ثمة لحظات في التاريخ لا تعود فيها الحقيقة مسألة معرفة، وإنما تصبح مسألة تبصر ومسؤولية. وفي مثل هذه اللحظات، ينزاح سؤال "ماذا حدث؟" ، إلى "من يملك حق تسمية ما حدث؟ من يحدد معنى الجريمة وحدود الضحية ومشروعية الألم، ومن يملك سلطة إدراج الموت داخل قاموس الأخلاق أو إخراجه منه؟"، وبالتالي تبدأ قضية فلسطين في تجاوز حدودها السياسية لكي تصير نطاقا فلسفيا عاريا، يضع الفكر الغربي أمام مرآته الأكثر قسوة.
ذلك أن فلسطين لم تضع الغرب أمام خلاف في التأويل فحسب، وإنما أمام امتحان لمقولاته المؤسسة، في الحرية والإنسان والحق والديمقراطية والعدالة والكونية. وحين تتباعد هذه المفاهيم عن تطبيقاتها الفعلية، لا يعود الخلل مجرد تناقض سياسي بين خطاب وممارسة؛ إنه انكشاف لبنية أعمق، حيث يتبين أن الإنسان الذي تتحدث عنه الحداثة بصيغة الكونية ليس دائما الإنسان نفسه الذي تعترف بآلامه، وأن الحقيقة التي يفترض أن تحرر المجال العمومي يمكن أن تخضع في لحظة الصراع، لمنطق القوة والتحالفات والاصطفافات.
وفق ذلك تتخذ مسألة الإعلام موقعها الحاسم. فلا يعدو الإعلام محشورا في إدخال فلسطين من باب الخبر وحده، وإنما من باب تشكيل الواقع نفسه، من حيث اختيار المفردة وترتيب الصور ومنح الصوت وحجب الصوت وتسمية الفعل، وتحديد موقع كل طرف داخل السردية. بين "مقاتل" و"إرهابي"، وبين "ضربة" و"مجزرة"، وبين "قتيل" و"ضحية"، لا تتغير الكلمات فقط؛ يتغير العالم الأخلاقي الذي تُرى داخله الوقائع. ثم لا تركن اللغة إلى وصف الحقيقة فحسب؛ بل تفاوض أيضا على شرعيتها.
ولذلك يصبح الإعلام أحد الميادين التي تُخاض فيها المعركة على فلسطين، لا بوصفها معركة على المعلومة، وإنما على نظام الظهور، في من يظهر إنسانا كاملا، ومن يظهر باعتباره رقماً؛ من يمنح له حق الحزن، ومن يطالب أولا بتبرير حزنه؛ من يُستدعى تاريخه لفهم موته، ومن يُختزل موته في تهمة جاهزة. ولعل هذه النقطة هي التي تجعل سؤال الإعلام متصلا مباشرة بسؤال السلطة، كما سيظهر عند فوكو، وبسؤال الصورة والمشهد عند ديبور، وبسؤال المجال العمومي عند هابرماس، وبسؤال الحقيقة الواقعية عند أرندت.
لقد كانت الحداثة الغربية، في أحد وعودها الكبرى، قد بشّرت بإمكان بناء فضاء عمومي تصبح فيه الحقيقة قابلة للنقاش، والسلطة قابلة للمساءلة، والإنسان متساويا في القيمة أمام القانون. غير أن فلسطين تكشف هشاشة هذا الوعد حين يدخل التاريخ الاستعماري والجغرافيا السياسية وميزان القوة إلى قلب المشهد. عندها لا يعود الإعلام مجرد ناقل للأحداث، وإنما يتحول إلى مؤسسة لتوزيع الشرعية، كمن يمنح بعض الروايات قابلية التصديق، ويضع أخرى تحت الشبهة ويصنع عبر التكرار والإغفال والتأطير، حدود ما يمكن للمجتمع أن يراه وأن يعتقده وأن يتعاطف معه.
يصبح حضور فلسطين في الفكر الغربي أكثر من موقف سياسي؛ إنه لحظة اختبار لما إذا كانت مفاهيم الحداثة قادرة على عبور حدودها الثقافية والسياسية نحو الآخر، أم أنها تتراجع عند أول احتكاك جدي مع تاريخ الاستعمار. ولهذا فإن مواقف جان جينيه وجيل دولوز، كما مواقف آخرين من داخل التقليد النقدي الغربي، تكتسب دلالتها من كونها حاولت استعادة الفلسطيني من موقع "الموضوع" إلى موقع الإنسان، ومن موقع الصورة التي تُنتج عنه إلى موقع الصوت الذي ينتج صورته عن نفسه.
إن مأزق فلسطين، بهذا المعنى، لا يكمن فقط في عنف ما يجري على الأرض، وإنما في الصراع على حق تسمية العنف. وما دام الأقوى يمتلك إلى جانب القوة المادية، قدرة أكبر على صناعة الرواية وتأطيرها وتوزيعها، فإن السيطرة لا تكتمل باحتلال الجغرافيا؛ إنها تمتد إلى اللغة والذاكرة والصورة والأرشيف والمخيلة. فيصبح الاستعمار في مستواه الرمزي، استمرارا لنفسه داخل الخطاب حتى بعد أن يتغير شكله السياسي.
ولهذا ولأسباب عديدة سنأتي على تناولها في دراستنا، فإن فلسطين تبلغ مقابلة مجاز "مرآة للغرب"، فهي مرآة لا تعكس فقط ما يقوله عن الحرية وحقوق الإنسان، وإنما ما يفعله حين تصبح هذه القيم مكلفة، وحين يصبح الآخر بعيدا عن مركز التعاطف. ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه فلسطين على الفكر والإعلام لا يقف عند حدود وقوف الغرب، وإنما أي غرب يظهر حين يُمتحن الإنسان في أضعف صوره؟ وأي حقيقة تبقى حين تتدخل السلطة في تحديد من يستحق أن يكون ضحية، ومن يستحق أن يكون إنساناً؟
الإعلام كجهاز لإنتاج الشرعية:
عندما صاغ يورغن هابرماس مفهوم "المجال العمومي"، منح الإعلام مكانة مركزية في تشكل الرأي العام الحديث. فالصحافة في التصور المعياري للمجال العمومي، يمكن أن تكون وسيلة لإخضاع السلطة للنقاش العمومي، وإتاحة تداول الحجج في فضاء يفترض فيه أن تتراجع سلطة الامتياز أمام قوة الحجة. غير أن تاريخ القرن العشرين سرعان ما جعل هذا التصور أمام امتحان آخر. فقد كشف تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، عبر مفهوم "صناعة الثقافة"، أن وسائل الاتصال الجماهيري قد تنتقل من إنتاج المجال العمومي إلى تصنيع القبول، ومن توسيع إمكان التفكير إلى تنظيم أنماط الإدراك والرغبة والانتباه. فالإعلام عندئذ لا يكتفي بوصف العالم؛ إنه يساهم في هندسة الطريقة التي يُرى بها العالم.
وعلى هذا الأساس تتقدم أطروحة ميشيل فوكو خطوة أخرى، في كون الحقيقة في المجتمعات الحديثة لا تظهر منفصلة عن المؤسسات والخطابات وآليات السلطة التي تحدد شروط قولها وتداولها والاعتراف بها. وما يسمى "نظام الحقيقة" ليس مستودعا محايدا للوقائع، وإنما شبكة من الممارسات التي تجعل بعض الأقوال قابلة للتصديق، وبعضها الآخر هامشيا أو مشبوها أو غير جدير بالظهور. ومن هذه الزاوية يصبح الإعلام جزءاً من "أرخبيل" السلطة المعرفية، حيث يوزع الأدوار بين الشاهد والخبير والضحية والإرهابي والمدني، ويمنح الكلمات أوزانا أخلاقية متفاوتة قبل أن تصل إلى المتلقي.
أما غي ديبور فقد نقل السؤال إلى مستوى أكثر راديكالية حين جعل "المشهد" أو "الاستعراض" شكلا من أشكال العلاقة الاجتماعية التي تتوسطها الصور. فالصورة عنده لا تنقل الواقع فحسب، وإنما يمكن أن تحل محله، بحيث يصبح ما يظهر على الشاشة أكثر فاعلية من الواقع نفسه. وهكذا تتخذ فلسطين دلالة تتجاوز كونها قضية سياسية، على اعتبار إنها تكشف الصراع على الصورة نفسها؛ أي على من يملك حق تعريف ما حدث ومن يحدد صورة الجلاد وصورة الضحية وحدود التعاطف وما إذا كان الطفل المقتول يُرى بوصفه إنساناً أم رقماً، وما إذا كان التهجير يوصف بوصفه جريمة أم "أزمة أمنية"، وما إذا كان القتل الجماعي يدخل في قاموس الإدانة أم في قاموس "الدفاع عن النفس".
لهذا تبدو قضية فلسطين في أحد مستوياتها الأكثر عمقا، اختبارا إتيقياً للحداثة الغربية؛ لأن الأخلاق لا تُختبر حين تكون الضحية قريبة من تمثيلاتنا الثقافية ومقبولة داخل حساسيتنا السياسية، وإنما حين يكون الآخر خارج دائرة الانتماء، وحين يصبح الاعتراف بإنسانيته مكلفاً سياسيا وإيديولوجيا. أستعيد بالمناسبة وبصورة مقلقة أطروحة إيمانويل ليفيناس حول أسبقية وجه الآخر على كل نظام معرفي أو سياسي، فالوجه يطالبني بالمسؤولية قبل أن يسمح لي بتحويل الآخر إلى موضوع أو رقم أو ملف أمني. وحين يحجب الإعلام هذا الوجه، فإنه لا يمارس انتقائية معرفية فقط؛ إنه يعلق إمكان الأخلاق ذاتها.
ولذلك فإن السؤال عن فلسطين الأكثر انتشارا دون مبالغة، كان ولايزال هو: هل الإعلام الغربي منحاز أم محايد؟ فـ"الحياد" نفسه يحتاج إلى تفكيك. لقد نبهت هانا أرندت، في تأملاتها حول "الحقيقة والسياسة"، إلى هشاشة الحقيقة الواقعية أمام السلطة السياسية والكذب المنظم، وإلى أن العالم المشترك يحتاج إلى فضاء عمومي يستطيع فيه الناس اختبار الوقائع والنظر فيها من زوايا متعددة. فإذا جرى التحكم في الوقائع قبل أن تدخل المجال العمومي، لم يعد الخلاف خلافا بين آراء، وإنما صار خلافا حول العالم نفسه: ماذا حدث؟ من مات؟ من يملك القوة؟ من احتل؟ ومن يُسمح له أن يكون شاهداً؟
إن التفاوتات المضمرة في التغطية الإعلامية، أو في اختيار المفردات، أو ترتيب الضحايا، أو منح المصادر الرسمية مساحة مهيمنة، مسألة تتصل ببنية السلطة لا بأخلاق الصحفي الفرد فقط. وهذا ما يلتقي مع "نموذج الدعاية" لدى إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي، الذي يرد صناعة الأجندة الإعلامية إلى عمليات الانتقاء والتصفية والتأطير وتحديد حدود النقاش المقبول. ومن ثم قد يبدو الإعلام حراً على مستوى الشكل، فيما يكون مجال الممكن قوله أضيق بكثير على مستوى البنية.
