واصلت ذلك الصباح عادتي اليومية في فترة إجازة الصيف. ذهبت إلى مكان بيع القهوة، ونقدْت البائعة ثمن الفنجان وأخذت أحتسي القهوة ببطء مصغياً إلى حديث الزبائن السريع سرعة تناول القهوة في مكان ليس فيه كرسي واحد، مكان يتناول فيه الزبائن مشروباتهم واقفين داخل المكان أو خارجه، ليوفروا، لذلك، ماركاً ونصف المارك تُدفع زيادة عندما يشربون قهوتهم، في أحد المقاهي، جالسين.
وانصرفت لأتسكع في شوارع مدينة (بامبرغ) قتلاً للوقت وتمتيعاً للعين وتزويداً للذاكرة بهذا الذي نفتقده في بلادنا: منظر النهر ومقاهي الشوارع وواجهات المحلات الأنيقة والوجوه الجميلة، وجوه النساء ووجوه الأطفال الجميلين الأنيقين أناقة ما كنت أعرفها، ذات يوم، في الحلم. توقفت أمام الإشارة الضوئية منتظراً أن تعطيني الإشارة حتى أقطع الشارع نحو ضفة النهر، ولم أكن التفت خلفي لولا ملامسة يد، بقصد، كتفي. كانت يد طالبة جامعية نحيفة ذات شعر قصير ناعم، ونظارات. وبادرتني بالسؤال: أما زلت تذكرني أم نسيت؟ وحين أجبتها أنني ما زلت أذكرها، وما زلت أيضاً أذكر مدينة ( أوجسبرغ ) والرحلة الجامعية، قالت لي: إنك تتمتع بذاكرة جيدة. ابتسمت لها وقلت مداعباً: كل هذا بفضل جمالك.
وسرنا، بعد أن سألتني إن كان لدي متسع من الوقت، باتجاه مقهى الطلبة القريب. جلسنا هناك، وكان الهدوء بادياً، فلم يكن إلا بعض طلبة ممن لم يغادروا المدينة إلى أماكن أخرى، مؤثرين، على ما يبدو، إنجاز ما عليهم إنجازه من أبحاث أو رسائل تخرج.
سألتني عما أفعله في الإجازة وأخبرتني عن أحوالها. ثمَ أخذنا نتحدث عن الطقس. سألتها إن كانت، مثلي، لا تحب الخريف، فلم تُبدِ جواباً. ولكنها استفسرت مني عن سبب موقفي العدائي من هذا الفصل. قلت لها: في الخريف أشعر بالملل، وقد تصيبني حالة من الاكتئاب. وأضفت بعد لحظة صمت: وأفضل فصل الشتاء على الخريف.
نظرتُ إلى الساعة فسألتني إن كنت على موعد ما.
أجبتها: إنها عادة أخذت تلازمني، فالوقت، في الإجازة، كثير، ولا أعرف كيف أقتله. وبعد قليل وقت جاءت الفتاة التي تعمل في المقهى فنقدتها ثمن مشروبينا. شكرتني الطالبة وأعطتني رقم هاتفها، وقالت لي: بإمكانك أن تتصل بي متى تشاء. وافترقنا، بعد أن أبلغتها أنني سأسافر، شتاء هذا العام، إلى بون.
بعد أسبوع استبد بي، مساءً، الضجر، فتذكرتها. بحثت عن رقم هاتفها، وخرجت إلى الشارع، ورفعت يد الهاتف العمومي، ولما أجابت سألتها إنْ كانت ترغب، في هذه اللحظات، في الخروج إلى مكان ما أو في زيارتي، فأجابتني أنها ستكون في منزل الطلبة الذي أقيم فيه بعد نصف ساعة.
صنعت القهوة ودخنْت سيجارة وأخذت انتظرها. فلم تكد المدة المحددة تنتهي حتى قرع الجرس. فتحت لها الباب فدخلت. سألتها إن كانت لديها الرغبة في شرب القهوة في هذا الوقت الذي يقترب من الثامنة مساء، فاعتذرت وفضلت أن تشرب عصير البرتقال. احترمت رغبتها، فقد كنت ألاحظ أن عدداً بين الطلبة لا يشربون القهوة بعد الرابعة عصراً حتى لا يؤرقوا ليلاً.
ونحن نتحادث سألتها: لماذا لا تقيمين في منزل الطلبة؟ فأخبرتني أنها حاولت ولكنها لم تحصل على غرفة، وهذا اضطرها إلى الإقامة في شقة غير مريحة، شقة تبدو غرفتها فيها شبه ممر، وهذا يحول دون تمتعها بحريتها وتصرفها كما تهوى. وأخبرتني أنها ترغب، قريباً، في الانتقال إلى غرفة مستقلة، وأنها ستدعوني، في حينه، إلى زيارتها، وليس الوقت ببعيد، فهي ستستلم الغرفة قريباً، وستنتهي من تأثيثها في فترة قصيرة جداً.
صمت للحظة ثم سألتها إن كان لها صديق، وبخاصة أنه مرّ عام على قدومها إلى المدينة. أجابتني أن صديقها يقيم في مدينة ( بايرويت ) القريبة، وأنها ستسافر إليه في نهاية الأسبوع، فقد دعاها وأصدقاء آخرين للاحتفال معاً.
ولم أسألها عن رأيها في العلاقة التي تقوم بين طرفين يقيمان في مكانين مختلفين، ولكنها أخبرتني أنها شخصياً لا ترغب في مواصلة العلاقة معه. ولم يكن يخطر ببالي أن المرأة إذا ما فكرت في إقامة علاقة فمعنى ذلك أن علاقتها السابقة قد انتهت أو أوشكت.
نظرت إلى وجهها ذي الملامح الناعمة الدقيقة وتلاقت أيدينا معاً. ترددت، ابتداء، قليلاً، وقالت: ولكننا لم نتعارف، بعد، جيداً. احترمت مشاعرها ورأيها، وسألتها: ما رأيك في أن نخرج معاً إلى البار القريب، إلى بار الطلبة، فرحبت بذلك وخرجنا.
عندما اقتربنا من بار الطلبة دعوتها لكي تدخل أولاً، فاقترحت أن نواصل السير باتجاه بار آخر يتردد عليه طلبة كلية الاقتصاد والتجارة، ولم أمانع، فأنا أرغب في معرفة الكثير عن هذا العالم. دخلنا إلى البار الصاخب وشربنا البيرة ثم قدمتني إلى معارفها، وأنفقنا معاً ساعتين ثم غادرنا المكان باتجاه منزل الطلبة.
في الطريق تلاقت أيدينا من جديد. كانت يدها حارة دافئة. تحدثنا بفرح وبدت مسرورة جداً. سألتني أولاً عن رأيي في ألمانيا، وسألتني أيضاً عن الطلبة وعن الدراسة هنا، وكنت أجيبها دونما مجاملة. قبل أن نصل إلى المبنى بقليل سألتني عن عمري. فأجبتها دون كذب. قلت لها إنني في الخامسة والثلاثين. لحظتها سحبت يدها من يدي، وقالت بعد لحظة: كنت أظنك في السابعة والعشرين. وكانت هي في العشرين من عمرها.
حين اقتربنا من باب منزل الطلبة سألتها إن كانت لديها رغبة في الدخول. نظرت إلى الساعة وقالت لي: إن الوقت متأخر الآن. ولم تفصح عن مشاعرها التي تشكلت لديها بعد أن عرفت أن هناك فارقاً في السن كبيراً. واستقلت عجلتها فيما كنت أدير المفتاح في أكرة الباب، ودخلت إلى المبنى الذي كان يخيم عليه صمت يوحي لك بأنك وحيد في الخلاء. للحظات انتابتني حالة من الحزن والضجر، وشعرت بأنني وحيد. أشعلت التلفاز وأخذت أفتش عن برنامج ينقذني من حالة الحزن، وبعد ذلك أطفأته وغططت في نوم عميق.
فيما بعد، حين كنا نلتقي معاً في مطعم الجامعة، كانت تأتي وتقف إلى جانبي وتسألني إن كنتُ على وشك الانتهاء من الدراسة، وتسألني عما أفعله وعما سأفعله بعد الحصول على الشهادة.مثلها مثل صديقتها التي انجذبت في رحلة ( أوجسبرغ ) نحوي، وسألتني إن كنت سأقيم في ألمانيا بعد الدراسة. وكنت أحادثها بود، وكنا أحياناً، بعد أن نفرغ من تناول طعام الغداء، نذهب معاً نشرب القهوة، لنفترق، من ثم، من جديد: هي باتجاه عجلتها وأنا باتجاه منزل الطلبة.
مـلاحــظــــــة: أنجزت هذه القصة في 26/3/1995 ونشرت في جريدة الاتحاد ( حيفا ) في 30/1/2001، ويعود زمنها القصصي إلى خريف 1990.
ملاحظة ثانية: ليس من الضروري أن يتطابق فيها أنا المؤلف وأنا السارد / الشخصية.
أبو حيان يحرق كتبه ثانية
في الحافلة التي تقله من شرق المدينة جاءته الفكرة. نظر إلى يمينه فوجد المقبرة الشرقية على ما هي عليه. قبور فوق قبور، فيم الأحياء على يساره يتسابقون لامتلاك هذه الفانية التي هي ليست سوى دنية، ولكنها تدفعهم إلى تكرار قول عمر: أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً.
وكلهم يعملون لدنياهم كأنهم سيعيشون إلى الأبد وينسون أنهم قد يموتون غداً.
في الحافلة أخذ أبو حيان يتصفح رسالته التي كتبها إلى صاحبه الذي لامه لأنه أقدم على إحراق كتبه، وكانت شواهد القبور أصابع تشير إليه أن لا خلود إلا لله عز وجل. وشعر بالارتياح، فها هو قبل ألف عام قد كتب " كأنك لم تقرأ قوله جل وعز " كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون".
وفي الحافلة تذكر أبو حيان ما قاله له أحد السجناء ممن أنفقوا سنوات من عمرهم في سجون الاحتلال، وتحولوا إلى تجار كتب، لأن النضال ومقاومة الفساد لا تجر على صاحبها سوى المتاعب: " لا تكتب، حتى تعيش بقية عمرك بهدوء". " وها أنا أعمل بنصيحة من أصبح في ظل السلطة وزيراً"، و" أنت خذ بنصيحته التي أخذت بها فتغيرت أحوالي ليزول دماري وليزداد عقاري.
وفي الحافلة أيضاً بدا يقارن بين البدايات والنهايات، وضحك في سره وهو يقول: " هل كنا حقاً صادقين أم أننا كنا نكذب على ذواتنا؟ " وازداد ضحكاً وهو يرى الدورية الإسرائيلية تسير، جنباً إلى جنب، مع الدورية الفلسطينية، ولم يفطن إلى أن المحطة هذه هي المحطة الأخيرة، وأن عليه أن يهبط من الحافلة التي ارتفع صوت سائقها قائلاً: المحطة الأخيرة يا أستاذ! وسار أبو حيان في شوارع نابلس يذرعها، فيما طارت الفكرة من رأسه وهو يرى بعض الناس يبيعون الصحف.
من جديد عاودته الفكرة. كان أبو حيان يجلس في منزله وحيداً، ولما استبد به الضجر أشعل التلفاز وأخذ يتابع المسلسل المصري " سامحوني ما كنش قصدي"، وشجعه على ذلك أن مخرجه هو الذي أخرج مسلسل ليالي الحلمية، وأن أبطاله هم أبطال ذلك المسلسل. هكذا ذكره الدكتور مرزوق أبو الحسن، حين أقدم على إحراق كتبه، بما كان هو أقدم عليه منذ ألف عام. وقارن بين السلوكين ودوافع صاحب كل منهما، بين دوافعه ودوافع مرزوق، وعاد إلى رسالته التي كتبها ليقراها من جديد.
" ثم أعلم – علمك الخير- أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سرّه وعلانيته، فأما ما كان علانية فلم اصب من يحرس عليه طالباً ".
وتوقف أبو حيان أمام ما كتبه وتساءل: الهذا أحرقت كتبي؟ وهمس:"كل ممنوع مرغوب " وتابع " وكل شاذ لافت للنظر" وكرر التساؤل: الهذا أحرقت كتبي؟الكي تصبح أكثر انتشاراً؟
وتابع أبو حيان قراءة رسالته:
" على إني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم ولعقد الرياسة بينهم ولمد الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله ". وفكر أبو حيان ملياً، وهمس في سره: طلب المثالة وعقد الرياسة ومدّ الجاه، كم أنا بائس؟ الهذا الفت هذه الكتب؟ كأني لم اعتبر من تجارب من سبقني! كأني لم أقل في بداية الرسالة ( كل شيء، هالك إلاّ وجهه)، كأني لم أدرك ما خطته يدي.
