها، معلنة نهاية حلم غض لم يولد بعد.

حين ارتخت جفونها لترتدّ إلى وعيها تحت رائحة المعقمات الباردة في المستشفى، لم يكن وجه زوجها الذي يبتلع دموعاً زائفة أول ما استوطن بصرها، بل كان ظلّ شرطيٍ يتربص بكلماتها على عتبة دفترٍ مفتوح بقلم جاف. وقبل أن ترتجف شفتها ببوح، بادرها الزوج بصوتٍ مصطنع يسبق حكاية الوهم:
  • صدمتها سيارة مسرعة يا سيدي... كانت هفوة طريق!.
هكذا، ببرود الجُبن وخيانة اللحظة، اغتال الحقيقة ومحا بوقاحةٍ عار تخاذله. لقد فضّل إهالة التراب على مأساة شرفها المهشم أمام عينيه على أن يعترف بضعفه، ليبقى هو سليماً في كنف خزيِه. وفي تلك اللحظة بالذات، انطفأت (سميرة) القديمة كشمعةٍ أكلها العبث، ومن رماد ذلك الانكسار، انبثقت امرأة أخرى؛ صلبة، حارقة، ومستندة إلى وعيٍ مرير. أوت إلى صومعةٍ من الاعتزال الظاهري والزهد، فباتت تتردد بخشوعٍ باهر على العتبات المقدسة، وتغمر روحها في عوالم الشعر وفلسفة الثقافة، متخذةً من هذا الستار الروحي درعاً منيعاً وقناعاً للتقوى. غير أن ما خلف الستار كان يبحر في اتجاه آخر؛ فقد شرعت تنسج شبكتها بخيوط دقيقة لا تُلفت الأنظار، وتختار فرائسها بعناية فائقة من أولئك الرجال الذين يرتدون ثوب الأمانة والتدين الزائف، لتتقاسم معهم وقتاً تديره بذريعة المتعة أو الفتاوى الملتوية؛ مستغلةً هيبتها الجديدة وغطاءها الثقافي والروحي لتبرير ثأرها الصامت، وتطويع الواقع لحسابها. غدت خطيئتها السرية وقودها اليومي، وضريبتها الشخصية للانتقام من رجلٍ حفرت في ذاكرتها سمته بالخسّة منذ تلك الظهيرة التي باعها فيها بلا ثمن. استمرت اللعبة، واستمر العيش المشترك؛ والآن، تكبر بينهما ثلاث بنات وولد، يرقبون بقداسةٍ أمهم المثقفة، الشاعرة الواعظة التي تهزّ المنابر بكلماتها الدافئة. يجهل الجميع أن خلف هذا الثبات الجميل رمادًا يخفي بركانًا يتأهب، وخيانةً ممتدة المفعول، تقتات عليها لتروي عطشًا كُتب عليه ألا يرتوي، وتبقي على جرحٍ مفتوح.. يرفض بضراوةٍ أن يندمل.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...