وتبلغ المفارقة ذروتها في الخطاب الغربي حول فلسطين، على اعتباره ثقافة سياسية جعلت من الحرية قيمة كونية، ومن حقوق الإنسان معيارا لتقييم العالم، ومن الديمقراطية أفقا للحكم الرشيد، تجد نفسها أمام حالة تاريخية تتعطل فيها هذه المبادئ أو يعاد تأويلها وفق ميزان القوة. ومن ثمة لا يعود التناقض مجرد فجوة بين القول والفعل، وإنما يصبح تناقضا داخل مفهوم "الكونية" نفسه: هل حقوق الإنسان حقوقاً للإنسان بوصفه إنسانا، أم حقوقا مشروطة بموقعه داخل الخريطة الجيوسياسية؟ هل القانون الدولي قاعدة عامة، أم لغة تُستدعى بقوة ضد الضعفاء وتتراجع حين تصطدم بمصالح الحلفاء؟
لقد أثار الاستشراق عند المفكر إدوارد سعيد جزءاً من هذه البنية التمثيلية، لا باعتباره مجرد تراث أكاديمي؛ فاختراع "الشرق" في المخيال الغربي أنتج تاريخيا، صوراً للآخر العربي والمسلم بوصفه بدائيا وعنيفا وغير عقلاني، وهي صور لا تختفي بانتهاء الاستعمار الرسمي، وإنما يمكن أن تستمر داخل اللغة السياسية والإعلامية والثقافية. وقد بينت إيلّا شهات وروبرت ستام أن المركزية الأوروبية لا تعمل دائما في صورة خطاب استعماري صريح، وإنما قد تتسلل باعتبارها بنية تطبيع للتراتبية التي خلفها الاستعمار والإمبريالية داخل التمثيل الثقافي.
وأطرح بهذا الخصوص مساألة تقاطع المركزية الأوروبية مع الإسلاموفوبيا في بناء سردية تجعل الفلسطيني مشتبها فيه قبل أن يكون إنسانا، وتجعل مقاومته تُقرأ ابتداءً من قاموس الإرهاب، فيما تُفصل عنه شروط التاريخ والاستعمار والاحتلال واختلال موازين القوة. إن أخطر ما تفعله هذه البنية الخطابية أنها لا تنكر موت الفلسطيني؛ إنها تنزع عنه القدرة على إنتاج المعنى، وتحوّل مأساته إلى هامش في سردية أمنية أكبر منه. حيث تصبح الضحية مطالبة دائما بإثبات براءتها، فيما يحتفظ صاحب القوة بحق تعريف الجريمة وشرح دوافعها.
كما أستحضر في هذا النسق موقف فالتر بنيامين، الذي جعل مهمة التاريخ النقدي "تمشيط التاريخ بعكس اتجاهه"، لأن انتصارات الأقوياء تترك آثارها في السرد الثقافي كما تتركها في السياسة. ففلسطين وفق رؤيته، ليست فقط صراعا على الأرض؛ إنها أيضا صراع على الذاكرة وعلى الأرشيف وعلى حق الضحية في أن تكتب روايتها بنفسها، وعلى إمكان استعادة التاريخ من قبضة المنتصر.
ولعل جان جينيه يمثل في هذا السياق حالة أدبية نادرة انتقلت فيها الكتابة من التعليق على فلسطين إلى الاقتراب من جرحها الإنساني. فقد رافق الفلسطينيين سنوات طويلة، ودخل مخيم شاتيلا بعد مجزرة 1982، وكتب "أربع ساعات في شاتيلا"، ثم كرس كتابه "أسير عاشق" لتجربته مع الفلسطينيين. أهمية جينيه لا تكمن فقط في موقفه السياسي، وإنما في أنه قلب موقع النظر، إنه لم ينظر إلى الفلسطيني من خارج محنته بوصفه "موضوعاً شرقياً"، وإنما دخل بما تحمله تجربته الأدبية من انحياز للمهمشين والمنبوذين، إلى المنطقة التي تتهاوى فيها المسافة المريحة بين المراقب والضحية.
أما جيل دولوز، فإن حضور القضية الفلسطينية في كتاباته ومقابلاته السياسية يؤكد أن فلسطين دخلت في التفكير الفرنسي المعاصر من بوابة سؤال التحرر، والصراع ضد أشكال الهيمنة، ومشكلة الشعب الذي لم يُمنح حقه في الوجود السياسي ضمن شروط عادلة. وتُظهر قائمة نصوصه المنشورة أن "المسألة الفلسطينية" كانت من القضايا السياسية التي واكبها في أعماله ومداخلاته بين 1975 و1995. لذلك يمكن قراءة فلسطين عند دولوز ضمن منظوره الأوسع إلى "الشعب الذي ينقصه"، وإلى المقاومة بوصفها إنتاجاً لإمكان جديد للحياة ضد أجهزة الإخضاع.
وعلى هذا الخط تتضح المسافة بين فلسفة تفكر في الآخر بوصفه غاية أخلاقية، وإعلام يحوله إلى أثر جانبي في خطاب القوة. إن المشكلة لا تكمن في أن الغرب لا يمتلك فلاسفة ومثقفين دافعوا عن فلسطين؛ إذ التاريخ الغربي نفسه يحمل تقاليد نقدية عميقة للاستعمار والعنصرية والإمبريالية. بل إن المفارقة أكثر قسوة هو أن تكون الأدوات النقدية التي أنتجتها الحداثة الغربية نفسها هي التي تكشف عجز قطاعات من مؤسساتها السياسية والإعلامية عن الوفاء بمقولاتها الكونية.
وتتجلى هذه المفارقة حتى داخل اليسار نفسه؛ فقد سجل تاريخ الفكر الفرنسي حالات معقدة ومتناقضة، من بينها انتقال جان بول سارتر، المعروف بمناهضة الاستعمار، إلى موقف مؤيد لإسرائيل في سياق حرب 1967، وهو ما أثار قطيعة عميقة لدى قطاعات من المثقفين العرب معه. وهذه الواقعة ذات دلالة فلسفية أوسع. فالالتزام الأخلاقي لا يحمي صاحبه تلقائياً من أسر موقعه التاريخي، والمفكر قد يمتلك جهازا نقديا قويا ثم يعجز عن تطبيقه على القضية التي تتقاطع فيها الذاكرة والهويّة والخوف والمصالح.
إن فلسطين بهذا المنظور، لا تمتحن موقف الغرب من الفلسطيني وحده؛ إنها تمتحن صورة الغرب عن نفسه. فحين تصبح الحرية انتقائية والإنسانية تفاوضية والديمقراطية محكومة بميزان التحالفات، وحقوق الإنسان قابلة للتعليق أمام فائض القوة، يتحول الخطاب الكوني إلى قناع جيوسياسي. وحين تقوم وسائل الإعلام بإنتاج هذا التفاوت عبر اللغة والصورة والانتقاء والتكرار والصمت، فإنها لا تكون مرآة للأزمة فقط، وإنما تصبح جزءاً من بنية الأزمة نفسها.
وتنبعث أسئلتنا المستشكلة الأخرى: لماذا يفشل الإعلام الغربي في "الحياد" تجاه فلسطين؟ وبأي مفهوم للإنسان يجعل موت إنسان قابلا للحزن، وموت إنسان آخر قابلاً للتفسير؟ وأي نظام رمزي يجعل طفلاً في مكان ما "وجهاً"، وفي مكان آخر "رقماً"؟ وأي حداثة تلك التي تنتصر للحرية حين يكون الآخر شبيهاً بها، ثم تعود إلى لغة الأمن حين يكون الآخر فلسطينياً؟
في فلسطين ينكشف أن المعركة ليست على الأرض وحدها، وإنما على حق الإنسان في أن يظهر داخل المجال العمومي باعتباره إنسانا. وعندما يُغلق الإعلام هذا الباب، فإن ما يسقط ليس الخبر وحده، ولا المهنية وحدها، وإنما أحد الشروط الأساسية للأخلاق السياسية، في أن يكون للآخر حق الظهور وحق الكلام وحق الألم، وحق أن تُعامل حياته بالقيمة نفسها التي نمنحها لحياتنا.
يمكن القول إن فلسطين أصبحت في قلب الفكر الغربي المعاصر، امتحانا مزدوجا. امتحانا للعدالة، وامتحانا للحقيقة. فمن يفشل في رؤية المقتول بوصفه إنسانا يفشل أولاً في أخلاقه، ومن يعجز عن تسمية القوة قوةً، والاحتلال احتلالا، والضحية ضحيةً، يفشل أيضاً في المعرفة. وعندما تتواطأ السلطة والإعلام واللغة على قلب هذه العلاقات، لا تعود المسألة مجرد انحياز سياسي؛ إنها أزمة في البنية الأخلاقية للحداثة نفسها، حيث يصبح السؤال الفلسطيني مرآة تكشف ما حاول الخطاب الكوني طويلا إخفاءه، على اعتبار أن حقوق الإنسان لا تُقاس بما تقوله الحضارات عن نفسها، وإنما بما تفعله حين يكون الإنسان الذي أمامها أضعف من أن يحمي نفسه.
أخلاق الحقيقة في زمن فلسطين:
وعبر الصيرورة الطويلة للقضية الفلسطينية، لم يكن الإعلام الغربي منفصلا عن البنية الفكرية التي أنتجت مفاهيمه عن الحقيقة والحرية والموضوعية؛ فقد كان في لحظات كثيرة، يتحرك داخل الحيز الذي ترسمه المواقف السياسية والنخب الثقافية، حتى حين كان يقدّم نفسه باعتباره فضاءً مستقلا للمراقبة والمساءلة، إذ تتشكل إحدى أكثر مفارقات الحداثة الغربية إثارةً للقلق، في كون الإعلام الذي راكم، على المستوى النظري، خطابا أخلاقيا حول الكرامة والمساواة والتسامح وحق الإنسان في الظهور، يمكن أن يتراجع عمليا إلى انتقاءٍ غير متكافئ للضحايا، وإلى تفاوتٍ في توزيع التعاطف، وإلى إعادة ترتيب الوقائع وفق منطق التحالف والقوة.
لقد كان من المفترض أن تكون أخلاقيات الإعلام امتدادا لأخلاقيات المجال العمومي؛ أن يكون الخبر مسؤولية قبل أن يكون مادةً للاستهلاك، وأن تكون صورة الضحية استدعاءً للضمير قبل أن تكون عنصرا في اقتصاد المشاهدة. لكن التجربة الفلسطينية تكشف أن "الأخلاق الإعلامية" قد تظل أحيانا محصورة في مستوى المعيار المهني المجرد، فيما يجري انتهاك جوهرها حين يتعلق الأمر بإنسان يقع خارج المجال السياسي والأخلاقي الذي تحدده القوى المهيمنة. فالمشكلة لا تكمن دائما في الكذب الصريح، وإنما في هندسة الصدق، حول ما الذي يقال أولاً؟ وما الذي يؤجل؟ وما الذي يوضع في العنوان؟ وما الذي يحذف من السياق؟ ومن يُمنح حق تفسير موته؟.
فالسؤال السوسيولوجي ظل متنقلا بين من يتدبره من: "هل نقل الإعلام الحقيقة؟" إلى عمق الأزمة: أي حقيقة يسمح الإعلام لها بأن تصبح مرئية؟ وهو السؤال الذي يلتقي، بصورة عميقة، مع فوكو حين ربط الحقيقة بشبكات السلطة التي تنتج شروط ظهورها، ومع أرندت حين جعلت الحقيقة الواقعية شرطاً لوجود عالم مشترك يمكن للناس أن يتقاسموه ويختلفوا داخله دون أن يختلفوا حول وجود الوقائع نفسها.
وفي الحرب على غزة، اتخذ هذا السؤال بعداً أكثر حدة، لأن الحدث نفسه وضع الفيلسوف أمام منطقة يصعب فيها الاحتماء بالمسافة الأكاديمية. لقد بدا لبعض النخب الفلسفية الغربية أن المطلوب هو إصدار حكم أخلاقي على "العنف" في صورته المجردة، من دون المرور أولا بالتاريخ الذي أنتج العنف، وبعلاقات القوة التي تحدد موقع أطرافه، وبالبنية الاستعمارية التي تجعل فعل القوة مختلفاً في المعنى السياسي والأخلاقي عن فعل المقاومة.
و يمكن فهم الجدل الذي أثارته مواقف شخصيات مثل يورغن هابرماس وسلافوي جيجك، والتي تعرضت لنقد واسع بسبب تركيزها بدرجات مختلفة، على إدانة هجوم 7 أكتوبر والتأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بينما اعتبر منتقدو هذه المواقف أنها لم تمنح السياق الاستعماري والاختلال البنيوي في ميزان القوة المكانة التي يستحقها في بناء الحكم الأخلاقي. وهذا النقد لا يستهدف شخصا بعينه بقدر ما يكشف مأزقاً أوسع، عن ماذا يحدث للفلسفة حين يتحول التجريد الأخلاقي إلى وسيلة لحجب التاريخ؟.