" وكأنك لم تعلم أنه لا ثبات لشيء من الدنيا… ما دام مقلباً بين الليل والنهار". كأني لم أعتبر مما حدث للرؤساء والملوك، بل وللدول العظيمة التي ما عادت عظيمة. عقد الرياسة ومدّ الجاه!! كم أنا بائس حقاً!".
وخاطب أبو حيان مرزوق أبو الحسن: " لم تعش كما عشت وها قد حققت ما لم احقق، ومع ذلك فقد أقدمت، مثلي، على إحراق كتبك. ألأنك غدوت خاتماً في إصبع جلنار؟ الأنك أصبحت مسيراً مثل الماكينة؟ " وتذكر أبو حيان ما خطه في الليلة الأولى من كتاب " الإمتاع والمؤانسة " وتساءل إن كان مرزوق أصغى لجلنار وخضع لها حتى تستمر لياليه ولا تتوقف عند الليلة الأربعين، وهو ما حدث، فلقد استمر شهر العسل أكثر من ثلاثين يوماً. ودهش أبو حيان وهو يشاهد مرزوقاً يحرق كتبه. ومن جديد عادت إليه الفكرة التي راودته وهو في الحافلة: أن يقدم على إحراق كتبه من جديد. وعاد إلى الرسالة التي كتبها وأخذ يقرأها ثانية.
" ومما شحذ عزمي على ذلك أني فقدت ولداً نجيباً وصديقاً حبيباً وتابعاً أديباً ورئيساً مثيباً، فشق علي أن ادعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها…".
وتوقف أبو حيان أمام عباراته وأعاد النظر فيها، فقد رزقه الله، وهو شيخ في التسعين، بطفلتين نجيبتين" وكأنه زكريا الذي وهبه الله يحيى، ولم يفتقد أصدقاءه الذين تحولوا إلى أعداء، ولكنهم ظلوا يكنون له الاحترام لأنهم رأوا فيه عدواً عاقلاً، ولأنهم يؤمنون بالمثل القائل: " عدو عاقل خير من صديق جاهل"، وكم هم الأصدقاء الذين يجهلون وأن عملوا فلا فائدة من عملهم. وكان أبو حيان يكن لهؤلاء من الاحترام ما لم يكنه لغيرهم، وأن كان يختلف معهم. وأما الرئيس المنيب فلم يطمح إلى لقائه إلاّ إذا أراد أن يدافع عن حقه، ولم يتزلف له أو يتقرب منه، وحين التقى به خاطبه بأسلوبه الذي دوّنه في الليلة الأولى من الإمتاع والمؤانسة، وفيه يقدر أبو حيان نفسه حق قدرها.
وكان أبو حيان يدرك أن ما كتبه تُلوعِبَ فيه، وجلب له من تدنيس العرض ما لا يذكر، وأما الشماتة بسهوه وغلطه ففاق كل وصف، وألصقت به أخطاء الطابعة التي لم يكن هو مسؤولاً عنها.
وضحك أبو حيان، وهو يقرأ ما كتب: " كم أنا بائس " خاطب نفسه وقال: أما كان ينبغي أن أدرك هذا وأنا في أول الطريق؟ ومَن مِن الكتاب مَنْ لم يعان مثل هذه الأشياء؟ وقال: كان علي ألاّ أقدم لهذه الأسباب على إحراق كتبي. كان علي أن أدرك، منذ البدء، أن كل شيء هالك إلاّ وجهه، وكان عليّ، أيضاً أن أدرك أن العلم لا يحرصُ عليه إلاّ لمكسب أو منفعة، وكان عليّ أيضاً أن أفيد من تجارب الأنبياء والمرسلين والفلاسفة هؤلاء الذين فقد بعضهم الولد النجيب، وخسر بعضهم الصديق الحبيب والزوجة، وسلم تلامذة بعضهم بعضهم.
ولكن أبا حيان، بدأ يفكر، من جديد، بإحراق كتبه وكرر " كل شيء هالك إلا وجهه "، وعاودته الفكرة من جديد، ولا يدري لماذا تأتيه الفكرة، غالباً، وهو في حافلة الركاب التي تقله من شرق المدينة إلى وسطها فغربها، ويجيب من يسأله عن السبب في عدم حصوله على رخصة سياقة وامتلاكه سيارة: معنى ذلك أنني لن أكتب، وأنني سأزداد عزلة. وكرر أبو حيان الآية دون أن يتأكد من صحتها ( يخلق الحي من الميت ويخلق الميت من الحي ) وها هي فكرة إحراق الكتب تأتي أيضاً في الحافلة، تماماً كما جاءتني فكرة أحد كتبي الذي حفل بأحاديث ركاب الحافلة، وما أظن أنني كنت سأنجزه لو كانت لدي رخصة وسيارة.
في الحافلة، بدأ أبو حيان يفكر في التكنولوجيا الحديثة، وسخر من نفسه كيف غدا، وهو الذي أنفق سنوات يقرأ كتاب الله وتاريخ العرب ونصوص الشعراء القدامى والجاحظ، كيف غدا أمياً. وحين زار بون في صيف 1996م خربش خربشاته: من لا يُجِدْ استخدام الكمبيوتر فهو أُمي! ولا أدري لماذا أنا كسول في استخدام التكنولوجيا، ولكنه في الحافلة أيضاً ذمّ هذه، وبسببها جاءته فكرة إحراق كتبه، وأدرك أن هذه قتلته مرتين؛ مَرِة لأنه لا يعرف كيف يتعامل معها، ومرة لأنها ولدّت لديه من جديد فكرة العبث. وكرَر: ( كل شيء هالك إلاّ وجهه ".
وأخذ يتساءل أن كان سميح القاسم ما زال يكرر الهي.. الهي لماذا قتلتني؟ وهو يقرأ، هذه الأيام، مقولات نقدية مثل مقولة " موت المؤلف " ولا يدري أبو حيان لماذا لم يلتفت سميح إلى مقولة ( نيتشه ) ومقولة (الن روب جرييه )؟ وخوفاً من أن يتهم أبو حيان بالزندقة كتم في سره مقولة الأول للحظات، ولما لم يستطع ألاّ قولها، قرأ في كتاب نقدي هذه المقولات.
بعد أن جاهر نيتشه بفكرة موت الله، نادى ( ألن روب جرييه ) بفكرة موت الشخصية في الرواية، وها هو ( رولان بارت ) ينادي بفكرة موت المؤلف. لماذا إذن يخلد اسمي. ولماذا لم يفطن هؤلاء من قبل إلى الآية ( كل شيء هالك إلاّ وجهه). " كل شيء هالك، كل شيء هالك!" كرر أبو حيان. ولم يلتفت هذه المرة إلى المقبرة الشرقية في مدينة نابلس – لم يلتفت إلى القبور وشواهدها ليقول: حتى شواهد القبور تشير إلى السماء، وتحمل أسماء أصحابها. وليتساءل: ولكن ما جدوى الأسماء، هذه التي سوف تمّحي بعد حين ليحتل اسم آخر مكان اسمها.
وفكر أبو حيان فيم سيكتبه إلى صاحبه، لو طلب منه هذا أن يوضح له السبب الذي حدا به إلى إحراق كتبه ثانية، وشرع أبو حيان في التفكير بكتابة رسالة جديدة. ولكنه، أثناء ذلك، فكر في أمر الأصدقاء واثر أن يراجع قراءة كتابه " الصداقة والصديق " ثم تراجع عن المراجعة هذه، وراجع عوضاً عنها صفحة ماضيه وأصدقاءه الذين خطوا في كتاب أيامه بعض مآسيهم، وسرعان ما عزف عن ذلك، فكل شيء هالك إلاّ وجهه – أي وجه الله – وتخيل صديقاً وهمياً أخذ يكتب له، وقرر أن يضع الرسالة، بعد أن يفرغ من إنجازها، تحت رأسه، وهو ما فعله ابن زريق، فيما بعد، عملاً بوصية أبي حيان. كتب أبو حيان:
" وأعلم – علمك الخير – أن هذا الكتب حوت من أصناف الكتابة بعض ما جال في خاطري، لأن بعض ما خطر لي ما استطعت أن أقوله لأحد، ولربما تسرب جزء منه، وأنا نائم فإذا ما زرع منزلي بالآلات الجهنمية، بدا ما يدور في لا وعيي لأجهزة المخابرات معروفاً، فهذه، كما قال عنها مظفر النواب تفقس بين الإنسان وثوب النوم وزوجته، هذا إذا كانت الزوجة ليست من جهاز المخابرات.
وأعلم- أيدك الله – أن أكثر ما ورد فيها أساء إليّ إساءة كبرى، حتى من اؤلئك الكتاب الذين يستمتعون بقراءة السير الذاتية التي تكون على شاكلة سيرة الكاتب المغربي محمد شكري، هؤلاء، حين اختلفت معهم، جعلوا من شجاعتي غباءً، ومن اعترافاتي ضعفاً، ومن عشقي سقوطاً، ومن تحرري قلة أدب.
وأعلم – زاد الله علمك – أنهم أخذوا يسقطون ما في نفوسهم عليّ، حتى يبرؤوا أنفسهم، وأنني غَدَوْتُ أجمع في ذاتي الشيء وضده، مثل الوطنية والخيانة، والانتماء واللاانتماء، والسخرية والجد، والكرم والبخل، والعجز والفحولة… الخ… الخ.
ولو توقف الأمر عند هذا لهان الأمر وسهل. فهم غدوا ينشرون مقالاتي في أماكن بعيدة، حتى ظن الناس أن أبا حيان النابلسي غير أبي حيان النابلسي الذي يظهر اسمه في الصحف العربية، الصادرة في عمان وعجمان، وفي دمشق ولندن، وفي القاهرة وفاس. وبدأ الناس لذلك، يرسلون لي شخصاً يحمل اسم شخص كبير يقيم في المنفى، وطبقت شهرته الآفاق، ليقولوا لي أنك مثل هذا، لا مثل ذاك، وأن أحمد دحبور الكاتب ليس أحمد دحبور الطبيب، وشتان ما بين أحمد وأحمد وما بين أبي حيان وأبي حيان، ما بين الكسول الخامل والفذ غير الجاهل، وما أحمد غزة بكسول ولا هو بخامل، أنه فذ غير جاهل.
وأعلم – حفظك الله – أنني فكرت في هذا الكم الهائل من العلوم، في زمن الكمبيوتر والإنترنت، فأدركت أن ( رولان بارت ) لم يقتل المؤلف عبثاً، فليس المهم القائل، لأن الأهم المقول، وليس المهم الفرد، لأن الأهم الجموع، علماً أن حكامنا – أمد الله في عمرهم _ لا يدركون هذا، فما زالوا يرون أن الفرد فوق الأمة، حتى لو جلب حكمه لها أطناناً من التخلف والغمة.
وفوق هذا وذاك، ما الذي سيبقى من ركام كتابتي هذه في ظل هذا الركام من الكتابة والكلام؛ مقالة واحدة، لا تسمن ولا تغني من جوع، قد يسيء قراءتها مؤلف جربوع، فيسيء فهمها ولا يُحسنُ نطقها، حتى إذا ما نسبها خطأ لشاعر وصححته وأظهرت له أنها لأبي حيان، وأبو حيان هذا نابلسي، وليس جزائرياً، قال أن الدكتور محمود السمرة، لا يعرف الويسكي من الخمرة، فلا تفضحني، لأن القصيدة التي نشرت في الجزائر، تجعل من أهل فلسطين حرائر ".
في الحافلة قرّر أبو حيان أن يحرق كتبه من جديد. وكانت نابلس هادئة. وكان المطر الذي انقطع لفترة طويلة في بداية شتاء العام 1999/2000 أخذ يتساقط وكان أبو حيان يسير في سوق الخضار يفكر في أمر كتبه، في زمن الإنترنت والكمبيوتر والعولمة، ويدرك أن لا جدوى من الكتابة، بينما أخذ يفكر في مقالته القادمة.
ملاحظة: نشرت هذه القصة في جريدة الأيام ( رام الله ) بتاريخ 22/2/200.
صديقة عازف الموسيقى
كل ما يستطيع أنْ يقوله، الآن، بعد ست سنوات من عدم رؤيتها، عنها، إنها امرأة لا تَفْلِتُ من الذاكرة. ولا يدري حقاً لماذا تُلحُّ على ذاكرته بين فترة وأخرى. تارة يراها كلما رأى فتاة تشبهها، وطوراً يتذكر قصتها كلما شاهد فتاة صغيرة لا تعرف أباها. وحين يبصر تلك التي تشبهها يود أن يسألها عنها، ولكنه سرعان ما يتراجع فاسم التي تشبهها يذكره بفتاة تعرف إليها، ولم ير فيها سوى مخبرة. ولا يدري، وهو الذي لا يلتفت إلى تفاهات مثل هذه، لماذا يقع فريسة تلك التفاهة.