ذلك أن الحياد حين يُمارس خارج شروط التكافؤ، قد يتحول إلى شكل آخر من أشكال الانحياز. فالحديث عن "طرفين" متساويين أخلاقيا في وضع غير متكافئ ماديا وتاريخيا ليس دائما تأسيسا للموضوعية؛ قد يكون في بعض الحالات، محواً للاختلال نفسه. وقد كان إدوارد سعيد شديد الحساسية تجاه هذه الآلية حين كشف كيف يستطيع الخطاب أن ينتج الآخر بوصفه كيانا مجردا، منزوعا من التاريخ، ثم يُعاد التعامل معه باعتباره مشكلة لا باعتباره نتيجةً لمسار تاريخي.
وفي مقابل ذلك، ظهر في الفضاء الفلسفي الغربي صوت آخر حاول استعادة البعد السياسي والأخلاقي للقضية الفلسطينية، كما في البيان الذي حمل عنوان "فلسفة من أجل فلسطين"، والذي وقع عليه أساتذة فلسفة وأكاديميون من مناطق مختلفة، وأعلن تضامنه الصريح مع الفلسطينيين، ودان تصاعد العنف الإسرائيلي في غزة، ودعا زملاءه إلى تجاوز الصمت والتواطؤ الأكاديمي. إلا أن أهمية هذا البيان تكمن أيضاً في حدوده؛ إذ إنه نقل الخطاب الفلسفي من الصمت إلى الإدانة والتضامن، من دون أن يحسم بصورة واحدة ونهائية الإشكال الأكثر تعقيداً المتعلق بالمقاومة والعنف التحرري وشروط مشروعيتهما.
ونستعيد هنا بقوة، فلسفة فرانز فانون. فـ"معذبو الأرض"، الصادر سنة 1961، لم يتعامل مع العنف الاستعماري باعتباره حادثةً طارئة في تاريخ السياسة، وإنما رآه بنيةً تؤسس العلاقة الاستعمارية ذاتها. ولذلك جاءت مناقشته للعنف جزءاً من نظرية أوسع في نزع الاستعمار، حيث لا يظهر العنف التحرري منفصلاً عن عالم سبق أن أُقيم على عنف الاحتلال والقهر والإخضاع. وقد صدر الكتاب في فرنسا في ظروف قمعية، وحُظر عند توزيعه بذريعة "المساس بالأمن الداخلي للدولة"، فيما كان فانون نفسه يصارع مرضه الأخير، وتوفي في ديسمبر/كانون الأول 1961 عن ستة وثلاثين عاما.
لكن القيمة الفلسفية لفانون لا تكمن في تحويل العنف إلى فضيلة مطلقة؛ فهذا تبسيط يتعارض مع تعقيد مشروعه. ما يفعله فانون هو نقل النقاش من أخلاقية الفعل المعزولة إلى بنية العنف التي أنتجت الفعل ذاته. فهو يكتب عن نزع الاستعمار بوصفه تحولاً جذرياً في بنية العالم الاستعماري، ويصر على أن العنف لا يمكن فصله عن السياق الذي يجعل المستعمَر محاصراً داخل نظام من القوة المادية والرمزية.
كما إن أهم إحدى المعضلات الكبرى تبرز في الخطاب الغربي حول فلسطين. فحين يُطلب من الفلسطيني أن يُدان أولا بسبب العنف الذي يمارسه، ثم يُؤجل النظر في العنف البنيوي الذي صاغ شروط وجوده، تتحول الأخلاق إلى أداة لإخفاء التاريخ. يصبح الفعل المعزول مرئيا، بينما تختفي البنية التي أنتجته؛ يظهر الصاروخ وتغيب الخريطة؛ يظهر الموت وتُمحى شروطه؛ يُستدعى الضحية إلى محكمة الأخلاق، فيما يصبح تاريخ القوة خلفية صامتة.
وهذا بالضبط ما يجعل مفهوم "العنف الثوري" في الفلسفة السياسية الغربية الحديثة شديد الصلة بالحالة الفلسطينية. فمن هيغل إلى ماركس، ومن سارتر إلى فانون، جرى التفكير في العنف أحيانا باعتباره لحظةً من لحظات التناقض التاريخي والتحرر، لا مجرد خلل أخلاقي منفصل عن السياق. غير أن هذا التراث نفسه ظل محكوما بإشكالات عميقة؛ إذ إن الانتقال من تحليل العنف إلى تبريره أخلاقيا ليس انتقالا مشروعا بصورة تلقائية. ولذلك فإن استعادة فانون اليوم لا ينبغي أن تعني منح شيك أخلاقي على بياض للعنف، وإنما استعادة السؤال الذي أراد الفكر الاستعماري طمسه، كيف يصبح العنف لغةً سياسية في عالم سبق أن جعل العنف لغةً يومية للحكم؟.
هذه التفرقة حاسمة. فإدانة قتل المدنيين تظل مبدأً أخلاقيا وقانونيا لا ينبغي أن يتغير بتغير هوية القاتل؛ لكن تفسير نشوء العنف لا يمكن أن يُبنى على مساواة ميكانيكية بين طرفين يتساويان في القدرة على صناعة القوة. ثمة فرق بين الإدانة الأخلاقية للفعل وبين التحليل التاريخي لشروط ظهوره. الأول يحاكم الفعل، والثاني يفكك بنيته. والفلسفة التي تخلط بينهما قد تسقط في مفارقة مزدوجة، تدين العنف دون أن تفهمه، أو تفهمه حتى تبرره.
وتأتي أهمية فانون في إعادة بناء السؤال الفلسطيني، إذ ليست المسألة كيف نحول المقاومة إلى قيمة مطلقة، وإنما كيف نفهم العنف داخل علاقة استعمارية تُنتج باستمرار أشكالا من القهر والإقصاء والتجريد من الإنسانية. ففانون لا يمنحنا وصفة جاهزة لفلسطين؛ يمنحنا جهازا مفاهيميا يمنعنا من التعامل معها كحادثٍ بلا تاريخ.
ويزداد الأمر تعقيدا حين تستعيد قطاعات من الخطاب السياسي والإعلامي الغربي مفردات "الإرهاب" و"الأمن" و"الدفاع عن النفس" بوصفها مفاتيح تفسير شبه مكتفية بذاتها. فاللغة هنا لا تكتفي بوصف الفعل؛ إنها تحدد مسبقا موقع الفاعل داخل الأخلاق السياسية. وحين يوصف طرف بأنه يمارس "الإرهاب"، ثم يوصف الطرف الآخر بأنه يمارس "الدفاع عن النفس"، قبل فحص السياق الكامل للعنف والقوة والاحتلال، فإن الكلمات تكون قد أصدرت الحكم قبل اكتمال المحاكمة.
وهذا ما يعيدنا إلى ديبور، في كون الصورة الحديثة لا تعرض الواقع فقط، وإنما يمكن أن تجعل ترتيبا بعينه للواقع يبدو طبيعيا. وإلى فوكو، في كون السلطة لا تحتاج دائما إلى إسكات الحقيقة ما دامت قادرة على تنظيم شروط ظهورها. وإلى بنيامين، في كون التاريخ الذي تكتبه القوى المنتصرة يهدد بتحويل ضحايا العنف إلى حواشٍ في كتاب المنتصرين. وإلى ليفيناس، في كون الأخلاق تبدأ حين أرفض اختزال وجه الآخر في التصنيف الذي يسبق رؤيته.
لذلك فإن فلسطين لا تضع الفلاسفة أمام سؤال "مع من أنت؟" بالمعنى الحزبي المباشر؛ إنها تضعهم أمام سؤال أكثر قسوة: هل تستطيع مفاهيمك أن تصمد عندما تتعارض مع موقعك السياسي والثقافي؟ وهل يمكن للفيلسوف أن يعلن كونية حقوق الإنسان، ثم يقبل بتجزئتها حين يتعلق الأمر بشعب محاصر؟ وهل يمكن للإعلام أن يرفع شعار الموضوعية، ثم يترك القوة تحدد مسبقاً من يتكلم ومن يُسمع ومن يستحق التعاطف؟
ربما هنا تحديداً ينكشف جوهر الامتحان الإتيقي. فالأخلاق لا تبدأ من العبارة التي نعلنها، وإنما من القدرة على تطبيقها في الحالة التي تهدد مصالحنا ورؤيتنا للعالم. ومن ثم فإن فلسطين لم تكشف فقط اختلاف المواقف داخل الفكر الغربي؛ لقد كشفت هشاشة بعض المقولات حين اصطدمت بتاريخ الاستعمار، وكشفت أيضا وجود تقليد نقدي غربي ما يزال قادرا على مساءلة مركزه، كما تدل على ذلك مواقف جينيه ودولوز وسعيد وفانون، وكذلك البيانات الأكاديمية والفلسفية التي اختارت كسر الصمت.
إن المعركة في نهاية المطاف، لا تدور فقط حول من يملك السلاح، وإنما حول من يملك حق إنتاج المعنى. فالهيمنة الأكثر اكتمالا هي تلك التي تجعل الضحية عاجزة عن رواية نفسها، وتجعل لغة الجلاد تبدو لغةً محايدة، وتجعل التاريخ الذي أنتج المأساة مجرد هامش أمام الحدث العسكري الآني. وعند هذه النقطة يصبح الإعلام امتدادا للصراع على الذاكرة، والفلسفة امتدادا للصراع على المفهوم، والأخلاق امتحانا لمعنى الإنسان نفسه.
ولهذا تظل فلسطين سؤالا مفتوحا في وجه الفكر الغربي، هل الكونية مبدأ فعلي يطال الإنسان حيثما كان، أم امتيازا ثقافيا ينكمش حين يواجه الآخر المستعصي على الإدماج؟ وهل الحرية قيمة لا تتجزأ، أم خطاباًيمكن تعليق مفاعيله عندما تكون الضحية في الجهة الخطأ من الخريطة؟ وهل تستطيع الفلسفة أن تحافظ على نزاهتها حين يصبح الصمت نفسه موقفاً؟.
في هذه المسافة بين ما تقوله الحداثة عن الإنسان، وما تسمح به القوة لبعض البشر، يتحدد الامتحان الحقيقي. فلسطين لا تختبر فقط موقف الغرب من الحرب؛ إنها تختبر قدرة الغرب على أن يكون وفياً لأفضل ما أنتجه من مفاهيم.
الاستشراق حين يتحول إلى إعلام:
إن كل هذه الصدمات، تجعل فلسطين دون مواربة أكثر من مادة إعلامية. إنها تختبر العلاقة بين الحدث وتمثيله، وبين الضحية وصورتها، وبين الواقع واللغة التي توصف بها. لأن الصراع لا يجري على الأرض فقط؛ يجري أيضا في المجال الذي تُمنح فيه الوقائع أسماءها. فما نسميه "عملية عسكرية" أو "هجوما"، "إرهاباً" أو "مقاومة"، "دفاعاً عن النفس" أو "عقاباً جماعياً"، لا يشكل مجرد اختلاف في المفردات. الاسم يفتح سردية كاملة ويغلق أخرى. حيث ينتقل السؤال بداهة من الحقيقة إلى سلطة التمثيل.
لقد أحدث إدوارد سعيد انقلابا معرفيا مهما حين نقل الاستشراق من كونه حقل معرفة عن الشرق إلى كونه أيضاً نمطا من إنتاج الشرق في المخيلة الغربية. فالاستشراق في قراءته، لم يكن وصفا بريئا للآخر، وإنما أسلوبا في تصنيف الشرق وصنع صورة مستقرة له داخل ثنائيات مثل العقل/اللاعقل، النظام/الفوضى، التحضر/التوحش. وبذلك يصبح "معرفة الشرق" جزءاً من سلطة تعريفه. وقد خلصت قراءات فلسفية لاحقة لمشروع سعيد إلى أن هذه المعرفة كانت مرتبطة بالمشروع الإمبراطوري نفسه، بحيث تتقاطع المعرفة بالسيطرة.
وفي السياق، تكتسب المسألة الإعلامية معناها الاستعماري. فالآخر لا يُحكم فقط حين يُحتل ترابه؛ يمكن أن يُحكم حين تُنتج له صورة ثابتة تجعل أفعاله قابلة للتفسير مسبقاً. إن صناعة "العربي" أو "المسلم" بوصفه كائنا ميالا إلى العنف، أو بوصفه مشكلة أمنية كامنة، لا تحتاج دائما إلى خطاب عنصري صريح؛ يكفي أن تتكرر الصور والأمثلة والقوالب حتى تتحول إلى معرفة تبدو بديهية. وعندما تصبح البداهة نفسها موضع اشتباه، نكتشف أن ما بدا "حقيقة طبيعية" كان في جانب منه نتاجاً تاريخيا للتمثيل.
ووفق ذلك تتقاطع آليات الاستشراق مع أشكال معاصرة من الإسلاموفوبيا. فالمشكلة ليست فقط في أن بعض وسائل الإعلام تستخدم تعبيرات منحازة، وإنما في أن منظومة من الصور الجاهزة قد تعمل كمرشح مسبق يرى من خلاله الجمهور الحدث قبل أن يراه فعليا. يصبح الفلسطيني في بعض أشكال الخطاب، مشتبها فيه قبل أن يكون مدنيا، ويصبح المسلم محمولا على تهمة كامنة قبل أن يكون فردا له سياقه وتاريخه وصوته.
تلك هي اللحظة التي تتحول فيها فلسطين إلى أزمة في المجال العمومي الغربي. فإذا كان المجال العمومي وفق هابرماس، يفترض النقاش الحر حول الشأن المشترك، وإذا كان هذا النقاش يحتاج إلى شروط من المساواة وإتاحة الوصول إلى المعلومات وتبادل الحجج، فإن السؤال الفلسطيني يكشف هشاشة هذا التصور حين تكون الأطراف نفسها غير متساوية في القدرة على الوصول إلى المنابر وصناعة السردية. فمن يملك الجيوش ووسائل العلاقات العامة وشبكات التأثير الدولية لا يدخل المجال العمومي بالموارد الرمزية نفسها التي يدخل بها شعب واقع تحت الاحتلال والحصار والاقتلاع.
والنتيجة أن "المجال العمومي" قد يبدو متاحا للجميع من الناحية الشكلية، فيما تظل شروط الظهور داخله غير متكافئة. فليست المسألة فقط من يُسمح له بالكلام، وإنما من يُعدّ كلامه مصدرا صالحا، ومن يُستدعى خبيرا، ومن يُوصف بالشاهد، ومن يُقدّم بوصفه طرفا محايدا، ومن يحتاج إلى إثبات براءته قبل أن يبدأ الكلام.
وقد ربطت حنة أرندت الحياة السياسية بوجود عالم مشترك تتأسس داخله إمكانية الرؤية والحكم والتداول، كما أكدت في حديثها عن الحقيقة والسياسة أن الحقيقة الواقعية شرط أساسي لتكوين رأي عام ذي معنى؛ لأن الرأي مهما اختلف، يفقد مشروعيته إذا لم يستند إلى وقائع يمكن التحقق منها. حيث الحرية في إبداء الرأي لا تستقيم حين تكون الوقائع نفسها عرضة للتشويه أو الإخفاء.
ومن هذه النقطة يتكشف الفرق بين تعدد الآراء وتعدد الحقائق. إذ يمكن للناس أن يختلفوا حول معنى الحدث، لكنهم لا يستطيعون من الناحية الأخلاقية والسياسية، أن يتعاملوا مع الوقائع الأساسية كما لو كانت مجرد وجهات نظر. وإلا تحولت الحرية إلى سوق للروايات المتنافسة، واختفى الحد الفاصل بين الشهادة والدعاية، وبين الخبر والتعبئة.
ولعل هذا ما يجعل فلسطين واحدة من أشد الحالات كشفا لأزمة الحقيقة الواقعية في الإعلام المعاصر. فالصور الهائلة القادمة من غزة لا تنهي المشكلة الإعلامية؛ إنها تعمقها. لأن كثافة الصور لا تضمن بالضرورة كثافة الحقيقة. يمكن للحدث أن يكون مرئيا على نحو غير مسبوق، فيما تظل دلالته السياسية محجوبة. يمكن أن نرى الجثث ولا نرى التاريخ، أن نشاهد الخراب ولا نرى البنية التي أنتجته، أن نحصي القتلى ولا نسأل عن النظام الذي يجعل قتلهم قابلاً للاستمرار.
إن وفرة الصورة قد تكون على نحوٍ مفارق ، شكلا من أشكال حجب المعنى. وهنا تتقاطع أرندت مع ديبور. فالمشكلة ليست في نقص المرئي فقط؛ قد تكون في فائض المرئي حين يتحول إلى استهلاك عاطفي. فالمأساة قد تُستهلك بصريا إلى الحد الذي يفقدها قدرتها على إحداث الحكم السياسي. يصبح الدم صورة والصورة خبراً والخبر مادة للتدفق، ثم يُستبدل بمأساة أخرى. وهكذا يمكن للإعلام أن يجعل المأساة حاضرة أمام العين وغائبة عن المسؤولية.
إن فلسطين، من هذه الزاوية، تضع الإعلام الغربي أمام تناقض حاد بين المعيار الذي يعلنه والممارسة التي تكشفها لحظات الحرب. فإذا كانت الصحافة الحديثة قد بنت جزءاً من مشروع شرعيتها على الاستقلال والموضوعية والبحث عن الحقيقة ومراقبة السلطة، فإن السؤال يصبح أكثر قسوة عندما تكون إحدى السلطات المركزية في الحدث نفسها صاحبة نفوذ سياسي وعسكري ورمزي كبير على المجال الذي يغطي الحدث.
هنا لا يعود "الحياد" مفهوما بسيطا. فالحياد المهني لا يعني مساواة حسابية بين كل الروايات، وإنما يفترض فحص الوقائع، وتدقيق المصادر، ووضع الادعاءات في سياقاتها، وكشف اختلالات القوة. أما حين يُفهم الحياد باعتباره توزيعا آلياً متساويا للأوصاف بين قوة احتلال وشعب واقع تحت الاحتلال، فإن الموضوعية قد تفقد وظيفتها النقدية وتتحول إلى تسوية شكلية بين أوضاع غير متماثلة.
ومن ثمة يمكن أن نفهم لماذا تستدعي فلسطين كل هذا العدد من المفكرين. لأن القضية تخرج بهم من الموقف السياسي إلى السؤال المعرفي، ومن السؤال المعرفي إلى السؤال الأخلاقي. ففوكو يسألنا عن نظام إنتاج الحقيقة، وهابرماس عن شروط المجال العمومي، وأدورنو وهوركهايمر عن تصنيع الوعي، وديبور عن هيمنة الصورة، وسعيد عن سلطة تمثيل الآخر، وأرندت عن هشاشة الحقيقة الواقعية أمام السياسة.
لكن هذه السلسلة الفكرية كلها تقود إلى سؤال واحد أكثر جذرية: هل الإعلام يصف العالم الذي نعيش فيه، أم يساهم في إنتاج العالم الذي يصبح ممكناً لنا أن نراه ونفهمه؟
وفي الحالة الفلسطينية، تبدو الإجابة أكثر تعقيدً من أن تكون نعم أو لا. فالإعلام ليس سلطةً مطلقة، لأن الحقيقة تقاوم أحيانا أدوات محوها؛ لكنه ليس مرآة شفافة أيضا. إنه فضاء صراع بين الوقائع والتأويلات، بين الذاكرة والنسيان، بين الشهادة والتأطير، وبين من يملك القوة المادية ومن يملك القدرة على تحويل قوته إلى معنى.
ولهذا لا تتمثل مأساة الإعلام في أن يكذب بالضرورة، وإنما في أن يجعل بعض الحقائق قابلة للرؤية وبعضها الآخر قابلاً للنسيان. وهنا تحديدا تبدأ فلسطين في الظهور بوصفها أكثر من قضية في السياسة الدولية. إنها امتحان للمفهوم الغربي نفسه عن الحقيقة. فالحداثة التي أعطت العالم مفاهيم الحرية والكرامة والمساواة وحقوق الإنسان مطالبة بأن تختبر مدى قدرتها على تطبيق هذه المفاهيم عندما يتعلق الأمر بإنسان يقع خارج مركز قوتها. والمجال العمومي الذي وعد بمساواة الأصوات مطالب بأن يكشف لماذا لا تتساوى القدرة على الكلام. والإعلام الذي جعل من الموضوعية مبدأً مهنياً مطالب بأن يثبت أن الموضوعية ليست ستارا يخفي تفاوت القوة.
وفي هذه اللحظة تصبح فلسطين مختبرا فلسفيا للإعلام. فهي تكشف أن الحقيقة ليست معطى جاهزا ينتظر وسيلة تنقله، وإنما ميدانا تتصارع داخله القوى على التسمية والظهور والتفسير. وتكشف أن الصورة يمكن أن تكون أداة كشف وأداة حجب في الوقت نفسه. وتكشف أن المجال العمومي لا يكون ديمقراطيا بمجرد فتح منابره، وإنما بقدر ما تتوافر داخله شروط عادلة لتوزيع الصوت والاعتراف والشهادة. وتكشف قبل ذلك كله، أن الإنسان قد يُحرم من جزء من إنسانيته مرتين، مرةً حين يُسلب حقه في الحياة، ومرةً حين يُسلب حقه في أن يُروى موته بالحقيقة نفسها التي يُروى بها موت الآخرين.
وعند الحد الفاصل بين الحدث وتمثيله، بين الصورة وموضوعها، بين الخبر وتأويله، ينهض السؤال الذي ربما يلخص المسار كله: من يملك حق إنتاج الحقيقة حين تكون الحقيقة نفسها ساحةً للصراع؟
ذلك أن السيطرة على الأرض قد تنتج واقعا سياسيا، لكن السيطرة على معنى الأرض تنتج واقعاً أشد دواما. وحين تمتد الهيمنة إلى اللغة والصورة والذاكرة، يصبح الاحتلال أيضاً احتلالا للمعنى. وهو ما يجعل الصراع الفلسطيني لا يُقرأ فقط باعتباره صراعا على الجغرافيا والسيادة والوجود، وإنما باعتباره كذلك صراعا على حق الظهور داخل الحقيقة الإنسانية المشتركة.
وهنا ربما يلتقي أفلاطون، في قلقه القديم من قوة القول، بفوكو في تحليله لعلاقة الحقيقة بالسلطة، وديبور في نقده لهيمنة الصورة، وهابرماس في دفاعه عن المجال العمومي، وأدورنو وهوركهايمر في نقدهما لصناعة الوعي، وسعيد في تفكيكه لتمثيل الآخر، وأرندت في دفاعها عن الحقيقة الواقعية. فالمسافة التاريخية بينهم واسعة، لكن الخيط الذي يصل بينهم واحد، حيث الإنسان لا يسكن العالم الذي تصنعه الوقائع وحدها، وإنما يسكن أيضا العالم الذي تصنعه الكلمات والصور والذاكرة.
وفلسطين بهذا المعنى، لا تسأل الإعلام فقط عمّا نقله؛ إنها تسأله عمّا جعله مرئيا، وعمّا جعله قابلاً للتصديق، وعمّا اختار أن يضعه خارج إطار الصورة.