والآن يتذكر لقاءه الأول العابر، ويتذكر، الآن أيضاً، اللقاءات العديدة التي تمت فيما بعد اللقاء الأول ويتذكر أيضاً اللقاء الذي لم يكن، كما اعتقد، ودياً. طلب منها النقود التي استلفتها منه لتدفع ثمن وجبة غداء، ولم يبتسم لها كما كانت العادة، وإن ابتسمت هي له، ووعدته أن تعيد له ( الفنجات ) القليلة التي تبقت.
كان ذلك في شتاء عام 88و1989، صباح سبت يوحي الجو فيه بأن ثمة أمطاراً غزيرة سوف تسقط، وكان عائداً وزوجته وطفلتاه من سوق المدينة، وقد تسوقا ليوم أحد ينفقانه في منزل الطلبة الذي تقيم هي أيضاً في إحدى بناياته الثلاث، يوم أحد يبدو مملاً ويبعث على السأم والضجر، وبخاصة حين يكون الجو على ما كان عليه، إذ يعني ذلك حرمانه من التمشي على جانب النهر والتحدث إلى الناس الذين سرعان ما كانوا يحدثون الأطفال ويعطونهم الحلوى. وكان يرى العجوز وهي تفعل ذلك دون أن يوحي لطفلتيه بالامتناع عن أخذها، فلم يكن يصغي إلى تلك الإشاعات التي تحذر الآباء من بعض العواجيز اللاتي يكرهن الأطفال. جلس وزوجته على مقعد قرب مكان خصص للعب الأطفال، في جزء من ساحة الورود التي أقيم أيضاً على طرفها مقهى صغير تقدم فيه وجبة الكافيار الروسية، وفي جانب أكبر حمام ( الساونا )، وأخذ يثرثر مع زوجته التي شعرت ببرودة الجو وأخذت ترقب السماء ظانة أن تساقط الثلوج قاب قوسين أو أدنى. وكان يراقب الصغيرتين وهما تتحاوران، إشاريا، مع طفلة تركتها أمها تلهو، وجلست تراقبها عن قرب، علّها تعوض للصغيرة ما فاتها خلال الأسبوع، حيث تقضي الطفلة الوقت كله في صحبة جدَّيها، بعيداً عن أمها الطالبة وأبيها الذي بذر بذرته في أمها وغادر عائداً إلى إيطاليا غير سائل عن طِفْلةٍ لا ذنب لها، هذا ما عرفه من الأم، فيما بعد.
ولم يكترث للرذاذ الذي بدأ يتساقط خفيفاً، فالمنزل ليس عن المكان ببعيد، ولم يُصْغِ إلى زوجته التي أخذت تحثه على ضرورة المغادرة حتى لا تتبلل الثياب، وأخذت، لذلك، تُنادي على الصغيرتين اللتين استاءتا من إلحاح الأم مفضلتين البقاء خارج جدران المنزل، واللهو مع الصغيرة التي تعرفتا إليها للتو، وأخذ ينظر إلى أم الصغيرة التي رأت في لعب الصغار معاً أمراً مفرحاً جداً، وبخاصة أن الصغيرة وحيدة أمها. لقد رأت الأم في الصغيرتين بديلاً لتعلق طفلتها بها، إذ كفت ابنتها عن مناداتها والطلب منها أن تجلس أمامها، على الجانب المقابل للوح الخشب الطويل المثبت وسطه بقائمة من حديد في أعلاها زنبرك يمكن مَنْ يجلس على طرف من الهبوط أرضاً، ولا يرفعه إلى أعلى سوى شخص أخر يجلس على الجانب المقابل.
وانصرف الأربعة تاركين الأم وطفلتها التي أخذت تتابع الصغيرتين وتصدر في الوقت نفسه أصواتاً غير مفهومة، لكنها بدت وكأنها تطلب منهما العودة لمواصلة اللعب، ولما ازداد صراخها قامت الأم من مكانها وأخذت تلاعب الصغيرة.
بعد أيام التقى بوالدة الطفلة، كانت ترتدي بنطال جلد اسود اللون وسترة جلدية سوداء اللون أيضاً، وأخذ يراها، فيما بعد، في اللباس نفسه غالباً. وكان إلى جانبها شاب نحيف جداً.
خَمَّن في البداية أنه والد الطفلة، ولكنه لم يره معها يوم يرى الطفلة معها، ولم تكن قصَّتْ عليه القصة التي روتها له يوم التقيا في غرفة الغسيل الواقعة في طابق العمارة التي تقيم هي فيها. ومنذ ذلك اليوم أخذا، كلما التقيا، يتبادلان الابتسامات. ويوم رأتها زوجته مع صديقها الشاب عقبت: يظن الذي يبصرهما معاً أنها لا تترك له شيئاً يأكله، ويبدو أنها تلتهم كل شيء. كانت بضة سمينة ممتلئة القوام، ذات وجه صبيح، وكان نحيفاً شاحباً هزيلاً ذا وجه يشبه مثلثاً متساوي الأضلاع، ويظهر، في أيام البرد، حين يرتدي معطفاً بدا عليه فضفاضاً، كأنه عمود وسط خيمة.
في غرفة الغسيل أجابته، عندما سألها إن كان الشاب الذي يسير معها زوجها، وإن كان أيضاً والد الطفلة، أجابته أنه صديقها وأن والد الصغيرة شاب إيطالي تعرفت إليه، من قبل، وكانت أحبته وأثمرت العلاقة التي لم تستمر طويلاً تلك الشقية التي لم تعرف، عن أبيها الذي غادر، شيئاً، وأخذت ترى في جدها لأمها أباها.
ولم يستبد به الفضول ليسألها في تلك اللحظة إن كانت تشعر بقرف من الرجال كلهم، أو أنْ كانت تنتابها حالة من الندم لما أقدمت عليه، فقد كانت تحدثه بهدوء ملحوظ، كما كانت متماسكة إلى حد بعيد. وعرف منها أن الشاب الذي يسير معها صديقها ليس إلا. وعرف أيضاً أنه يحب الموسيقى كثيراً، ويعزف على آلة موسيقية. وقد تحقق شخصياً من هذا، فقد رآه، ذات نهار ماطر، يقف على جسر مبنى البلدية القديم القائم على النهر، وأصغى إلى عزفه الموسيقي فيما كان يضع قبعته على الأرض حتى يلقي إليه المستمعون بعض النقود.
ويبدو أنها أخذت ترتاح وهي تتحدث معه، فكلما التقيا تجاذبا أطراف الحديث، ولم تكن لتسأله من أي البلاد قدم. كان يقص عليها شيئاً عن أسباب وجوده في المدينة، وكانت بدورها تحدثه عن دراستها. ولّما لم تعد تراه مع زوجته وطفلتيه سألته عنهم. أخبرها أنهم غادروا، وأعلمها أنه سيظل وحيداً حتى ينهي دراسته ليعود بعد ذلك إلى بلاده. وسألها، حين أخذ يراها في أغلب الأوقات وحيدة، إنْ كانت افترقت عن صديقها. ولم تمانع في توضيح السبب. أخبرته أن ابنتها تقيم معها، منذ فترة، في أكثر الأيام، وأنها لهذا لا ترغب في إزعاجها ومضايقتها، وأن صديقها يقدر هذا، ولهذا لم يعد يأتي لزيارتها كما كان يفعل من قبل.
ذات صباح أحدٍ، وكان الفصل ربيعاً، ارتدى بنطالاً جديداً أزرق اللون ومعطفاً كحلي اللون، ولم يغفل للمرة الأولى، ربطة العنق، وسار في شارع يؤدي إلى أعلى المدينة لقد أراد أن يزور شاباً مغربياً تعرف إليه في مقاهي الرصيف منذ سنتين، وكان هذا متزوجاً من امرأة ألمانية تعمل ممرضة تعرف أيضاً إليها من خلال زوجها، وكانت ودودة جداً. في منتصف الطريق حادثته تلك المرأة التي كانت تقود دراجتها، وأبدت إعجابها بملابسه وسألته عن سرّ أناقته هذا الأحد، وأخبرته أنها تأتي صباح كل أحد لتشتري حليباً طازجاً من المكان الذي التقيا فيه.
ولا يدري، يومها، في ذلك الصباح الربيعي، كيف تسرب الدفء إلى قلبيهما، وحين عبّر لها عن إعجابه بجمالها وصفاء بشرتها، لم تمانع في أن يقبلها قبلة عابرة. وسألته، حين أخبرها أنه ذاهب لزيارة صديق مغربي متزوج من امرأة ألمانية، إنْ كانا مسرورين معاً. ولم يجبها معززاً أو نافياً، فقد كانت ثمة سيارة قادمة أفسحا لها المجال، وقد كانا في وسط الشارع، وسار كل في اتجاه، ومن الجهة المقابلة أخبرته أنها سوف تطرق باب منزل بائع الحليب.
ذات مساء، كان في منزل الطلبة، وكانت قد غادرته لتقيم مع والديها، أبصرها تقترب من طاولة التنس التي كان قريباً منها، وكان قد هزم للتو من شاب إنكليزي، وسارت باتجاهه. سألته إن كان يملك فكة خمسة ماركات، فهي تريد مهاتفة صديقها، وذهب إلى غرفته ليبحث لها إن كان يملك نقوداً صغيرة، وسارت معه. في الغرفة سألها إن كانت حقاً ترغب في مهاتفة صديقها،واستفسر منها إن كانت جاءت لتزوره. ولما عرف أنها جادة أعطاها ثلاثين فنجاً وأعاد لها الماركات الخمس، وسارا معاً، من جديد، باتجاه الهاتف. عاد ليواصل لعب كرة الطاولة، وأخذت تهاتف صديقها بعد أن شكرته على كرمه.
وكانا، يوم يلتقيان، يتبادلان التحية، وقد يتبادلان حديثاً عابراً، كأن يسألها عن طفلتها أو عن صديقها أو كأن تسأله عن دراسته وعائلته. وجاءته ذات ظهيرة، وكان في مطعم طلبة الجامعة، لتطلب منه خمسة ماركات ثمن وجبة طعام. نقدها المبلغ فوراً ولم يتردد، ولم يكترث لكلامها وتأكيدها على أنها ستعيد إليه المبلغ وأنها إنما تقترض المبلغ لأنها نسيت نقودها في المنزل. وكان عرف منها أنّ والدها مدرس، ويقيم في المدينة نفسها، وأن بإمكانه أن ينفق عليها.
وأخذت حالته في تلك الأثناء تسوء رويداً رويداً. كان على وشك إنهاء دراسته، وقد أنهك كثيراً. وكانت حرب الخليج قد أقامت الدنيا ولم تقعدها. بدأت الانتفاضة في وطنه تدخل عامها الرابع. أخذت علاقته بمن حوله تبرد. وكانت أخباره العائلية تنتشر. ويوم جاءته، من جديد، دون أنْ تعيد المبلغ الذي اقترضته، لتطلب منه خمسة ماركات أخرى تردد في إعطائها، واعتذر يحدوه هاجس أن في الأمر لعبة ما. وكلما التقى بها، بعد أيام، طلب منها المبلغ السابق فإعادته ناقصاً.
وها هو، الآن، بعد ست سنوات يراها ترتدي سترتها الجلدية السوداء وبنطال الجينز الأسود، وها هو يرى قصة شعرها المائل إلى السواد، ويرى وجهها حنطي اللون الضارب إلى الصفرة يراها تارة مع صديقها عازف الموسيقى، وطوراً مع طفلتها التي لا تعرف أباها، ويرى أيضاً ابتسامتها الودودة الهادئة الناعمة، يراها تواصل حياتها غير مكترثة للشاب الإيطالي غير المسؤول، ويراها أيضاً تسير واثقة من خطاها، ويتحسس فيها طيبتها التي ما زالت تبعث فيه ذكراها. ويتساءل الآن، بعد ست سنوات، لماذا تلح تلك المرأة التي حاولوا تشويهها وإشراكها في لعبة مملة على ذاكرته؟ ولماذا يبصرها كلما أبصر تلك التي لم يعد يرغب في رؤيتها؟ وكل ما يستطيع أن يقوله، الآن عنها أنها لا تفلت من الذاكرة بسهولة.
ملاحظة: نشرت هذه القصة في الأيام ( رام الله ) بتاريخ 7/8/1997، ويعود زمنها القصصي إلى بدايات 1988.
البصاص
حدث ذلك فجأة
كان ذلك ظهيرة يوم جمعة، ولم يكن يتوقع ما جرى، جاء الشرطي وطلب منه أن يرافقه إلى مخفر الشرطة القريب، وبعد دقائق وجد نفسه في الزنزانة وحيداً، وفيها أنفق سبع ساعات بلا طائل، هذا ما اعتقده، فلم يفعل شيئاً سوى أنه كان وصديقه الذي غادر قبل لحظات يقفان في غرفته ويطلان، من نافذتها التي تشرف على ساحة بيت الجيران، على مخيم الحسين. وحين حاول أن يعرف سبباً لذلك اتهمه الشرطي دون أن يصغي إلى وجهة نظره، بأنه يتلصص على بيته ويغازل ابنته.
وفي الزنزانة أخذ يقرأ ما كتب على جدرانها غير مكترث كثيراً لامتحان الغد الذي كان يعد له، فهو يحفظ المادة، وإن كان بحاجة إلى مراجعتها ذلك المساء حتى تثبت في ذهنه جيداً، وقال مخاطباً ذاته: سوف أطلب من الأستاذ، إن استمر وضعي على ما هو عليه حتى الصباح، تأجيل الامتحان، ولما أنهى قراءة الكتابات كلها جلس على أرض الزنزانة يبحلق في الفراغ.
" هكذا إذن، أن تقبع في هذا المكان لأنك كنت تنظر من شباك غرفتك، وكأنك قلت لابنة الشرطي أن تقف لتنظر أيضاً إلى شباك غرفتك التي أقمت فيها حديثاً. وماذا لو ظلت تنظر إليك طيلة النهار؟ هل ستذهب إلى مركز الشرطة لتشتكي عليها بحجة أنها تنظر إلى شباك غرفتك، وتلك المرأة، سيدة المنزل التي تطل شرفتها على سطح البناية التي تقيم فيها، ألا تظل طيلة النهار جالسة على شرفة منزلها منتظرة زوجها حتى يعود من عمله. فَهَلْ يحق أن تتهمها بأنها تغازلك.
وضحك كثيراً حين قصّ عليه صديقه الذي يقيم في الغرفة. قصته، وصديقه المسيحي مع أهل البناية. في البداية غبط صديقه، على غرفته لأنه أخذ يقارنها بالغرف التي أقام فيها من قبل، وبتلك التي يقيم فيها الآن في وادي الحدادة. فقد بدت له الغرفة ممتازة جداً، فهي واسعة من ناحية وتقع في جبل الحسين من ناحية أخرى، وكان جبل الحسين، في بداية السبعينيات يعتبر حياً راقياً، من أحياء مدينة عمان التي كانت مدينة صغيرة، واستغرب، يوم دخل بيت جورج حبش الذي كان يقع أيضاً في جبل الحسين ذاته، أن يكون الحكيم شيوعياً وبرجوازياً في الوقت ذاته، ولم يكن يدرك أن من حق الشيوعي أن يحيا حياة حرة كريمة وأن يتمتع بقدر لا بأس به من الرفاهية، وأخذ وهو في بيت الحكيم، يهمس: " وها أنا الكادح ارتع بعض ساعات في بيتك، وأتعرف على عادات البرجوازية الفلسطينية الصاعدة، التي حلت مكانك" . وفيما بعد أخذ يصغي إلى شاب فلسطيني من اتباع الحكيم – وكان تعرف إليه عن طريق فتاة أراد الشاب أن يتزوجها ورفض أهلها لأنه ذو توجه سياسي – وهو يلعن البرجوازية الفلسطينية التي تلومه الآن لسلوكه ( لقد كنا في أيلول، نقاتل دفاعاً عن الثورة، وكان البرجوازيون يبحثون عن بيوت القادة ليشتروها. هكذا يكافأ الثوريون ).
وضحك كثيراً وهو يصغي إلى صديقه، وعقب على كلامه: " هذا غير معقول، هذه قصة لم أسمع بمثلها من قبل "، ولم يسمع، على الرغم من تجاربه في المخيم ومشاهدته لمعظم المشاكل التي عانى منها أهله، بقصة تشبه هذه، وربما يكون السبب في ذلك عائداً إلى أن المخيم الذي أقام فيه، لم يكن حتى نهاية السبعينيات، يتكون من بيوت ذات طوابق عديدة، وإنما كان لكل عائلة بيتها الأرضي الذي يفتقد درجاً يصعد المرء عليه ليصل إلى سقف البيت، ويتمكن لذلك من كشف بيت الجيران، ولم يكن أيضا يعرف حياة المدينة جيداً، على الرغم من أنه دخل بيوتاً في نابلس القديمة يكشف سكانها بعضهم البعض بطريقة لافتة، ولكنهم لا يكترثون لهذا، لأنهم من أبناء عائلة واحدة. ولعله لم يصغ إلى أحاديث تتمحور حول خلافات سببها البصبصة. لقد سمع وهو في المخيم، حكايات وحكايات وكان شاهداً على مشاكل كثيرة حدثت بين الجيران. شاهد مثلاً الشباب البالغين وهم يقفون أيام الخميس مساء قرب شباك حمام هذه الدار أو تلك، ليشاهدوا، من خلال الثقوب التي كانت تبرز بين ألواح الخشب الثلاثة التي يتشكل منها الشباك، جسد هذه الفتاة أو تلك، وليستمتعوا بذلك أيما استمتاع، حتى إذا ما كانوا وحدهم في منطقة حرجية خالية من السكان تذكروا المنظر ليجلب لهم اللذة، وسمع من أقرانه مثلاً أن جارهم الذي تزوج حديثاً كان يضاجع زوجته قرب المساء في ساحة منزله،وأنهم شاهدوه مراراً من تحت عتبة الباب، وطلبوا منه، حتى يصدقهم، أن يأتي ليرى هذا بأم عينه، وأصغى إلى الناس يتحدثون عن مشاكل كثيرة، مثل مغازلة شاب لفتاة، أو مضايقة رجل في أيام توزيع المؤن لامرأة تقف أمامه لاستلام حصتها، وشاهد هذا شخصياً يوم كان في الجامعة، فقد لاحظ صديقاً له يفعل ذلك، ولم يصمت هذا الزميل فقد قص عليه أكثر من هذا. وعاش شخصياً ما كان يحدث في أيام الصيف مساء: فجأة كان الجيران يخرجون من بيوتهم ليستفسروا عن من قذف الحجارة على بيتهم، وفجأة تبدأ المعارك بينهم، فيما ينظر الذين ضربوا الحجارة إلى المتقاتلين مستمتعين بالصراخ والشتائم ومد الأيدي واستدعاء الشرطة وتجمع أهل المخيم كله في مكان المشكلة، وما زال يتندر بقصة المرأة التي رأت شخصاً يضاجع حمارتها، فذهبت لأهله تطلب نصف رطل شعير مقابل ذلك.
" هذا غير معقول، هذا الذي تقصه لم أسمع به من قبل،أنه شيء جديد " قال لصديقه الذي أضاف: " أنهم يريدون أن يرحّلوا صديقي المسيحي ". وتابع صديقه بعد لحظة: " وأنا لا أستطيع أن أدفع ثمن أجرة البيت وحدي " وسأله: " فما رأيك في أن تأتي وتقيم معي؟ ".
لقد أعجبته الغرفة كثيراً، فالغرفة التي يقيم فيها كانت معبراً لا أكثر ولا أقل، ثمة بابان لها، أولهما في جهة الغرفة الغربية، وثانيهما في جهتها الشرقية، وهي تطل على واد لا يبعث الراحة في قلب الناظر إليه. فأمامها بيوت جرداء لا شجر حولها ولا تنظيم لها، ولولا الساحة الواسعة التي كان فيها ينفق ساعات يقرأ لشعر أنه مدفون في الحياة، وقد دهش يوم أقام فيها، لا لسوئها وإنما لأَنَّ صاحبها الأردني فضل أن يؤجرها بمبلغ عشرة دنانير، على أن يقيم شخصياً فيها، مكتفياً بالإقامة مع عائلته في البناء الأرضي، صاحبها هذا الذي لم يره إلا مرة واحدة، وذلك حين جاء في منتصف الليل شاهراً مسدسه لاعناً الطلبة وأباء آبائهم، هؤلاء الذين لم يتركوه ينام، وذلك بسبب احتفالهم الذي طال حتى ساعة متأخرة.
وقال لصاحبه: " أنت محظوظ لأنك وجدت هذه الغرفة، وأخذ يقص عليه عن الغرف التي أقام فيها في السنتين المنصرمتين اللتين أنفقهما هنا وهو يدرس في الجامعة الأردنية: " كانت الغرفة الأولى التي أقمت فيها في منطقة الجبيهة الباردة في الشتاء جداً، ولما شعرت بالوحدة وبعد المنطقة عن المدينة، فكرت بالرحيل إلى صويلح، وهناك رأيت دكان حلاقة قرر صاحبها تحويلها إلى غرفة ليؤجرها للطلبة، ولكنني لم أتفق مع صاحبها على الرغم من إن أصدقائي الذين حثوني على استئجارها ظلوا يسخرون من حياة الطلبة والغرف التي يستأجرونها، فعدت إلى المخيم قائلاً: من المخيم ابتدأنا وإلى المخيم نعود، وهناك أقمت في غرفتين لمدة عام، ولم يكن مخيم الحسين، كما تراه، بأفضل من مخيمنا، ولما انتهى العام الدراسي الأول تركتهما لتؤجرهما صاحبتهما العجوز التي تقتات من وراء أجرتهما، وفي العام الثاني أقمت في جبل النزهة مع صديق من المخيم ذاته، وبقينا في الغرفة التي لا حمام لها عدة أشهر حتى وجدنا شقة في جبل الحسين، بالقرب من المخيم، وسرعان ما غادرتها، لأمور خاصة، لأقيم في وادي الحدادة، في الغرفة التي رأيتها، هكذا هي غرف الطلبة، ولا مساكن في الجامعة لهم، والسبب في ذلك، كما اسمع، أن الحكومة، بعد أيلول، تخشى من تجمعات الطلبة، ولهذا أوجدت الجامعة سكناً للطالبات فقط" .
ولم يتردد في القبول على الرغم مما سمعه من صديقه، حمل أغراضه القليلة، ووضعها في السيارة، وأقام في غرفة واسعة على سطح بناية تتكون من طابقين: أرضي وأول، وشعر صديقه بارتياح كبير، قال له: الآن ربما تنتهي المشاكل على الرغم من قناعتي بأنها كانت مفتعلة، وأن الاتهامات التي وجهت له لم تكن صحيحة، وكان أصحاب البناية يقيمون في الطابق الأول، فيما كان بعض الطلبة، وكان واحد منهم يدرس في قسم علم الاجتماع، يقيمون في الطابق الأرضي، وتعرف إلى سكان الطابق الأول: امرأة سجانة وابنتاها وزوجة ابنها التي قدمت من مصر، ولم يكن في البيت سوى طفل صغير، وعرف، فيما بعد، أن إحدى بنات المرأة تدرس الطب في الجامعة، فيما كانت الأخرى التي طلقها زوجها ربة بيت.
وظل، وهو في الزنزانة يحملق في الفراغ، هبط الليل، ولم يستطع النوم، وفي الحادية عشرة مساء جاءه صديقه الذي عاد لتوه من اربد وعرف القصة من صاحبة البيت، وتوسط لدى الشرطة علهم يطلقون سراحه بكفالة. وغادر الزنزانة على أن يعود في اليوم التالي لاستلام هويته، فيما أنفق الليل كله يفكر فيما جرى، ولم يكن قادراً على استيعاب أي سطر، كانت عيونه وهي تمر على صفحات الكتاب لا ترى سوى الزنزانة والشرطي وابنته.
وقال لصديقه: " كنت أعتقد أنها مؤامرة من السجانة لولا أنها تدخلت معك في الأمر لإطلاق سراحي " وقص عليه الحكاية كما حدثت، وتابع حديثه : " ويبدو أن ما قلته لي عما حدث مع صديقك كان مجرد كذبة، أنهم يريدون الغرفة " وأصر صديقه على نفي ذلك، ذاهباً إلى أن الشرطي الذي يغازل النساء بعيداً عن بيته يخاف على أهل بيته، وأنه سمع من السجانة أنه متشدد جداً، على الرغم من أن ابنته لا تمانع في أن يغازلها شاب ما.
وكانت المرأة المطلقة تصعد بين الحين والحين إلى سطح البناية، وتنظر إليهما نظرات حقودة، فلم تكن، خلافاً لأختها الطالبة، تبادلهما وداً بود.وتعاطفت زوجة أخيها معها، على الرغم من أن هذه المرأة المصرية التي كان زوجها في الخليج، لم تكن تستطيع الخروج عن طبيعتها، فكانت تبادلهما، أحياناً، عبارات لا تخلو من مجاملة.
ولم يختلف الأمر حين غادر الشاب المسيحي. اختفت المشكلة التي حدثه عنها صديقه لفترة، ولكنها عادت لتبرز من جديد، أخبرت المطلقة أمها بأن ملابسها الداخلية سرعان ما تختفي بعد أن تنشرها على السطح. ويوم قالت هذا، وكان صديقه في اربد، قال للأم ولابنتها: يمكن أن تربطا حبلاً بين طرفي النافذة وتعلقا الملابس هذه عليه وتنتهي القصة، ولم يكن يشك في صديقه، الذي أخبره عن علاقته الغرامية بفتاة من المخيم أهداها، ذات نهار، بعض الملابس الداخلية، وأصر على رؤيتها وهي ترتديها، وأصرت المطلقة على نشر ملابسها على السطح قائلة: من لا يعجبه الأمر فليرحل.