وهكذا تبدأ السياسة في التحول إلى أخلاق، وتتحول الأخلاق إلى معرفة، وتتحول المعرفة إلى سؤال عن السلطة. وحين يبلغ السؤال هذه النقطة، يصبح الإعلام نفسه أمام محاكمة لا يستطيع الاختباء منها خلف شعار الموضوعية: هل كان شاهداً على التاريخ، أم أحد الذين ساهموا في كتابة روايته؟
www.alquds.co.uk
ذلك أن فلسطين لم تضع الغرب أمام خلاف في التأويل فحسب، وإنما أمام امتحان لمقولاته المؤسسة، في الحرية والإنسان والحق والديمقراطية والعدالة والكونية. وحين تتباعد هذه المفاهيم عن تطبيقاتها الفعلية، لا يعود الخلل مجرد تناقض سياسي بين خطاب وممارسة؛ إنه انكشاف لبنية أعمق، حيث يتبين أن الإنسان الذي تتحدث عنه الحداثة بصيغة الكونية ليس دائما الإنسان نفسه الذي تعترف بآلامه، وأن الحقيقة التي يفترض أن تحرر المجال العمومي يمكن أن تخضع في لحظة الصراع، لمنطق القوة والتحالفات والاصطفافات.
وفق ذلك تتخذ مسألة الإعلام موقعها الحاسم. فلا يعدو الإعلام محشورا في إدخال فلسطين من باب الخبر وحده، وإنما من باب تشكيل الواقع نفسه، من حيث اختيار المفردة وترتيب الصور ومنح الصوت وحجب الصوت وتسمية الفعل، وتحديد موقع كل طرف داخل السردية. بين "مقاتل" و"إرهابي"، وبين "ضربة" و"مجزرة"، وبين "قتيل" و"ضحية"، لا تتغير الكلمات فقط؛ يتغير العالم الأخلاقي الذي تُرى داخله الوقائع. ثم لا تركن اللغة إلى وصف الحقيقة فحسب؛ بل تفاوض أيضا على شرعيتها.
ولذلك يصبح الإعلام أحد الميادين التي تُخاض فيها المعركة على فلسطين، لا بوصفها معركة على المعلومة، وإنما على نظام الظهور، في من يظهر إنسانا كاملا، ومن يظهر باعتباره رقماً؛ من يمنح له حق الحزن، ومن يطالب أولا بتبرير حزنه؛ من يُستدعى تاريخه لفهم موته، ومن يُختزل موته في تهمة جاهزة. ولعل هذه النقطة هي التي تجعل سؤال الإعلام متصلا مباشرة بسؤال السلطة، كما سيظهر عند فوكو، وبسؤال الصورة والمشهد عند ديبور، وبسؤال المجال العمومي عند هابرماس، وبسؤال الحقيقة الواقعية عند أرندت.
لقد كانت الحداثة الغربية، في أحد وعودها الكبرى، قد بشّرت بإمكان بناء فضاء عمومي تصبح فيه الحقيقة قابلة للنقاش، والسلطة قابلة للمساءلة، والإنسان متساويا في القيمة أمام القانون. غير أن فلسطين تكشف هشاشة هذا الوعد حين يدخل التاريخ الاستعماري والجغرافيا السياسية وميزان القوة إلى قلب المشهد. عندها لا يعود الإعلام مجرد ناقل للأحداث، وإنما يتحول إلى مؤسسة لتوزيع الشرعية، كمن يمنح بعض الروايات قابلية التصديق، ويضع أخرى تحت الشبهة ويصنع عبر التكرار والإغفال والتأطير، حدود ما يمكن للمجتمع أن يراه وأن يعتقده وأن يتعاطف معه.
يصبح حضور فلسطين في الفكر الغربي أكثر من موقف سياسي؛ إنه لحظة اختبار لما إذا كانت مفاهيم الحداثة قادرة على عبور حدودها الثقافية والسياسية نحو الآخر، أم أنها تتراجع عند أول احتكاك جدي مع تاريخ الاستعمار. ولهذا فإن مواقف جان جينيه وجيل دولوز، كما مواقف آخرين من داخل التقليد النقدي الغربي، تكتسب دلالتها من كونها حاولت استعادة الفلسطيني من موقع "الموضوع" إلى موقع الإنسان، ومن موقع الصورة التي تُنتج عنه إلى موقع الصوت الذي ينتج صورته عن نفسه.
إن مأزق فلسطين، بهذا المعنى، لا يكمن فقط في عنف ما يجري على الأرض، وإنما في الصراع على حق تسمية العنف. وما دام الأقوى يمتلك إلى جانب القوة المادية، قدرة أكبر على صناعة الرواية وتأطيرها وتوزيعها، فإن السيطرة لا تكتمل باحتلال الجغرافيا؛ إنها تمتد إلى اللغة والذاكرة والصورة والأرشيف والمخيلة. فيصبح الاستعمار في مستواه الرمزي، استمرارا لنفسه داخل الخطاب حتى بعد أن يتغير شكله السياسي.
ولهذا ولأسباب عديدة سنأتي على تناولها في دراستنا، فإن فلسطين تبلغ مقابلة مجاز "مرآة للغرب"، فهي مرآة لا تعكس فقط ما يقوله عن الحرية وحقوق الإنسان، وإنما ما يفعله حين تصبح هذه القيم مكلفة، وحين يصبح الآخر بعيدا عن مركز التعاطف. ولذلك فإن السؤال الذي تطرحه فلسطين على الفكر والإعلام لا يقف عند حدود وقوف الغرب، وإنما أي غرب يظهر حين يُمتحن الإنسان في أضعف صوره؟ وأي حقيقة تبقى حين تتدخل السلطة في تحديد من يستحق أن يكون ضحية، ومن يستحق أن يكون إنساناً؟
الإعلام كجهاز لإنتاج الشرعية:
عندما صاغ يورغن هابرماس مفهوم "المجال العمومي"، منح الإعلام مكانة مركزية في تشكل الرأي العام الحديث. فالصحافة في التصور المعياري للمجال العمومي، يمكن أن تكون وسيلة لإخضاع السلطة للنقاش العمومي، وإتاحة تداول الحجج في فضاء يفترض فيه أن تتراجع سلطة الامتياز أمام قوة الحجة. غير أن تاريخ القرن العشرين سرعان ما جعل هذا التصور أمام امتحان آخر. فقد كشف تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، عبر مفهوم "صناعة الثقافة"، أن وسائل الاتصال الجماهيري قد تنتقل من إنتاج المجال العمومي إلى تصنيع القبول، ومن توسيع إمكان التفكير إلى تنظيم أنماط الإدراك والرغبة والانتباه. فالإعلام عندئذ لا يكتفي بوصف العالم؛ إنه يساهم في هندسة الطريقة التي يُرى بها العالم.
وعلى هذا الأساس تتقدم أطروحة ميشيل فوكو خطوة أخرى، في كون الحقيقة في المجتمعات الحديثة لا تظهر منفصلة عن المؤسسات والخطابات وآليات السلطة التي تحدد شروط قولها وتداولها والاعتراف بها. وما يسمى "نظام الحقيقة" ليس مستودعا محايدا للوقائع، وإنما شبكة من الممارسات التي تجعل بعض الأقوال قابلة للتصديق، وبعضها الآخر هامشيا أو مشبوها أو غير جدير بالظهور. ومن هذه الزاوية يصبح الإعلام جزءاً من "أرخبيل" السلطة المعرفية، حيث يوزع الأدوار بين الشاهد والخبير والضحية والإرهابي والمدني، ويمنح الكلمات أوزانا أخلاقية متفاوتة قبل أن تصل إلى المتلقي.
أما غي ديبور فقد نقل السؤال إلى مستوى أكثر راديكالية حين جعل "المشهد" أو "الاستعراض" شكلا من أشكال العلاقة الاجتماعية التي تتوسطها الصور. فالصورة عنده لا تنقل الواقع فحسب، وإنما يمكن أن تحل محله، بحيث يصبح ما يظهر على الشاشة أكثر فاعلية من الواقع نفسه. وهكذا تتخذ فلسطين دلالة تتجاوز كونها قضية سياسية، على اعتبار إنها تكشف الصراع على الصورة نفسها؛ أي على من يملك حق تعريف ما حدث ومن يحدد صورة الجلاد وصورة الضحية وحدود التعاطف وما إذا كان الطفل المقتول يُرى بوصفه إنساناً أم رقماً، وما إذا كان التهجير يوصف بوصفه جريمة أم "أزمة أمنية"، وما إذا كان القتل الجماعي يدخل في قاموس الإدانة أم في قاموس "الدفاع عن النفس".
لهذا تبدو قضية فلسطين في أحد مستوياتها الأكثر عمقا، اختبارا إتيقياً للحداثة الغربية؛ لأن الأخلاق لا تُختبر حين تكون الضحية قريبة من تمثيلاتنا الثقافية ومقبولة داخل حساسيتنا السياسية، وإنما حين يكون الآخر خارج دائرة الانتماء، وحين يصبح الاعتراف بإنسانيته مكلفاً سياسيا وإيديولوجيا. أستعيد بالمناسبة وبصورة مقلقة أطروحة إيمانويل ليفيناس حول أسبقية وجه الآخر على كل نظام معرفي أو سياسي، فالوجه يطالبني بالمسؤولية قبل أن يسمح لي بتحويل الآخر إلى موضوع أو رقم أو ملف أمني. وحين يحجب الإعلام هذا الوجه، فإنه لا يمارس انتقائية معرفية فقط؛ إنه يعلق إمكان الأخلاق ذاتها.
ولذلك فإن السؤال عن فلسطين الأكثر انتشارا دون مبالغة، كان ولايزال هو: هل الإعلام الغربي منحاز أم محايد؟ فـ"الحياد" نفسه يحتاج إلى تفكيك. لقد نبهت هانا أرندت، في تأملاتها حول "الحقيقة والسياسة"، إلى هشاشة الحقيقة الواقعية أمام السلطة السياسية والكذب المنظم، وإلى أن العالم المشترك يحتاج إلى فضاء عمومي يستطيع فيه الناس اختبار الوقائع والنظر فيها من زوايا متعددة. فإذا جرى التحكم في الوقائع قبل أن تدخل المجال العمومي، لم يعد الخلاف خلافا بين آراء، وإنما صار خلافا حول العالم نفسه: ماذا حدث؟ من مات؟ من يملك القوة؟ من احتل؟ ومن يُسمح له أن يكون شاهداً؟
إن التفاوتات المضمرة في التغطية الإعلامية، أو في اختيار المفردات، أو ترتيب الضحايا، أو منح المصادر الرسمية مساحة مهيمنة، مسألة تتصل ببنية السلطة لا بأخلاق الصحفي الفرد فقط. وهذا ما يلتقي مع "نموذج الدعاية" لدى إدوارد هيرمان ونعوم تشومسكي، الذي يرد صناعة الأجندة الإعلامية إلى عمليات الانتقاء والتصفية والتأطير وتحديد حدود النقاش المقبول. ومن ثم قد يبدو الإعلام حراً على مستوى الشكل، فيما يكون مجال الممكن قوله أضيق بكثير على مستوى البنية.
وتبلغ المفارقة ذروتها في الخطاب الغربي حول فلسطين، على اعتباره ثقافة سياسية جعلت من الحرية قيمة كونية، ومن حقوق الإنسان معيارا لتقييم العالم، ومن الديمقراطية أفقا للحكم الرشيد، تجد نفسها أمام حالة تاريخية تتعطل فيها هذه المبادئ أو يعاد تأويلها وفق ميزان القوة. ومن ثمة لا يعود التناقض مجرد فجوة بين القول والفعل، وإنما يصبح تناقضا داخل مفهوم "الكونية" نفسه: هل حقوق الإنسان حقوقاً للإنسان بوصفه إنسانا، أم حقوقا مشروطة بموقعه داخل الخريطة الجيوسياسية؟ هل القانون الدولي قاعدة عامة، أم لغة تُستدعى بقوة ضد الضعفاء وتتراجع حين تصطدم بمصالح الحلفاء؟
لقد أثار الاستشراق عند المفكر إدوارد سعيد جزءاً من هذه البنية التمثيلية، لا باعتباره مجرد تراث أكاديمي؛ فاختراع "الشرق" في المخيال الغربي أنتج تاريخيا، صوراً للآخر العربي والمسلم بوصفه بدائيا وعنيفا وغير عقلاني، وهي صور لا تختفي بانتهاء الاستعمار الرسمي، وإنما يمكن أن تستمر داخل اللغة السياسية والإعلامية والثقافية. وقد بينت إيلّا شهات وروبرت ستام أن المركزية الأوروبية لا تعمل دائما في صورة خطاب استعماري صريح، وإنما قد تتسلل باعتبارها بنية تطبيع للتراتبية التي خلفها الاستعمار والإمبريالية داخل التمثيل الثقافي.