وكان طالب علم الاجتماع القادم من الخليل يلح على المرأة صاحبة البيت بتأجيره الغرفة، تارة بحجة أنه يريد أن يتفرغ لدراسته، وبخاصة أن سنته هذه هي السنة الأخيرة، وطورا بحجة أن أهله سيأتـون لزيارته حتى يحتفلوا أيضاً، في نهاية العام، بمناسبة تخرجه.
وحين اقترح على صديقه البحث عن غرفة أخرى، لأنه كان غير قادر على استيعاب ما يجري، أصر صديقه على رفض ذلك قائلاً: نبقى حتى نهاية العام الدراسي ثم نغادر في منتصف حزيران، فما تزعمه ابنتها ليس أكثر من حكاية اخترعتها حتى يخلو لها الجو.
في اليوم التالي، بعد أن عاد من الجامعة توجه إلى مركز الشرطة في جبل الحسين لاستعادة هوية الجامعة التي تخصه، قال له الشرطي: طالب جامعي وتفعل هذا، ورأى أن شرح الأمور كما جرت ضرب من العبث، ولم يفلسف الأمور كثيراً، فلم يقل ما كان يفكر فيه: إذا كان الشرطي يخاف على بناته، فعليه أن يتركهن في غرفتهن، وليس من حق أحد أن يمنع الأخر النظر من نوافذ البيوت التي أقيم فيها، وآثر الصمت لأن غريمه، هذه المرة، هو الشرطي، وليس عبثاً أن قال الناس: إذا كان القاضي غريمك فلا تشتك إلا لله.
أكتب، قال له الشرطي، وأضاف: " أنا الموقع أدناه أتعهد بأَلا أبصبص من الشبابيك مرة أخرى "، وكاد ينفجر ضحكاً لولا أنه خاف من لكمة تأتيه فجأة، اعتذر في البداية عن الكتابة لأنه لا يريد أن يكتب ما يدينه، فما كان من الشرطي إلا أنه نادى على زميله قائلاً: خذه إلى الزنزانة، فغمزه الشرطي وهمس في أذنه: أكتب، وسوف تمزق الورقة بعد مغادرتك.
وسار باتجاه الغرفة، غير مكترث إلى لافتة البقالة التي تعرف، من قبل، على صاحبها. ولم تكن اللد التي كان يقرأ اسمها ليتذكر وطنه سوى رمز فارغ من محتواه، ولم يفكر كثيراً في زيارة أقربائه الذين أقاموا في بيت جورج حبش. واخذ يصعد الدرج وهو يفكر في أمر المطلقة وطالب علم الاجتماع والشرطي والسجانة التي أخذت، فيما بعد، تمنع عنه وعن صديقه المياه بحجة أنها لا تصل أيضاً إليها، ولم ير من بعد، من نافذة غرفته التي ظلت مغلقة حتى منتصف حزيران، مخيم الحسين.
ملاحظة: كتبت في 17/12/1996 ونشرت في جريدة البلاد ( القدس ) بتاريخ 18/6/1997.
وجهة نظر المتلمس في مصرع
طرفة بن العبد
تضايق كثير من الناس مما قاله المتلمس عن طرفة. رأى كثير منهم أن الواجب يتطلب منهم أن يتدخلوا لمنع المتلمس من إبداء آرائه. " الجميع سيموت "، " لا تدري نفس بأي أرض تموت "، كانوا يقولون هذا ليدافعوا عن سلوك طرفة. وأصر آخرون على مجابهة المتلمس حتى لو أدّى ذلك إلى العراك، والتزم بعض الناس الصمت، ربما لأنهم اقتنعوا بوجهة نظر المتلمس، أو ربما لأنه شاخ مبكراً فأخذ يهذي. وكاد الحديث الذي تواصل، حول مقتل طرفة، أن يؤدي إلى خلافات حادة الناس في غنى عنها في هذا الوقت، ولهذا فقد رأى عقلاء القوم أن مصرع طرفة خاص به، وإن كانت حالته ليست حالة فردية، فكثيرون هم الذين يهاجرون، وللمشكلة أبعاد أخرى يجب أن ينظر فيها، وما طرفة إلا ضحية من الضحايا التي تزداد كل يوم، والموت في الغربة مأساة.
-2-
كان المتلمس يروي قصة طرفة على النحو التالي:
كنا نسير معاً، وكان تأثيرنا كبيراً لدرجة أن عمرو بن هند لم يحتمل وجودنا. ولقد أثاره طرفة. حاول عمرو أن ينفيه، لكنه لجأ إلى طريقة ذكية، فالنفي سيثير نقمة الناس، وربما يؤدي إلى المجابهة. وفكر في أن يقتله، ولكن قتله في حدود مملكته سيحرك قبيلة طرفة، وربما تقتل هذه شخصاً يفوق في مركزه مركز القتيل الأول. وفكر عمرو أن يسجن طرفة، وتراجع لأن القبيلة أيضاً قد تتمرد وقد لا تهدأ الأحوال. وهنا استغل عمرو ذكاءه: لا النفي ولا السجن ولا القتل داخل حدود المملكة، ولما اقترح على مساعديه إبداء رأيهم، قال بعضهم: طرفة دون عمل، ولا بد أنه سيهاجر، فلنضيق عليه سبل العيش، وقال آخرون لن يهاجر طرفة، سيستف ترب الأرض، وليس لك إلا أن تغريه من خلال كبار تجار البلد. يتظاهر هؤلاء بعطفهم عليه، ولكنهم في الحقيقة يريدون أن يتخلصوا منه. إنهم يخشون لسانه، الذي سرعان ما يمتد ليهجوهم إنّ جاع.
وحين التقى عمرو بن هند بالتجار، أعلمهم بهجاء طرفة له، وخاطبهم قائلاً: إن لم تفعلوا شيئاً لإبعاده فسيعود ويهجو الجميع، إنه عاق لم يعد يؤمن بالحَسَبِ والنسب والجاه. ما يهمه الرغيف، الرغيف فقط. لعلنا إنْ أطعمناه اكتشف أننا نخشاه، وربما يزداد وقاحة، ولا حل إلا أن يهاجر، لا بد من إبعاده إلى البحرين. هناك أصدقاؤنا وسيتدبر هؤلاء أمره. أخبروه أننا سنعينه في منصب مهم، وسنعطيه ما يريد من مال وأشياء أخرى.
-3-
لما جاع طرفة أخذ يبحث عن رزقه. تمكن في البداية من توفير لقمة عيشه، لكن ارتفاع الأسعار سرعان ما جعله يحتاج إلى المزيد من المال حتى يُصرّف بقية أيام شهره. بدأ طرفة يشكو. أسمع الكثيرين عن ضائقته التي يمر بها. اقترح عليه بعض أصدقائه أن يغادر، فيم حثه آخرون على ضرورة البحث عن عمل إضافي، له ولغيره ممن يهمه أمرهم، فالمشكلة ليست خاصة به، وثمة كثيرون يعانون مما منه طرفة يعاني.
تردد طرفة في البداية، وتساءل: هل أغادر؟ هل أظل هنا؟ وفكر في أن يعرض الأمر على المتلمس فهذا مجرب خبر الأمور والدنيا جيداً.
" أيها المتلمس " قال طرفة " لقد اقترح علي أحد التجار أن أغادر إلى البحرين فثمة عمل هناك، وفرص العمل مغرية.. السكن والنقود والخادمة وأشياء أخرى لا تحصى.
وحين أعود، بعد خمس سنوات سأمكثها هناك، سأفتح متجراً وأبني مسكناً وأتزوج المرأة التي تروق لي. لقد أعجبتني ابنة التاجر، ولقد لاحظتها اليوم وهي تقدم لنا بعض الشراب. ابتسمت لي فابتسمت لها، ولما رآني والدها التزم الصمت، والسكوت علامة الرضا.
" لقد قال لي التاجر ما اقوله لك يا طرفة، ولكنني تساءلت عن سبب هذا الاهتمام الزائد. هناك أمور لا أستطيع الإجابة عنها. أعطاني ظرفاً مغلقاً كالذي أعطاك إياه، ولكنني قررت، بعد طول تفكير، البقاء هنا. وحين تخيلت ما سأكون عليه هناك بصقت على نفسي: النقود النقود، سوف أصبح رقماً يتحدث عن أرقام. سأبدأ أعد سنواتي الباقية، ولسوف أحتقر لأنني سأصبح أجنبياً، على الرغم من أن الناس هناك يتكلمون لغتي. وفوق هذا ما الذي سيفعله الناس الذين يظلون هنا، ممن لا يستطيعون المغادرة إلى هناك، سوف يموتون جوعاً، ولذا يجب أن نبقى هنا يا طرفة، ويجب أن نعمل معاً وأن نفكر معهم في خلاص لنا ولهم.
واستمر المتلمس في محاولاته لإقناع طرفة بالبقاء وبعدم الرحيل، غير أن طرفة سافر. " وعرفت فيما بعد أن التاجر اتهمني أمامه بالخرف والكهولة المبكرة، وأنني أعيش كما يعيش أجدادي ممن يكتفون بكأس الحليب ورغيف الخبز، ويؤثرون الجلوس على الأرض، وأن التاجر خاطبه: أتريد يا طرفة أن تحيا كما يحيا المتلمس؟ أتريد أن تقيم في خيمة واحدة مع أهلك؟ هناك النقود التي من خلالها تنال احترام الناس، النقود التي تستطيع بها أن تتزوج ممن تريد، وأمّا إن بقيت هنا فقيراً فلن ترضى بك إلاّ الفقيرة مثلك، وحتى هذه قد تفضل عليك واحداً ممن يعودون من تلك البلاد، فالناس، كما تقول، يريدون لبناتهم أن يرفلن بأثواب السعادة والهنا، وكما يقولون من يملك درهماً يواز درهماً.
-4-
قبل أن يصل جثمان طرفة إلى المكان الذي نشأ فيه، كان المكان هائجاً ومائجاً، وكانت حركة الناس مثل حركة الناس يوم الحشر، دخول وخروج وذهاب وإياب وتساؤلات كثيرة يثيرها الصغار والكبار والنساء، أصوات ترتفع وأخرى تنخفض، ومجموعات من البشر لا حصر لها، حتى أن أحداً من أهل المكان لم يمكث خارجه: " شاب مثل عود الخيزران… يا للخسارة، ومن لم يبك طرفة بكى والده الذي مزق الرسالة التي جاءه فيها نعي ابنه.
لقد بكى والده حتى ابيضّت عيناه من الحزن، ولم يجرؤ أحد على أن يسأله إن كانت الورقة توضح سبب الموت.
وقال أحد الموجودين، وكان حلف بالطلاق ألاّ يعود إلى البحرين حتى لو هلك هنا جوعاً، لأنه ذاق من الغربة ما ذاق، قال:
هناك يموت الإنسان من الحر، هناك لا يستطيع المرء أن يسير، في النهار، خمس دقائق. ومن ضربته الشمس مات على الفور. الجو هناك خانق، ولربما مات طرفة لشدة حرارة الجو. هناك النار ". وقال آخر:
" ربما مات طرفة فجأة. ربما توقف قلبه لأنه لم يستطع احتمال الأوضاع السيئة التي يعاني منها المغتربون.
ربما قالوا له: أجنبي ما الذي جاء بك إلى هنا، هل نبذتك القبيلة، وبعت ما لديك من أشجار النخيل. لقد قال لي الملاعين هذا ".
" يتحول الإنسان هناك إلى عابد أرقام، كل ما يهمه مقدار المال الذي يملك. هناك تنتهي العلاقات الإنسانية، وهناك يطردك من يملك البيت متى أراد. يطالبك بالمزيد من الأموال، وإن لم تدفع تجد نفسك بلا منزل. وهناك يحللون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم. لو بقيت هناك لانفجر قلبي. ربما انفجر قلب طرفة المسكين.
كان المتلمس يصغي إلى هذا الكلام كله، ولم يستطع تمالك أعصابه، وانفجر صارخاً:
" يا ناس، لم ينفجر قلب طرفة، ولم يمت من شدة الحرارة، فنحن في مكان يعاني أيضاً من ارتفاع درجتها، هنا أيضاً نار موقدة. يا ناس، كان طرفة هنا أيضاً يرى الفساد، ولم يمت غيظاً لهذا. لقد كان يحتمل هذه الأمور كلها. كان يدرك أن الصبر مهم جداً، وكان غالباً ما يكرر: لم يحن الوقت بعد! "
وصمت المتلمس… حدق فيه الحضور وكلهم آذان صاغية… كان هؤلاء يريدون أن يصغوا إلى وجهة نظره، وحتى الذين أرادوا مواجهته يوم قال: " طرفة من أراد هذا ولا داعي للحزن " أصغوا إليه وصمتوا وهو يتكلم.. ولما صمت وطال صمته قالوا له: قل ! هات ما عندك! وحين أجابهم: " ما نفع الكلام، ستقولون إنني أخرف وأهذي بما لا أدري، وإنما أتشفى بطرفة لأنه عصى أمري "، قالوا: نحن لم نتهمك، لقد أردنا مواجهتك لأنك لم تكترث لموته. لقد تصرفت أمام والده تصرفاً شاذاً. كأنه ليس من أبناء القبيلة، كأنك عدوه.