وأطرح بهذا الخصوص مساألة تقاطع المركزية الأوروبية مع الإسلاموفوبيا في بناء سردية تجعل الفلسطيني مشتبها فيه قبل أن يكون إنسانا، وتجعل مقاومته تُقرأ ابتداءً من قاموس الإرهاب، فيما تُفصل عنه شروط التاريخ والاستعمار والاحتلال واختلال موازين القوة. إن أخطر ما تفعله هذه البنية الخطابية أنها لا تنكر موت الفلسطيني؛ إنها تنزع عنه القدرة على إنتاج المعنى، وتحوّل مأساته إلى هامش في سردية أمنية أكبر منه. حيث تصبح الضحية مطالبة دائما بإثبات براءتها، فيما يحتفظ صاحب القوة بحق تعريف الجريمة وشرح دوافعها.
كما أستحضر في هذا النسق موقف فالتر بنيامين، الذي جعل مهمة التاريخ النقدي "تمشيط التاريخ بعكس اتجاهه"، لأن انتصارات الأقوياء تترك آثارها في السرد الثقافي كما تتركها في السياسة. ففلسطين وفق رؤيته، ليست فقط صراعا على الأرض؛ إنها أيضا صراع على الذاكرة وعلى الأرشيف وعلى حق الضحية في أن تكتب روايتها بنفسها، وعلى إمكان استعادة التاريخ من قبضة المنتصر.
ولعل جان جينيه يمثل في هذا السياق حالة أدبية نادرة انتقلت فيها الكتابة من التعليق على فلسطين إلى الاقتراب من جرحها الإنساني. فقد رافق الفلسطينيين سنوات طويلة، ودخل مخيم شاتيلا بعد مجزرة 1982، وكتب "أربع ساعات في شاتيلا"، ثم كرس كتابه "أسير عاشق" لتجربته مع الفلسطينيين. أهمية جينيه لا تكمن فقط في موقفه السياسي، وإنما في أنه قلب موقع النظر، إنه لم ينظر إلى الفلسطيني من خارج محنته بوصفه "موضوعاً شرقياً"، وإنما دخل بما تحمله تجربته الأدبية من انحياز للمهمشين والمنبوذين، إلى المنطقة التي تتهاوى فيها المسافة المريحة بين المراقب والضحية.
أما جيل دولوز، فإن حضور القضية الفلسطينية في كتاباته ومقابلاته السياسية يؤكد أن فلسطين دخلت في التفكير الفرنسي المعاصر من بوابة سؤال التحرر، والصراع ضد أشكال الهيمنة، ومشكلة الشعب الذي لم يُمنح حقه في الوجود السياسي ضمن شروط عادلة. وتُظهر قائمة نصوصه المنشورة أن "المسألة الفلسطينية" كانت من القضايا السياسية التي واكبها في أعماله ومداخلاته بين 1975 و1995. لذلك يمكن قراءة فلسطين عند دولوز ضمن منظوره الأوسع إلى "الشعب الذي ينقصه"، وإلى المقاومة بوصفها إنتاجاً لإمكان جديد للحياة ضد أجهزة الإخضاع.
وعلى هذا الخط تتضح المسافة بين فلسفة تفكر في الآخر بوصفه غاية أخلاقية، وإعلام يحوله إلى أثر جانبي في خطاب القوة. إن المشكلة لا تكمن في أن الغرب لا يمتلك فلاسفة ومثقفين دافعوا عن فلسطين؛ إذ التاريخ الغربي نفسه يحمل تقاليد نقدية عميقة للاستعمار والعنصرية والإمبريالية. بل إن المفارقة أكثر قسوة هو أن تكون الأدوات النقدية التي أنتجتها الحداثة الغربية نفسها هي التي تكشف عجز قطاعات من مؤسساتها السياسية والإعلامية عن الوفاء بمقولاتها الكونية.
وتتجلى هذه المفارقة حتى داخل اليسار نفسه؛ فقد سجل تاريخ الفكر الفرنسي حالات معقدة ومتناقضة، من بينها انتقال جان بول سارتر، المعروف بمناهضة الاستعمار، إلى موقف مؤيد لإسرائيل في سياق حرب 1967، وهو ما أثار قطيعة عميقة لدى قطاعات من المثقفين العرب معه. وهذه الواقعة ذات دلالة فلسفية أوسع. فالالتزام الأخلاقي لا يحمي صاحبه تلقائياً من أسر موقعه التاريخي، والمفكر قد يمتلك جهازا نقديا قويا ثم يعجز عن تطبيقه على القضية التي تتقاطع فيها الذاكرة والهويّة والخوف والمصالح.
إن فلسطين بهذا المنظور، لا تمتحن موقف الغرب من الفلسطيني وحده؛ إنها تمتحن صورة الغرب عن نفسه. فحين تصبح الحرية انتقائية والإنسانية تفاوضية والديمقراطية محكومة بميزان التحالفات، وحقوق الإنسان قابلة للتعليق أمام فائض القوة، يتحول الخطاب الكوني إلى قناع جيوسياسي. وحين تقوم وسائل الإعلام بإنتاج هذا التفاوت عبر اللغة والصورة والانتقاء والتكرار والصمت، فإنها لا تكون مرآة للأزمة فقط، وإنما تصبح جزءاً من بنية الأزمة نفسها.
وتنبعث أسئلتنا المستشكلة الأخرى: لماذا يفشل الإعلام الغربي في "الحياد" تجاه فلسطين؟ وبأي مفهوم للإنسان يجعل موت إنسان قابلا للحزن، وموت إنسان آخر قابلاً للتفسير؟ وأي نظام رمزي يجعل طفلاً في مكان ما "وجهاً"، وفي مكان آخر "رقماً"؟ وأي حداثة تلك التي تنتصر للحرية حين يكون الآخر شبيهاً بها، ثم تعود إلى لغة الأمن حين يكون الآخر فلسطينياً؟
في فلسطين ينكشف أن المعركة ليست على الأرض وحدها، وإنما على حق الإنسان في أن يظهر داخل المجال العمومي باعتباره إنسانا. وعندما يُغلق الإعلام هذا الباب، فإن ما يسقط ليس الخبر وحده، ولا المهنية وحدها، وإنما أحد الشروط الأساسية للأخلاق السياسية، في أن يكون للآخر حق الظهور وحق الكلام وحق الألم، وحق أن تُعامل حياته بالقيمة نفسها التي نمنحها لحياتنا.
يمكن القول إن فلسطين أصبحت في قلب الفكر الغربي المعاصر، امتحانا مزدوجا. امتحانا للعدالة، وامتحانا للحقيقة. فمن يفشل في رؤية المقتول بوصفه إنسانا يفشل أولاً في أخلاقه، ومن يعجز عن تسمية القوة قوةً، والاحتلال احتلالا، والضحية ضحيةً، يفشل أيضاً في المعرفة. وعندما تتواطأ السلطة والإعلام واللغة على قلب هذه العلاقات، لا تعود المسألة مجرد انحياز سياسي؛ إنها أزمة في البنية الأخلاقية للحداثة نفسها، حيث يصبح السؤال الفلسطيني مرآة تكشف ما حاول الخطاب الكوني طويلا إخفاءه، على اعتبار أن حقوق الإنسان لا تُقاس بما تقوله الحضارات عن نفسها، وإنما بما تفعله حين يكون الإنسان الذي أمامها أضعف من أن يحمي نفسه.
أخلاق الحقيقة في زمن فلسطين:
وعبر الصيرورة الطويلة للقضية الفلسطينية، لم يكن الإعلام الغربي منفصلا عن البنية الفكرية التي أنتجت مفاهيمه عن الحقيقة والحرية والموضوعية؛ فقد كان في لحظات كثيرة، يتحرك داخل الحيز الذي ترسمه المواقف السياسية والنخب الثقافية، حتى حين كان يقدّم نفسه باعتباره فضاءً مستقلا للمراقبة والمساءلة، إذ تتشكل إحدى أكثر مفارقات الحداثة الغربية إثارةً للقلق، في كون الإعلام الذي راكم، على المستوى النظري، خطابا أخلاقيا حول الكرامة والمساواة والتسامح وحق الإنسان في الظهور، يمكن أن يتراجع عمليا إلى انتقاءٍ غير متكافئ للضحايا، وإلى تفاوتٍ في توزيع التعاطف، وإلى إعادة ترتيب الوقائع وفق منطق التحالف والقوة.
لقد كان من المفترض أن تكون أخلاقيات الإعلام امتدادا لأخلاقيات المجال العمومي؛ أن يكون الخبر مسؤولية قبل أن يكون مادةً للاستهلاك، وأن تكون صورة الضحية استدعاءً للضمير قبل أن تكون عنصرا في اقتصاد المشاهدة. لكن التجربة الفلسطينية تكشف أن "الأخلاق الإعلامية" قد تظل أحيانا محصورة في مستوى المعيار المهني المجرد، فيما يجري انتهاك جوهرها حين يتعلق الأمر بإنسان يقع خارج المجال السياسي والأخلاقي الذي تحدده القوى المهيمنة. فالمشكلة لا تكمن دائما في الكذب الصريح، وإنما في هندسة الصدق، حول ما الذي يقال أولاً؟ وما الذي يؤجل؟ وما الذي يوضع في العنوان؟ وما الذي يحذف من السياق؟ ومن يُمنح حق تفسير موته؟.
فالسؤال السوسيولوجي ظل متنقلا بين من يتدبره من: "هل نقل الإعلام الحقيقة؟" إلى عمق الأزمة: أي حقيقة يسمح الإعلام لها بأن تصبح مرئية؟ وهو السؤال الذي يلتقي، بصورة عميقة، مع فوكو حين ربط الحقيقة بشبكات السلطة التي تنتج شروط ظهورها، ومع أرندت حين جعلت الحقيقة الواقعية شرطاً لوجود عالم مشترك يمكن للناس أن يتقاسموه ويختلفوا داخله دون أن يختلفوا حول وجود الوقائع نفسها.
وفي الحرب على غزة، اتخذ هذا السؤال بعداً أكثر حدة، لأن الحدث نفسه وضع الفيلسوف أمام منطقة يصعب فيها الاحتماء بالمسافة الأكاديمية. لقد بدا لبعض النخب الفلسفية الغربية أن المطلوب هو إصدار حكم أخلاقي على "العنف" في صورته المجردة، من دون المرور أولا بالتاريخ الذي أنتج العنف، وبعلاقات القوة التي تحدد موقع أطرافه، وبالبنية الاستعمارية التي تجعل فعل القوة مختلفاً في المعنى السياسي والأخلاقي عن فعل المقاومة.
و يمكن فهم الجدل الذي أثارته مواقف شخصيات مثل يورغن هابرماس وسلافوي جيجك، والتي تعرضت لنقد واسع بسبب تركيزها بدرجات مختلفة، على إدانة هجوم 7 أكتوبر والتأكيد على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، بينما اعتبر منتقدو هذه المواقف أنها لم تمنح السياق الاستعماري والاختلال البنيوي في ميزان القوة المكانة التي يستحقها في بناء الحكم الأخلاقي. وهذا النقد لا يستهدف شخصا بعينه بقدر ما يكشف مأزقاً أوسع، عن ماذا يحدث للفلسفة حين يتحول التجريد الأخلاقي إلى وسيلة لحجب التاريخ؟.