" لقد قتل طرفة نفسه.. أراد المال والذهب… أراد الزواج من تلك التي ابتسمت له… تخيل أن التاجر يحبه.. أراد كل شيء، لنفسه ولم يسأل عنكم… صحيح أنهم غرروا به ولكنهم نجحوا في قتله. كان لسانه سليطاً، فأرادوا التخلص منه… هم الذين قتلوه " وارتفعت الأصوات:
من… من هم؟ كأنك….
كأني… ماذا؟
لا شيء…. تكلم
طرفة مات ب……
ب… ب…. ماذا. قل!
لم يكن التاجر مغفلاً، وكذلك عمرو بن هند. لقد هجاهما.
ونسي أنه هجاهما. ظنهما ينسيان. اعتقد أنهما طيباً القلب، ولكن عمرو بن هند قرر التخلص منه. وأما التاجر فلم ينس تلك النظرات التي رآها في عيني طرفة يوم زاره في بيته.. أدركت هذا، وحين قرأ لي الطفل الرسالة التي أرسلها معي عمرو بن هند لم يصدق طرفة أننا ذاهبان إلى حتفنا، وواصل طريقه إلى البحرين.
نابلس 1979.
ونشرت في جريدة " الفجر "،
وأجري عليها بعض التغييرات
وانصرفت لأتسكع في شوارع مدينة (بامبرغ) قتلاً للوقت وتمتيعاً للعين وتزويداً للذاكرة بهذا الذي نفتقده في بلادنا: منظر النهر ومقاهي الشوارع وواجهات المحلات الأنيقة والوجوه الجميلة، وجوه النساء ووجوه الأطفال الجميلين الأنيقين أناقة ما كنت أعرفها، ذات يوم، في الحلم. توقفت أمام الإشارة الضوئية منتظراً أن تعطيني الإشارة حتى أقطع الشارع نحو ضفة النهر، ولم أكن التفت خلفي لولا ملامسة يد، بقصد، كتفي. كانت يد طالبة جامعية نحيفة ذات شعر قصير ناعم، ونظارات. وبادرتني بالسؤال: أما زلت تذكرني أم نسيت؟ وحين أجبتها أنني ما زلت أذكرها، وما زلت أيضاً أذكر مدينة ( أوجسبرغ ) والرحلة الجامعية، قالت لي: إنك تتمتع بذاكرة جيدة. ابتسمت لها وقلت مداعباً: كل هذا بفضل جمالك.
وسرنا، بعد أن سألتني إن كان لدي متسع من الوقت، باتجاه مقهى الطلبة القريب. جلسنا هناك، وكان الهدوء بادياً، فلم يكن إلا بعض طلبة ممن لم يغادروا المدينة إلى أماكن أخرى، مؤثرين، على ما يبدو، إنجاز ما عليهم إنجازه من أبحاث أو رسائل تخرج.
سألتني عما أفعله في الإجازة وأخبرتني عن أحوالها. ثمَ أخذنا نتحدث عن الطقس. سألتها إن كانت، مثلي، لا تحب الخريف، فلم تُبدِ جواباً. ولكنها استفسرت مني عن سبب موقفي العدائي من هذا الفصل. قلت لها: في الخريف أشعر بالملل، وقد تصيبني حالة من الاكتئاب. وأضفت بعد لحظة صمت: وأفضل فصل الشتاء على الخريف.
نظرتُ إلى الساعة فسألتني إن كنت على موعد ما.
أجبتها: إنها عادة أخذت تلازمني، فالوقت، في الإجازة، كثير، ولا أعرف كيف أقتله. وبعد قليل وقت جاءت الفتاة التي تعمل في المقهى فنقدتها ثمن مشروبينا. شكرتني الطالبة وأعطتني رقم هاتفها، وقالت لي: بإمكانك أن تتصل بي متى تشاء. وافترقنا، بعد أن أبلغتها أنني سأسافر، شتاء هذا العام، إلى بون.
بعد أسبوع استبد بي، مساءً، الضجر، فتذكرتها. بحثت عن رقم هاتفها، وخرجت إلى الشارع، ورفعت يد الهاتف العمومي، ولما أجابت سألتها إنْ كانت ترغب، في هذه اللحظات، في الخروج إلى مكان ما أو في زيارتي، فأجابتني أنها ستكون في منزل الطلبة الذي أقيم فيه بعد نصف ساعة.
صنعت القهوة ودخنْت سيجارة وأخذت انتظرها. فلم تكد المدة المحددة تنتهي حتى قرع الجرس. فتحت لها الباب فدخلت. سألتها إن كانت لديها الرغبة في شرب القهوة في هذا الوقت الذي يقترب من الثامنة مساء، فاعتذرت وفضلت أن تشرب عصير البرتقال. احترمت رغبتها، فقد كنت ألاحظ أن عدداً بين الطلبة لا يشربون القهوة بعد الرابعة عصراً حتى لا يؤرقوا ليلاً.
ونحن نتحادث سألتها: لماذا لا تقيمين في منزل الطلبة؟ فأخبرتني أنها حاولت ولكنها لم تحصل على غرفة، وهذا اضطرها إلى الإقامة في شقة غير مريحة، شقة تبدو غرفتها فيها شبه ممر، وهذا يحول دون تمتعها بحريتها وتصرفها كما تهوى. وأخبرتني أنها ترغب، قريباً، في الانتقال إلى غرفة مستقلة، وأنها ستدعوني، في حينه، إلى زيارتها، وليس الوقت ببعيد، فهي ستستلم الغرفة قريباً، وستنتهي من تأثيثها في فترة قصيرة جداً.
صمت للحظة ثم سألتها إن كان لها صديق، وبخاصة أنه مرّ عام على قدومها إلى المدينة. أجابتني أن صديقها يقيم في مدينة ( بايرويت ) القريبة، وأنها ستسافر إليه في نهاية الأسبوع، فقد دعاها وأصدقاء آخرين للاحتفال معاً.
ولم أسألها عن رأيها في العلاقة التي تقوم بين طرفين يقيمان في مكانين مختلفين، ولكنها أخبرتني أنها شخصياً لا ترغب في مواصلة العلاقة معه. ولم يكن يخطر ببالي أن المرأة إذا ما فكرت في إقامة علاقة فمعنى ذلك أن علاقتها السابقة قد انتهت أو أوشكت.
نظرت إلى وجهها ذي الملامح الناعمة الدقيقة وتلاقت أيدينا معاً. ترددت، ابتداء، قليلاً، وقالت: ولكننا لم نتعارف، بعد، جيداً. احترمت مشاعرها ورأيها، وسألتها: ما رأيك في أن نخرج معاً إلى البار القريب، إلى بار الطلبة، فرحبت بذلك وخرجنا.
عندما اقتربنا من بار الطلبة دعوتها لكي تدخل أولاً، فاقترحت أن نواصل السير باتجاه بار آخر يتردد عليه طلبة كلية الاقتصاد والتجارة، ولم أمانع، فأنا أرغب في معرفة الكثير عن هذا العالم. دخلنا إلى البار الصاخب وشربنا البيرة ثم قدمتني إلى معارفها، وأنفقنا معاً ساعتين ثم غادرنا المكان باتجاه منزل الطلبة.
في الطريق تلاقت أيدينا من جديد. كانت يدها حارة دافئة. تحدثنا بفرح وبدت مسرورة جداً. سألتني أولاً عن رأيي في ألمانيا، وسألتني أيضاً عن الطلبة وعن الدراسة هنا، وكنت أجيبها دونما مجاملة. قبل أن نصل إلى المبنى بقليل سألتني عن عمري. فأجبتها دون كذب. قلت لها إنني في الخامسة والثلاثين. لحظتها سحبت يدها من يدي، وقالت بعد لحظة: كنت أظنك في السابعة والعشرين. وكانت هي في العشرين من عمرها.
حين اقتربنا من باب منزل الطلبة سألتها إن كانت لديها رغبة في الدخول. نظرت إلى الساعة وقالت لي: إن الوقت متأخر الآن. ولم تفصح عن مشاعرها التي تشكلت لديها بعد أن عرفت أن هناك فارقاً في السن كبيراً. واستقلت عجلتها فيما كنت أدير المفتاح في أكرة الباب، ودخلت إلى المبنى الذي كان يخيم عليه صمت يوحي لك بأنك وحيد في الخلاء. للحظات انتابتني حالة من الحزن والضجر، وشعرت بأنني وحيد. أشعلت التلفاز وأخذت أفتش عن برنامج ينقذني من حالة الحزن، وبعد ذلك أطفأته وغططت في نوم عميق.
فيما بعد، حين كنا نلتقي معاً في مطعم الجامعة، كانت تأتي وتقف إلى جانبي وتسألني إن كنتُ على وشك الانتهاء من الدراسة، وتسألني عما أفعله وعما سأفعله بعد الحصول على الشهادة.مثلها مثل صديقتها التي انجذبت في رحلة ( أوجسبرغ ) نحوي، وسألتني إن كنت سأقيم في ألمانيا بعد الدراسة. وكنت أحادثها بود، وكنا أحياناً، بعد أن نفرغ من تناول طعام الغداء، نذهب معاً نشرب القهوة، لنفترق، من ثم، من جديد: هي باتجاه عجلتها وأنا باتجاه منزل الطلبة.
مـلاحــظــــــة: أنجزت هذه القصة في 26/3/1995 ونشرت في جريدة الاتحاد ( حيفا ) في 30/1/2001، ويعود زمنها القصصي إلى خريف 1990.
ملاحظة ثانية: ليس من الضروري أن يتطابق فيها أنا المؤلف وأنا السارد / الشخصية.
أبو حيان يحرق كتبه ثانية
في الحافلة التي تقله من شرق المدينة جاءته الفكرة. نظر إلى يمينه فوجد المقبرة الشرقية على ما هي عليه. قبور فوق قبور، فيم الأحياء على يساره يتسابقون لامتلاك هذه الفانية التي هي ليست سوى دنية، ولكنها تدفعهم إلى تكرار قول عمر: أعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً.
وكلهم يعملون لدنياهم كأنهم سيعيشون إلى الأبد وينسون أنهم قد يموتون غداً.
في الحافلة أخذ أبو حيان يتصفح رسالته التي كتبها إلى صاحبه الذي لامه لأنه أقدم على إحراق كتبه، وكانت شواهد القبور أصابع تشير إليه أن لا خلود إلا لله عز وجل. وشعر بالارتياح، فها هو قبل ألف عام قد كتب " كأنك لم تقرأ قوله جل وعز " كل شيء هالك إلا وجهه، له الحكم وإليه ترجعون".
وفي الحافلة تذكر أبو حيان ما قاله له أحد السجناء ممن أنفقوا سنوات من عمرهم في سجون الاحتلال، وتحولوا إلى تجار كتب، لأن النضال ومقاومة الفساد لا تجر على صاحبها سوى المتاعب: " لا تكتب، حتى تعيش بقية عمرك بهدوء". " وها أنا أعمل بنصيحة من أصبح في ظل السلطة وزيراً"، و" أنت خذ بنصيحته التي أخذت بها فتغيرت أحوالي ليزول دماري وليزداد عقاري.
وفي الحافلة أيضاً بدا يقارن بين البدايات والنهايات، وضحك في سره وهو يقول: " هل كنا حقاً صادقين أم أننا كنا نكذب على ذواتنا؟ " وازداد ضحكاً وهو يرى الدورية الإسرائيلية تسير، جنباً إلى جنب، مع الدورية الفلسطينية، ولم يفطن إلى أن المحطة هذه هي المحطة الأخيرة، وأن عليه أن يهبط من الحافلة التي ارتفع صوت سائقها قائلاً: المحطة الأخيرة يا أستاذ! وسار أبو حيان في شوارع نابلس يذرعها، فيما طارت الفكرة من رأسه وهو يرى بعض الناس يبيعون الصحف.
من جديد عاودته الفكرة. كان أبو حيان يجلس في منزله وحيداً، ولما استبد به الضجر أشعل التلفاز وأخذ يتابع المسلسل المصري " سامحوني ما كنش قصدي"، وشجعه على ذلك أن مخرجه هو الذي أخرج مسلسل ليالي الحلمية، وأن أبطاله هم أبطال ذلك المسلسل. هكذا ذكره الدكتور مرزوق أبو الحسن، حين أقدم على إحراق كتبه، بما كان هو أقدم عليه منذ ألف عام. وقارن بين السلوكين ودوافع صاحب كل منهما، بين دوافعه ودوافع مرزوق، وعاد إلى رسالته التي كتبها ليقراها من جديد.