ذلك أن الحياد حين يُمارس خارج شروط التكافؤ، قد يتحول إلى شكل آخر من أشكال الانحياز. فالحديث عن "طرفين" متساويين أخلاقيا في وضع غير متكافئ ماديا وتاريخيا ليس دائما تأسيسا للموضوعية؛ قد يكون في بعض الحالات، محواً للاختلال نفسه. وقد كان إدوارد سعيد شديد الحساسية تجاه هذه الآلية حين كشف كيف يستطيع الخطاب أن ينتج الآخر بوصفه كيانا مجردا، منزوعا من التاريخ، ثم يُعاد التعامل معه باعتباره مشكلة لا باعتباره نتيجةً لمسار تاريخي.
وفي مقابل ذلك، ظهر في الفضاء الفلسفي الغربي صوت آخر حاول استعادة البعد السياسي والأخلاقي للقضية الفلسطينية، كما في البيان الذي حمل عنوان "فلسفة من أجل فلسطين"، والذي وقع عليه أساتذة فلسفة وأكاديميون من مناطق مختلفة، وأعلن تضامنه الصريح مع الفلسطينيين، ودان تصاعد العنف الإسرائيلي في غزة، ودعا زملاءه إلى تجاوز الصمت والتواطؤ الأكاديمي. إلا أن أهمية هذا البيان تكمن أيضاً في حدوده؛ إذ إنه نقل الخطاب الفلسفي من الصمت إلى الإدانة والتضامن، من دون أن يحسم بصورة واحدة ونهائية الإشكال الأكثر تعقيداً المتعلق بالمقاومة والعنف التحرري وشروط مشروعيتهما.
ونستعيد هنا بقوة، فلسفة فرانز فانون. فـ"معذبو الأرض"، الصادر سنة 1961، لم يتعامل مع العنف الاستعماري باعتباره حادثةً طارئة في تاريخ السياسة، وإنما رآه بنيةً تؤسس العلاقة الاستعمارية ذاتها. ولذلك جاءت مناقشته للعنف جزءاً من نظرية أوسع في نزع الاستعمار، حيث لا يظهر العنف التحرري منفصلاً عن عالم سبق أن أُقيم على عنف الاحتلال والقهر والإخضاع. وقد صدر الكتاب في فرنسا في ظروف قمعية، وحُظر عند توزيعه بذريعة "المساس بالأمن الداخلي للدولة"، فيما كان فانون نفسه يصارع مرضه الأخير، وتوفي في ديسمبر/كانون الأول 1961 عن ستة وثلاثين عاما.
لكن القيمة الفلسفية لفانون لا تكمن في تحويل العنف إلى فضيلة مطلقة؛ فهذا تبسيط يتعارض مع تعقيد مشروعه. ما يفعله فانون هو نقل النقاش من أخلاقية الفعل المعزولة إلى بنية العنف التي أنتجت الفعل ذاته. فهو يكتب عن نزع الاستعمار بوصفه تحولاً جذرياً في بنية العالم الاستعماري، ويصر على أن العنف لا يمكن فصله عن السياق الذي يجعل المستعمَر محاصراً داخل نظام من القوة المادية والرمزية.
كما إن أهم إحدى المعضلات الكبرى تبرز في الخطاب الغربي حول فلسطين. فحين يُطلب من الفلسطيني أن يُدان أولا بسبب العنف الذي يمارسه، ثم يُؤجل النظر في العنف البنيوي الذي صاغ شروط وجوده، تتحول الأخلاق إلى أداة لإخفاء التاريخ. يصبح الفعل المعزول مرئيا، بينما تختفي البنية التي أنتجته؛ يظهر الصاروخ وتغيب الخريطة؛ يظهر الموت وتُمحى شروطه؛ يُستدعى الضحية إلى محكمة الأخلاق، فيما يصبح تاريخ القوة خلفية صامتة.
وهذا بالضبط ما يجعل مفهوم "العنف الثوري" في الفلسفة السياسية الغربية الحديثة شديد الصلة بالحالة الفلسطينية. فمن هيغل إلى ماركس، ومن سارتر إلى فانون، جرى التفكير في العنف أحيانا باعتباره لحظةً من لحظات التناقض التاريخي والتحرر، لا مجرد خلل أخلاقي منفصل عن السياق. غير أن هذا التراث نفسه ظل محكوما بإشكالات عميقة؛ إذ إن الانتقال من تحليل العنف إلى تبريره أخلاقيا ليس انتقالا مشروعا بصورة تلقائية. ولذلك فإن استعادة فانون اليوم لا ينبغي أن تعني منح شيك أخلاقي على بياض للعنف، وإنما استعادة السؤال الذي أراد الفكر الاستعماري طمسه، كيف يصبح العنف لغةً سياسية في عالم سبق أن جعل العنف لغةً يومية للحكم؟.
هذه التفرقة حاسمة. فإدانة قتل المدنيين تظل مبدأً أخلاقيا وقانونيا لا ينبغي أن يتغير بتغير هوية القاتل؛ لكن تفسير نشوء العنف لا يمكن أن يُبنى على مساواة ميكانيكية بين طرفين يتساويان في القدرة على صناعة القوة. ثمة فرق بين الإدانة الأخلاقية للفعل وبين التحليل التاريخي لشروط ظهوره. الأول يحاكم الفعل، والثاني يفكك بنيته. والفلسفة التي تخلط بينهما قد تسقط في مفارقة مزدوجة، تدين العنف دون أن تفهمه، أو تفهمه حتى تبرره.
وتأتي أهمية فانون في إعادة بناء السؤال الفلسطيني، إذ ليست المسألة كيف نحول المقاومة إلى قيمة مطلقة، وإنما كيف نفهم العنف داخل علاقة استعمارية تُنتج باستمرار أشكالا من القهر والإقصاء والتجريد من الإنسانية. ففانون لا يمنحنا وصفة جاهزة لفلسطين؛ يمنحنا جهازا مفاهيميا يمنعنا من التعامل معها كحادثٍ بلا تاريخ.
ويزداد الأمر تعقيدا حين تستعيد قطاعات من الخطاب السياسي والإعلامي الغربي مفردات "الإرهاب" و"الأمن" و"الدفاع عن النفس" بوصفها مفاتيح تفسير شبه مكتفية بذاتها. فاللغة هنا لا تكتفي بوصف الفعل؛ إنها تحدد مسبقا موقع الفاعل داخل الأخلاق السياسية. وحين يوصف طرف بأنه يمارس "الإرهاب"، ثم يوصف الطرف الآخر بأنه يمارس "الدفاع عن النفس"، قبل فحص السياق الكامل للعنف والقوة والاحتلال، فإن الكلمات تكون قد أصدرت الحكم قبل اكتمال المحاكمة.
وهذا ما يعيدنا إلى ديبور، في كون الصورة الحديثة لا تعرض الواقع فقط، وإنما يمكن أن تجعل ترتيبا بعينه للواقع يبدو طبيعيا. وإلى فوكو، في كون السلطة لا تحتاج دائما إلى إسكات الحقيقة ما دامت قادرة على تنظيم شروط ظهورها. وإلى بنيامين، في كون التاريخ الذي تكتبه القوى المنتصرة يهدد بتحويل ضحايا العنف إلى حواشٍ في كتاب المنتصرين. وإلى ليفيناس، في كون الأخلاق تبدأ حين أرفض اختزال وجه الآخر في التصنيف الذي يسبق رؤيته.
لذلك فإن فلسطين لا تضع الفلاسفة أمام سؤال "مع من أنت؟" بالمعنى الحزبي المباشر؛ إنها تضعهم أمام سؤال أكثر قسوة: هل تستطيع مفاهيمك أن تصمد عندما تتعارض مع موقعك السياسي والثقافي؟ وهل يمكن للفيلسوف أن يعلن كونية حقوق الإنسان، ثم يقبل بتجزئتها حين يتعلق الأمر بشعب محاصر؟ وهل يمكن للإعلام أن يرفع شعار الموضوعية، ثم يترك القوة تحدد مسبقاً من يتكلم ومن يُسمع ومن يستحق التعاطف؟
ربما هنا تحديداً ينكشف جوهر الامتحان الإتيقي. فالأخلاق لا تبدأ من العبارة التي نعلنها، وإنما من القدرة على تطبيقها في الحالة التي تهدد مصالحنا ورؤيتنا للعالم. ومن ثم فإن فلسطين لم تكشف فقط اختلاف المواقف داخل الفكر الغربي؛ لقد كشفت هشاشة بعض المقولات حين اصطدمت بتاريخ الاستعمار، وكشفت أيضا وجود تقليد نقدي غربي ما يزال قادرا على مساءلة مركزه، كما تدل على ذلك مواقف جينيه ودولوز وسعيد وفانون، وكذلك البيانات الأكاديمية والفلسفية التي اختارت كسر الصمت.
إن المعركة في نهاية المطاف، لا تدور فقط حول من يملك السلاح، وإنما حول من يملك حق إنتاج المعنى. فالهيمنة الأكثر اكتمالا هي تلك التي تجعل الضحية عاجزة عن رواية نفسها، وتجعل لغة الجلاد تبدو لغةً محايدة، وتجعل التاريخ الذي أنتج المأساة مجرد هامش أمام الحدث العسكري الآني. وعند هذه النقطة يصبح الإعلام امتدادا للصراع على الذاكرة، والفلسفة امتدادا للصراع على المفهوم، والأخلاق امتحانا لمعنى الإنسان نفسه.
ولهذا تظل فلسطين سؤالا مفتوحا في وجه الفكر الغربي، هل الكونية مبدأ فعلي يطال الإنسان حيثما كان، أم امتيازا ثقافيا ينكمش حين يواجه الآخر المستعصي على الإدماج؟ وهل الحرية قيمة لا تتجزأ، أم خطاباًيمكن تعليق مفاعيله عندما تكون الضحية في الجهة الخطأ من الخريطة؟ وهل تستطيع الفلسفة أن تحافظ على نزاهتها حين يصبح الصمت نفسه موقفاً؟.
في هذه المسافة بين ما تقوله الحداثة عن الإنسان، وما تسمح به القوة لبعض البشر، يتحدد الامتحان الحقيقي. فلسطين لا تختبر فقط موقف الغرب من الحرب؛ إنها تختبر قدرة الغرب على أن يكون وفياً لأفضل ما أنتجه من مفاهيم.
الاستشراق حين يتحول إلى إعلام:
إن كل هذه الصدمات، تجعل فلسطين دون مواربة أكثر من مادة إعلامية. إنها تختبر العلاقة بين الحدث وتمثيله، وبين الضحية وصورتها، وبين الواقع واللغة التي توصف بها. لأن الصراع لا يجري على الأرض فقط؛ يجري أيضا في المجال الذي تُمنح فيه الوقائع أسماءها. فما نسميه "عملية عسكرية" أو "هجوما"، "إرهاباً" أو "مقاومة"، "دفاعاً عن النفس" أو "عقاباً جماعياً"، لا يشكل مجرد اختلاف في المفردات. الاسم يفتح سردية كاملة ويغلق أخرى. حيث ينتقل السؤال بداهة من الحقيقة إلى سلطة التمثيل.
لقد أحدث إدوارد سعيد انقلابا معرفيا مهما حين نقل الاستشراق من كونه حقل معرفة عن الشرق إلى كونه أيضاً نمطا من إنتاج الشرق في المخيلة الغربية. فالاستشراق في قراءته، لم يكن وصفا بريئا للآخر، وإنما أسلوبا في تصنيف الشرق وصنع صورة مستقرة له داخل ثنائيات مثل العقل/اللاعقل، النظام/الفوضى، التحضر/التوحش. وبذلك يصبح "معرفة الشرق" جزءاً من سلطة تعريفه. وقد خلصت قراءات فلسفية لاحقة لمشروع سعيد إلى أن هذه المعرفة كانت مرتبطة بالمشروع الإمبراطوري نفسه، بحيث تتقاطع المعرفة بالسيطرة.
وفي السياق، تكتسب المسألة الإعلامية معناها الاستعماري. فالآخر لا يُحكم فقط حين يُحتل ترابه؛ يمكن أن يُحكم حين تُنتج له صورة ثابتة تجعل أفعاله قابلة للتفسير مسبقاً. إن صناعة "العربي" أو "المسلم" بوصفه كائنا ميالا إلى العنف، أو بوصفه مشكلة أمنية كامنة، لا تحتاج دائما إلى خطاب عنصري صريح؛ يكفي أن تتكرر الصور والأمثلة والقوالب حتى تتحول إلى معرفة تبدو بديهية. وعندما تصبح البداهة نفسها موضع اشتباه، نكتشف أن ما بدا "حقيقة طبيعية" كان في جانب منه نتاجاً تاريخيا للتمثيل.