" ثم أعلم – علمك الخير- أن هذه الكتب حوت من أصناف العلم سرّه وعلانيته، فأما ما كان علانية فلم اصب من يحرس عليه طالباً ".
وتوقف أبو حيان أمام ما كتبه وتساءل: الهذا أحرقت كتبي؟ وهمس:"كل ممنوع مرغوب " وتابع " وكل شاذ لافت للنظر" وكرر التساؤل: الهذا أحرقت كتبي؟الكي تصبح أكثر انتشاراً؟
وتابع أبو حيان قراءة رسالته:
" على إني جمعت أكثرها للناس ولطلب المثالة منهم ولعقد الرياسة بينهم ولمد الجاه عندهم، فحرمت ذلك كله ". وفكر أبو حيان ملياً، وهمس في سره: طلب المثالة وعقد الرياسة ومدّ الجاه، كم أنا بائس؟ الهذا الفت هذه الكتب؟ كأني لم اعتبر من تجارب من سبقني! كأني لم أقل في بداية الرسالة ( كل شيء، هالك إلاّ وجهه)، كأني لم أدرك ما خطته يدي.
" وكأنك لم تعلم أنه لا ثبات لشيء من الدنيا… ما دام مقلباً بين الليل والنهار". كأني لم أعتبر مما حدث للرؤساء والملوك، بل وللدول العظيمة التي ما عادت عظيمة. عقد الرياسة ومدّ الجاه!! كم أنا بائس حقاً!".
وخاطب أبو حيان مرزوق أبو الحسن: " لم تعش كما عشت وها قد حققت ما لم احقق، ومع ذلك فقد أقدمت، مثلي، على إحراق كتبك. ألأنك غدوت خاتماً في إصبع جلنار؟ الأنك أصبحت مسيراً مثل الماكينة؟ " وتذكر أبو حيان ما خطه في الليلة الأولى من كتاب " الإمتاع والمؤانسة " وتساءل إن كان مرزوق أصغى لجلنار وخضع لها حتى تستمر لياليه ولا تتوقف عند الليلة الأربعين، وهو ما حدث، فلقد استمر شهر العسل أكثر من ثلاثين يوماً. ودهش أبو حيان وهو يشاهد مرزوقاً يحرق كتبه. ومن جديد عادت إليه الفكرة التي راودته وهو في الحافلة: أن يقدم على إحراق كتبه من جديد. وعاد إلى الرسالة التي كتبها وأخذ يقرأها ثانية.
" ومما شحذ عزمي على ذلك أني فقدت ولداً نجيباً وصديقاً حبيباً وتابعاً أديباً ورئيساً مثيباً، فشق علي أن ادعها لقوم يتلاعبون بها، ويدنسون عرضي إذا نظروا فيها، ويشمتون بسهوي وغلطي إذا تصفحوها…".
وتوقف أبو حيان أمام عباراته وأعاد النظر فيها، فقد رزقه الله، وهو شيخ في التسعين، بطفلتين نجيبتين" وكأنه زكريا الذي وهبه الله يحيى، ولم يفتقد أصدقاءه الذين تحولوا إلى أعداء، ولكنهم ظلوا يكنون له الاحترام لأنهم رأوا فيه عدواً عاقلاً، ولأنهم يؤمنون بالمثل القائل: " عدو عاقل خير من صديق جاهل"، وكم هم الأصدقاء الذين يجهلون وأن عملوا فلا فائدة من عملهم. وكان أبو حيان يكن لهؤلاء من الاحترام ما لم يكنه لغيرهم، وأن كان يختلف معهم. وأما الرئيس المنيب فلم يطمح إلى لقائه إلاّ إذا أراد أن يدافع عن حقه، ولم يتزلف له أو يتقرب منه، وحين التقى به خاطبه بأسلوبه الذي دوّنه في الليلة الأولى من الإمتاع والمؤانسة، وفيه يقدر أبو حيان نفسه حق قدرها.
وكان أبو حيان يدرك أن ما كتبه تُلوعِبَ فيه، وجلب له من تدنيس العرض ما لا يذكر، وأما الشماتة بسهوه وغلطه ففاق كل وصف، وألصقت به أخطاء الطابعة التي لم يكن هو مسؤولاً عنها.
وضحك أبو حيان، وهو يقرأ ما كتب: " كم أنا بائس " خاطب نفسه وقال: أما كان ينبغي أن أدرك هذا وأنا في أول الطريق؟ ومَن مِن الكتاب مَنْ لم يعان مثل هذه الأشياء؟ وقال: كان علي ألاّ أقدم لهذه الأسباب على إحراق كتبي. كان علي أن أدرك، منذ البدء، أن كل شيء هالك إلاّ وجهه، وكان عليّ، أيضاً أن أدرك أن العلم لا يحرصُ عليه إلاّ لمكسب أو منفعة، وكان عليّ أيضاً أن أفيد من تجارب الأنبياء والمرسلين والفلاسفة هؤلاء الذين فقد بعضهم الولد النجيب، وخسر بعضهم الصديق الحبيب والزوجة، وسلم تلامذة بعضهم بعضهم.
ولكن أبا حيان، بدأ يفكر، من جديد، بإحراق كتبه وكرر " كل شيء هالك إلا وجهه "، وعاودته الفكرة من جديد، ولا يدري لماذا تأتيه الفكرة، غالباً، وهو في حافلة الركاب التي تقله من شرق المدينة إلى وسطها فغربها، ويجيب من يسأله عن السبب في عدم حصوله على رخصة سياقة وامتلاكه سيارة: معنى ذلك أنني لن أكتب، وأنني سأزداد عزلة. وكرر أبو حيان الآية دون أن يتأكد من صحتها ( يخلق الحي من الميت ويخلق الميت من الحي ) وها هي فكرة إحراق الكتب تأتي أيضاً في الحافلة، تماماً كما جاءتني فكرة أحد كتبي الذي حفل بأحاديث ركاب الحافلة، وما أظن أنني كنت سأنجزه لو كانت لدي رخصة وسيارة.
في الحافلة، بدأ أبو حيان يفكر في التكنولوجيا الحديثة، وسخر من نفسه كيف غدا، وهو الذي أنفق سنوات يقرأ كتاب الله وتاريخ العرب ونصوص الشعراء القدامى والجاحظ، كيف غدا أمياً. وحين زار بون في صيف 1996م خربش خربشاته: من لا يُجِدْ استخدام الكمبيوتر فهو أُمي! ولا أدري لماذا أنا كسول في استخدام التكنولوجيا، ولكنه في الحافلة أيضاً ذمّ هذه، وبسببها جاءته فكرة إحراق كتبه، وأدرك أن هذه قتلته مرتين؛ مَرِة لأنه لا يعرف كيف يتعامل معها، ومرة لأنها ولدّت لديه من جديد فكرة العبث. وكرَر: ( كل شيء هالك إلاّ وجهه ".
وأخذ يتساءل أن كان سميح القاسم ما زال يكرر الهي.. الهي لماذا قتلتني؟ وهو يقرأ، هذه الأيام، مقولات نقدية مثل مقولة " موت المؤلف " ولا يدري أبو حيان لماذا لم يلتفت سميح إلى مقولة ( نيتشه ) ومقولة (الن روب جرييه )؟ وخوفاً من أن يتهم أبو حيان بالزندقة كتم في سره مقولة الأول للحظات، ولما لم يستطع ألاّ قولها، قرأ في كتاب نقدي هذه المقولات.
بعد أن جاهر نيتشه بفكرة موت الله، نادى ( ألن روب جرييه ) بفكرة موت الشخصية في الرواية، وها هو ( رولان بارت ) ينادي بفكرة موت المؤلف. لماذا إذن يخلد اسمي. ولماذا لم يفطن هؤلاء من قبل إلى الآية ( كل شيء هالك إلاّ وجهه). " كل شيء هالك، كل شيء هالك!" كرر أبو حيان. ولم يلتفت هذه المرة إلى المقبرة الشرقية في مدينة نابلس – لم يلتفت إلى القبور وشواهدها ليقول: حتى شواهد القبور تشير إلى السماء، وتحمل أسماء أصحابها. وليتساءل: ولكن ما جدوى الأسماء، هذه التي سوف تمّحي بعد حين ليحتل اسم آخر مكان اسمها.
وفكر أبو حيان فيم سيكتبه إلى صاحبه، لو طلب منه هذا أن يوضح له السبب الذي حدا به إلى إحراق كتبه ثانية، وشرع أبو حيان في التفكير بكتابة رسالة جديدة. ولكنه، أثناء ذلك، فكر في أمر الأصدقاء واثر أن يراجع قراءة كتابه " الصداقة والصديق " ثم تراجع عن المراجعة هذه، وراجع عوضاً عنها صفحة ماضيه وأصدقاءه الذين خطوا في كتاب أيامه بعض مآسيهم، وسرعان ما عزف عن ذلك، فكل شيء هالك إلاّ وجهه – أي وجه الله – وتخيل صديقاً وهمياً أخذ يكتب له، وقرر أن يضع الرسالة، بعد أن يفرغ من إنجازها، تحت رأسه، وهو ما فعله ابن زريق، فيما بعد، عملاً بوصية أبي حيان. كتب أبو حيان:
" وأعلم – علمك الخير – أن هذا الكتب حوت من أصناف الكتابة بعض ما جال في خاطري، لأن بعض ما خطر لي ما استطعت أن أقوله لأحد، ولربما تسرب جزء منه، وأنا نائم فإذا ما زرع منزلي بالآلات الجهنمية، بدا ما يدور في لا وعيي لأجهزة المخابرات معروفاً، فهذه، كما قال عنها مظفر النواب تفقس بين الإنسان وثوب النوم وزوجته، هذا إذا كانت الزوجة ليست من جهاز المخابرات.
وأعلم- أيدك الله – أن أكثر ما ورد فيها أساء إليّ إساءة كبرى، حتى من اؤلئك الكتاب الذين يستمتعون بقراءة السير الذاتية التي تكون على شاكلة سيرة الكاتب المغربي محمد شكري، هؤلاء، حين اختلفت معهم، جعلوا من شجاعتي غباءً، ومن اعترافاتي ضعفاً، ومن عشقي سقوطاً، ومن تحرري قلة أدب.
وأعلم – زاد الله علمك – أنهم أخذوا يسقطون ما في نفوسهم عليّ، حتى يبرؤوا أنفسهم، وأنني غَدَوْتُ أجمع في ذاتي الشيء وضده، مثل الوطنية والخيانة، والانتماء واللاانتماء، والسخرية والجد، والكرم والبخل، والعجز والفحولة… الخ… الخ.
ولو توقف الأمر عند هذا لهان الأمر وسهل. فهم غدوا ينشرون مقالاتي في أماكن بعيدة، حتى ظن الناس أن أبا حيان النابلسي غير أبي حيان النابلسي الذي يظهر اسمه في الصحف العربية، الصادرة في عمان وعجمان، وفي دمشق ولندن، وفي القاهرة وفاس. وبدأ الناس لذلك، يرسلون لي شخصاً يحمل اسم شخص كبير يقيم في المنفى، وطبقت شهرته الآفاق، ليقولوا لي أنك مثل هذا، لا مثل ذاك، وأن أحمد دحبور الكاتب ليس أحمد دحبور الطبيب، وشتان ما بين أحمد وأحمد وما بين أبي حيان وأبي حيان، ما بين الكسول الخامل والفذ غير الجاهل، وما أحمد غزة بكسول ولا هو بخامل، أنه فذ غير جاهل.
وأعلم – حفظك الله – أنني فكرت في هذا الكم الهائل من العلوم، في زمن الكمبيوتر والإنترنت، فأدركت أن ( رولان بارت ) لم يقتل المؤلف عبثاً، فليس المهم القائل، لأن الأهم المقول، وليس المهم الفرد، لأن الأهم الجموع، علماً أن حكامنا – أمد الله في عمرهم _ لا يدركون هذا، فما زالوا يرون أن الفرد فوق الأمة، حتى لو جلب حكمه لها أطناناً من التخلف والغمة.
وفوق هذا وذاك، ما الذي سيبقى من ركام كتابتي هذه في ظل هذا الركام من الكتابة والكلام؛ مقالة واحدة، لا تسمن ولا تغني من جوع، قد يسيء قراءتها مؤلف جربوع، فيسيء فهمها ولا يُحسنُ نطقها، حتى إذا ما نسبها خطأ لشاعر وصححته وأظهرت له أنها لأبي حيان، وأبو حيان هذا نابلسي، وليس جزائرياً، قال أن الدكتور محمود السمرة، لا يعرف الويسكي من الخمرة، فلا تفضحني، لأن القصيدة التي نشرت في الجزائر، تجعل من أهل فلسطين حرائر ".