ووفق ذلك تتقاطع آليات الاستشراق مع أشكال معاصرة من الإسلاموفوبيا. فالمشكلة ليست فقط في أن بعض وسائل الإعلام تستخدم تعبيرات منحازة، وإنما في أن منظومة من الصور الجاهزة قد تعمل كمرشح مسبق يرى من خلاله الجمهور الحدث قبل أن يراه فعليا. يصبح الفلسطيني في بعض أشكال الخطاب، مشتبها فيه قبل أن يكون مدنيا، ويصبح المسلم محمولا على تهمة كامنة قبل أن يكون فردا له سياقه وتاريخه وصوته.
تلك هي اللحظة التي تتحول فيها فلسطين إلى أزمة في المجال العمومي الغربي. فإذا كان المجال العمومي وفق هابرماس، يفترض النقاش الحر حول الشأن المشترك، وإذا كان هذا النقاش يحتاج إلى شروط من المساواة وإتاحة الوصول إلى المعلومات وتبادل الحجج، فإن السؤال الفلسطيني يكشف هشاشة هذا التصور حين تكون الأطراف نفسها غير متساوية في القدرة على الوصول إلى المنابر وصناعة السردية. فمن يملك الجيوش ووسائل العلاقات العامة وشبكات التأثير الدولية لا يدخل المجال العمومي بالموارد الرمزية نفسها التي يدخل بها شعب واقع تحت الاحتلال والحصار والاقتلاع.
والنتيجة أن "المجال العمومي" قد يبدو متاحا للجميع من الناحية الشكلية، فيما تظل شروط الظهور داخله غير متكافئة. فليست المسألة فقط من يُسمح له بالكلام، وإنما من يُعدّ كلامه مصدرا صالحا، ومن يُستدعى خبيرا، ومن يُوصف بالشاهد، ومن يُقدّم بوصفه طرفا محايدا، ومن يحتاج إلى إثبات براءته قبل أن يبدأ الكلام.
وقد ربطت حنة أرندت الحياة السياسية بوجود عالم مشترك تتأسس داخله إمكانية الرؤية والحكم والتداول، كما أكدت في حديثها عن الحقيقة والسياسة أن الحقيقة الواقعية شرط أساسي لتكوين رأي عام ذي معنى؛ لأن الرأي مهما اختلف، يفقد مشروعيته إذا لم يستند إلى وقائع يمكن التحقق منها. حيث الحرية في إبداء الرأي لا تستقيم حين تكون الوقائع نفسها عرضة للتشويه أو الإخفاء.
ومن هذه النقطة يتكشف الفرق بين تعدد الآراء وتعدد الحقائق. إذ يمكن للناس أن يختلفوا حول معنى الحدث، لكنهم لا يستطيعون من الناحية الأخلاقية والسياسية، أن يتعاملوا مع الوقائع الأساسية كما لو كانت مجرد وجهات نظر. وإلا تحولت الحرية إلى سوق للروايات المتنافسة، واختفى الحد الفاصل بين الشهادة والدعاية، وبين الخبر والتعبئة.
ولعل هذا ما يجعل فلسطين واحدة من أشد الحالات كشفا لأزمة الحقيقة الواقعية في الإعلام المعاصر. فالصور الهائلة القادمة من غزة لا تنهي المشكلة الإعلامية؛ إنها تعمقها. لأن كثافة الصور لا تضمن بالضرورة كثافة الحقيقة. يمكن للحدث أن يكون مرئيا على نحو غير مسبوق، فيما تظل دلالته السياسية محجوبة. يمكن أن نرى الجثث ولا نرى التاريخ، أن نشاهد الخراب ولا نرى البنية التي أنتجته، أن نحصي القتلى ولا نسأل عن النظام الذي يجعل قتلهم قابلاً للاستمرار.
إن وفرة الصورة قد تكون على نحوٍ مفارق ، شكلا من أشكال حجب المعنى. وهنا تتقاطع أرندت مع ديبور. فالمشكلة ليست في نقص المرئي فقط؛ قد تكون في فائض المرئي حين يتحول إلى استهلاك عاطفي. فالمأساة قد تُستهلك بصريا إلى الحد الذي يفقدها قدرتها على إحداث الحكم السياسي. يصبح الدم صورة والصورة خبراً والخبر مادة للتدفق، ثم يُستبدل بمأساة أخرى. وهكذا يمكن للإعلام أن يجعل المأساة حاضرة أمام العين وغائبة عن المسؤولية.
إن فلسطين، من هذه الزاوية، تضع الإعلام الغربي أمام تناقض حاد بين المعيار الذي يعلنه والممارسة التي تكشفها لحظات الحرب. فإذا كانت الصحافة الحديثة قد بنت جزءاً من مشروع شرعيتها على الاستقلال والموضوعية والبحث عن الحقيقة ومراقبة السلطة، فإن السؤال يصبح أكثر قسوة عندما تكون إحدى السلطات المركزية في الحدث نفسها صاحبة نفوذ سياسي وعسكري ورمزي كبير على المجال الذي يغطي الحدث.
هنا لا يعود "الحياد" مفهوما بسيطا. فالحياد المهني لا يعني مساواة حسابية بين كل الروايات، وإنما يفترض فحص الوقائع، وتدقيق المصادر، ووضع الادعاءات في سياقاتها، وكشف اختلالات القوة. أما حين يُفهم الحياد باعتباره توزيعا آلياً متساويا للأوصاف بين قوة احتلال وشعب واقع تحت الاحتلال، فإن الموضوعية قد تفقد وظيفتها النقدية وتتحول إلى تسوية شكلية بين أوضاع غير متماثلة.
ومن ثمة يمكن أن نفهم لماذا تستدعي فلسطين كل هذا العدد من المفكرين. لأن القضية تخرج بهم من الموقف السياسي إلى السؤال المعرفي، ومن السؤال المعرفي إلى السؤال الأخلاقي. ففوكو يسألنا عن نظام إنتاج الحقيقة، وهابرماس عن شروط المجال العمومي، وأدورنو وهوركهايمر عن تصنيع الوعي، وديبور عن هيمنة الصورة، وسعيد عن سلطة تمثيل الآخر، وأرندت عن هشاشة الحقيقة الواقعية أمام السياسة.
لكن هذه السلسلة الفكرية كلها تقود إلى سؤال واحد أكثر جذرية: هل الإعلام يصف العالم الذي نعيش فيه، أم يساهم في إنتاج العالم الذي يصبح ممكناً لنا أن نراه ونفهمه؟
وفي الحالة الفلسطينية، تبدو الإجابة أكثر تعقيدً من أن تكون نعم أو لا. فالإعلام ليس سلطةً مطلقة، لأن الحقيقة تقاوم أحيانا أدوات محوها؛ لكنه ليس مرآة شفافة أيضا. إنه فضاء صراع بين الوقائع والتأويلات، بين الذاكرة والنسيان، بين الشهادة والتأطير، وبين من يملك القوة المادية ومن يملك القدرة على تحويل قوته إلى معنى.
ولهذا لا تتمثل مأساة الإعلام في أن يكذب بالضرورة، وإنما في أن يجعل بعض الحقائق قابلة للرؤية وبعضها الآخر قابلاً للنسيان. وهنا تحديدا تبدأ فلسطين في الظهور بوصفها أكثر من قضية في السياسة الدولية. إنها امتحان للمفهوم الغربي نفسه عن الحقيقة. فالحداثة التي أعطت العالم مفاهيم الحرية والكرامة والمساواة وحقوق الإنسان مطالبة بأن تختبر مدى قدرتها على تطبيق هذه المفاهيم عندما يتعلق الأمر بإنسان يقع خارج مركز قوتها. والمجال العمومي الذي وعد بمساواة الأصوات مطالب بأن يكشف لماذا لا تتساوى القدرة على الكلام. والإعلام الذي جعل من الموضوعية مبدأً مهنياً مطالب بأن يثبت أن الموضوعية ليست ستارا يخفي تفاوت القوة.
وفي هذه اللحظة تصبح فلسطين مختبرا فلسفيا للإعلام. فهي تكشف أن الحقيقة ليست معطى جاهزا ينتظر وسيلة تنقله، وإنما ميدانا تتصارع داخله القوى على التسمية والظهور والتفسير. وتكشف أن الصورة يمكن أن تكون أداة كشف وأداة حجب في الوقت نفسه. وتكشف أن المجال العمومي لا يكون ديمقراطيا بمجرد فتح منابره، وإنما بقدر ما تتوافر داخله شروط عادلة لتوزيع الصوت والاعتراف والشهادة. وتكشف قبل ذلك كله، أن الإنسان قد يُحرم من جزء من إنسانيته مرتين، مرةً حين يُسلب حقه في الحياة، ومرةً حين يُسلب حقه في أن يُروى موته بالحقيقة نفسها التي يُروى بها موت الآخرين.
وعند الحد الفاصل بين الحدث وتمثيله، بين الصورة وموضوعها، بين الخبر وتأويله، ينهض السؤال الذي ربما يلخص المسار كله: من يملك حق إنتاج الحقيقة حين تكون الحقيقة نفسها ساحةً للصراع؟
ذلك أن السيطرة على الأرض قد تنتج واقعا سياسيا، لكن السيطرة على معنى الأرض تنتج واقعاً أشد دواما. وحين تمتد الهيمنة إلى اللغة والصورة والذاكرة، يصبح الاحتلال أيضاً احتلالا للمعنى. وهو ما يجعل الصراع الفلسطيني لا يُقرأ فقط باعتباره صراعا على الجغرافيا والسيادة والوجود، وإنما باعتباره كذلك صراعا على حق الظهور داخل الحقيقة الإنسانية المشتركة.
وهنا ربما يلتقي أفلاطون، في قلقه القديم من قوة القول، بفوكو في تحليله لعلاقة الحقيقة بالسلطة، وديبور في نقده لهيمنة الصورة، وهابرماس في دفاعه عن المجال العمومي، وأدورنو وهوركهايمر في نقدهما لصناعة الوعي، وسعيد في تفكيكه لتمثيل الآخر، وأرندت في دفاعها عن الحقيقة الواقعية. فالمسافة التاريخية بينهم واسعة، لكن الخيط الذي يصل بينهم واحد، حيث الإنسان لا يسكن العالم الذي تصنعه الوقائع وحدها، وإنما يسكن أيضا العالم الذي تصنعه الكلمات والصور والذاكرة.
وفلسطين بهذا المعنى، لا تسأل الإعلام فقط عمّا نقله؛ إنها تسأله عمّا جعله مرئيا، وعمّا جعله قابلاً للتصديق، وعمّا اختار أن يضعه خارج إطار الصورة.
وهكذا تبدأ السياسة في التحول إلى أخلاق، وتتحول الأخلاق إلى معرفة، وتتحول المعرفة إلى سؤال عن السلطة. وحين يبلغ السؤال هذه النقطة، يصبح الإعلام نفسه أمام محاكمة لا يستطيع الاختباء منها خلف شعار الموضوعية: هل كان شاهداً على التاريخ، أم أحد الذين ساهموا في كتابة روايته؟
من هابرماس إلى فانون: فلسطين وأزمة المجال العمومي الغربي
ثمة لحظات في التاريخ لا تعود فيها الحقيقة مسألة معرفة، وإنما تصبح مسألة تبصر ومسؤولية. وفي مثل هذه اللحظات، ينزاح سؤال «ماذا حدث؟»، إلى «من يملك حق تسمية ما حدث؟ من يحدد معنى الجريمة وحدود الضحية ومشروعية الألم، ومن يملك سلطة إدراج الموت داخل قاموس الأخلاق أو إخراجه منه؟». وبالتالي تبدأ قضية...