في الحافلة قرّر أبو حيان أن يحرق كتبه من جديد. وكانت نابلس هادئة. وكان المطر الذي انقطع لفترة طويلة في بداية شتاء العام 1999/2000 أخذ يتساقط وكان أبو حيان يسير في سوق الخضار يفكر في أمر كتبه، في زمن الإنترنت والكمبيوتر والعولمة، ويدرك أن لا جدوى من الكتابة، بينما أخذ يفكر في مقالته القادمة.
ملاحظة: نشرت هذه القصة في جريدة الأيام ( رام الله ) بتاريخ 22/2/200.
صديقة عازف الموسيقى
كل ما يستطيع أنْ يقوله، الآن، بعد ست سنوات من عدم رؤيتها، عنها، إنها امرأة لا تَفْلِتُ من الذاكرة. ولا يدري حقاً لماذا تُلحُّ على ذاكرته بين فترة وأخرى. تارة يراها كلما رأى فتاة تشبهها، وطوراً يتذكر قصتها كلما شاهد فتاة صغيرة لا تعرف أباها. وحين يبصر تلك التي تشبهها يود أن يسألها عنها، ولكنه سرعان ما يتراجع فاسم التي تشبهها يذكره بفتاة تعرف إليها، ولم ير فيها سوى مخبرة. ولا يدري، وهو الذي لا يلتفت إلى تفاهات مثل هذه، لماذا يقع فريسة تلك التفاهة.
والآن يتذكر لقاءه الأول العابر، ويتذكر، الآن أيضاً، اللقاءات العديدة التي تمت فيما بعد اللقاء الأول ويتذكر أيضاً اللقاء الذي لم يكن، كما اعتقد، ودياً. طلب منها النقود التي استلفتها منه لتدفع ثمن وجبة غداء، ولم يبتسم لها كما كانت العادة، وإن ابتسمت هي له، ووعدته أن تعيد له ( الفنجات ) القليلة التي تبقت.
كان ذلك في شتاء عام 88و1989، صباح سبت يوحي الجو فيه بأن ثمة أمطاراً غزيرة سوف تسقط، وكان عائداً وزوجته وطفلتاه من سوق المدينة، وقد تسوقا ليوم أحد ينفقانه في منزل الطلبة الذي تقيم هي أيضاً في إحدى بناياته الثلاث، يوم أحد يبدو مملاً ويبعث على السأم والضجر، وبخاصة حين يكون الجو على ما كان عليه، إذ يعني ذلك حرمانه من التمشي على جانب النهر والتحدث إلى الناس الذين سرعان ما كانوا يحدثون الأطفال ويعطونهم الحلوى. وكان يرى العجوز وهي تفعل ذلك دون أن يوحي لطفلتيه بالامتناع عن أخذها، فلم يكن يصغي إلى تلك الإشاعات التي تحذر الآباء من بعض العواجيز اللاتي يكرهن الأطفال. جلس وزوجته على مقعد قرب مكان خصص للعب الأطفال، في جزء من ساحة الورود التي أقيم أيضاً على طرفها مقهى صغير تقدم فيه وجبة الكافيار الروسية، وفي جانب أكبر حمام ( الساونا )، وأخذ يثرثر مع زوجته التي شعرت ببرودة الجو وأخذت ترقب السماء ظانة أن تساقط الثلوج قاب قوسين أو أدنى. وكان يراقب الصغيرتين وهما تتحاوران، إشاريا، مع طفلة تركتها أمها تلهو، وجلست تراقبها عن قرب، علّها تعوض للصغيرة ما فاتها خلال الأسبوع، حيث تقضي الطفلة الوقت كله في صحبة جدَّيها، بعيداً عن أمها الطالبة وأبيها الذي بذر بذرته في أمها وغادر عائداً إلى إيطاليا غير سائل عن طِفْلةٍ لا ذنب لها، هذا ما عرفه من الأم، فيما بعد.
ولم يكترث للرذاذ الذي بدأ يتساقط خفيفاً، فالمنزل ليس عن المكان ببعيد، ولم يُصْغِ إلى زوجته التي أخذت تحثه على ضرورة المغادرة حتى لا تتبلل الثياب، وأخذت، لذلك، تُنادي على الصغيرتين اللتين استاءتا من إلحاح الأم مفضلتين البقاء خارج جدران المنزل، واللهو مع الصغيرة التي تعرفتا إليها للتو، وأخذ ينظر إلى أم الصغيرة التي رأت في لعب الصغار معاً أمراً مفرحاً جداً، وبخاصة أن الصغيرة وحيدة أمها. لقد رأت الأم في الصغيرتين بديلاً لتعلق طفلتها بها، إذ كفت ابنتها عن مناداتها والطلب منها أن تجلس أمامها، على الجانب المقابل للوح الخشب الطويل المثبت وسطه بقائمة من حديد في أعلاها زنبرك يمكن مَنْ يجلس على طرف من الهبوط أرضاً، ولا يرفعه إلى أعلى سوى شخص أخر يجلس على الجانب المقابل.
وانصرف الأربعة تاركين الأم وطفلتها التي أخذت تتابع الصغيرتين وتصدر في الوقت نفسه أصواتاً غير مفهومة، لكنها بدت وكأنها تطلب منهما العودة لمواصلة اللعب، ولما ازداد صراخها قامت الأم من مكانها وأخذت تلاعب الصغيرة.
بعد أيام التقى بوالدة الطفلة، كانت ترتدي بنطال جلد اسود اللون وسترة جلدية سوداء اللون أيضاً، وأخذ يراها، فيما بعد، في اللباس نفسه غالباً. وكان إلى جانبها شاب نحيف جداً.
خَمَّن في البداية أنه والد الطفلة، ولكنه لم يره معها يوم يرى الطفلة معها، ولم تكن قصَّتْ عليه القصة التي روتها له يوم التقيا في غرفة الغسيل الواقعة في طابق العمارة التي تقيم هي فيها. ومنذ ذلك اليوم أخذا، كلما التقيا، يتبادلان الابتسامات. ويوم رأتها زوجته مع صديقها الشاب عقبت: يظن الذي يبصرهما معاً أنها لا تترك له شيئاً يأكله، ويبدو أنها تلتهم كل شيء. كانت بضة سمينة ممتلئة القوام، ذات وجه صبيح، وكان نحيفاً شاحباً هزيلاً ذا وجه يشبه مثلثاً متساوي الأضلاع، ويظهر، في أيام البرد، حين يرتدي معطفاً بدا عليه فضفاضاً، كأنه عمود وسط خيمة.
في غرفة الغسيل أجابته، عندما سألها إن كان الشاب الذي يسير معها زوجها، وإن كان أيضاً والد الطفلة، أجابته أنه صديقها وأن والد الصغيرة شاب إيطالي تعرفت إليه، من قبل، وكانت أحبته وأثمرت العلاقة التي لم تستمر طويلاً تلك الشقية التي لم تعرف، عن أبيها الذي غادر، شيئاً، وأخذت ترى في جدها لأمها أباها.
ولم يستبد به الفضول ليسألها في تلك اللحظة إن كانت تشعر بقرف من الرجال كلهم، أو أنْ كانت تنتابها حالة من الندم لما أقدمت عليه، فقد كانت تحدثه بهدوء ملحوظ، كما كانت متماسكة إلى حد بعيد. وعرف منها أن الشاب الذي يسير معها صديقها ليس إلا. وعرف أيضاً أنه يحب الموسيقى كثيراً، ويعزف على آلة موسيقية. وقد تحقق شخصياً من هذا، فقد رآه، ذات نهار ماطر، يقف على جسر مبنى البلدية القديم القائم على النهر، وأصغى إلى عزفه الموسيقي فيما كان يضع قبعته على الأرض حتى يلقي إليه المستمعون بعض النقود.
ويبدو أنها أخذت ترتاح وهي تتحدث معه، فكلما التقيا تجاذبا أطراف الحديث، ولم تكن لتسأله من أي البلاد قدم. كان يقص عليها شيئاً عن أسباب وجوده في المدينة، وكانت بدورها تحدثه عن دراستها. ولّما لم تعد تراه مع زوجته وطفلتيه سألته عنهم. أخبرها أنهم غادروا، وأعلمها أنه سيظل وحيداً حتى ينهي دراسته ليعود بعد ذلك إلى بلاده. وسألها، حين أخذ يراها في أغلب الأوقات وحيدة، إنْ كانت افترقت عن صديقها. ولم تمانع في توضيح السبب. أخبرته أن ابنتها تقيم معها، منذ فترة، في أكثر الأيام، وأنها لهذا لا ترغب في إزعاجها ومضايقتها، وأن صديقها يقدر هذا، ولهذا لم يعد يأتي لزيارتها كما كان يفعل من قبل.
ذات صباح أحدٍ، وكان الفصل ربيعاً، ارتدى بنطالاً جديداً أزرق اللون ومعطفاً كحلي اللون، ولم يغفل للمرة الأولى، ربطة العنق، وسار في شارع يؤدي إلى أعلى المدينة لقد أراد أن يزور شاباً مغربياً تعرف إليه في مقاهي الرصيف منذ سنتين، وكان هذا متزوجاً من امرأة ألمانية تعمل ممرضة تعرف أيضاً إليها من خلال زوجها، وكانت ودودة جداً. في منتصف الطريق حادثته تلك المرأة التي كانت تقود دراجتها، وأبدت إعجابها بملابسه وسألته عن سرّ أناقته هذا الأحد، وأخبرته أنها تأتي صباح كل أحد لتشتري حليباً طازجاً من المكان الذي التقيا فيه.
ولا يدري، يومها، في ذلك الصباح الربيعي، كيف تسرب الدفء إلى قلبيهما، وحين عبّر لها عن إعجابه بجمالها وصفاء بشرتها، لم تمانع في أن يقبلها قبلة عابرة. وسألته، حين أخبرها أنه ذاهب لزيارة صديق مغربي متزوج من امرأة ألمانية، إنْ كانا مسرورين معاً. ولم يجبها معززاً أو نافياً، فقد كانت ثمة سيارة قادمة أفسحا لها المجال، وقد كانا في وسط الشارع، وسار كل في اتجاه، ومن الجهة المقابلة أخبرته أنها سوف تطرق باب منزل بائع الحليب.
ذات مساء، كان في منزل الطلبة، وكانت قد غادرته لتقيم مع والديها، أبصرها تقترب من طاولة التنس التي كان قريباً منها، وكان قد هزم للتو من شاب إنكليزي، وسارت باتجاهه. سألته إن كان يملك فكة خمسة ماركات، فهي تريد مهاتفة صديقها، وذهب إلى غرفته ليبحث لها إن كان يملك نقوداً صغيرة، وسارت معه. في الغرفة سألها إن كانت حقاً ترغب في مهاتفة صديقها،واستفسر منها إن كانت جاءت لتزوره. ولما عرف أنها جادة أعطاها ثلاثين فنجاً وأعاد لها الماركات الخمس، وسارا معاً، من جديد، باتجاه الهاتف. عاد ليواصل لعب كرة الطاولة، وأخذت تهاتف صديقها بعد أن شكرته على كرمه.
وكانا، يوم يلتقيان، يتبادلان التحية، وقد يتبادلان حديثاً عابراً، كأن يسألها عن طفلتها أو عن صديقها أو كأن تسأله عن دراسته وعائلته. وجاءته ذات ظهيرة، وكان في مطعم طلبة الجامعة، لتطلب منه خمسة ماركات ثمن وجبة طعام. نقدها المبلغ فوراً ولم يتردد، ولم يكترث لكلامها وتأكيدها على أنها ستعيد إليه المبلغ وأنها إنما تقترض المبلغ لأنها نسيت نقودها في المنزل. وكان عرف منها أنّ والدها مدرس، ويقيم في المدينة نفسها، وأن بإمكانه أن ينفق عليها.
وأخذت حالته في تلك الأثناء تسوء رويداً رويداً. كان على وشك إنهاء دراسته، وقد أنهك كثيراً. وكانت حرب الخليج قد أقامت الدنيا ولم تقعدها. بدأت الانتفاضة في وطنه تدخل عامها الرابع. أخذت علاقته بمن حوله تبرد. وكانت أخباره العائلية تنتشر. ويوم جاءته، من جديد، دون أنْ تعيد المبلغ الذي اقترضته، لتطلب منه خمسة ماركات أخرى تردد في إعطائها، واعتذر يحدوه هاجس أن في الأمر لعبة ما. وكلما التقى بها، بعد أيام، طلب منها المبلغ السابق فإعادته ناقصاً.
وها هو، الآن، بعد ست سنوات يراها ترتدي سترتها الجلدية السوداء وبنطال الجينز الأسود، وها هو يرى قصة شعرها المائل إلى السواد، ويرى وجهها حنطي اللون الضارب إلى الصفرة يراها تارة مع صديقها عازف الموسيقى، وطوراً مع طفلتها التي لا تعرف أباها، ويرى أيضاً ابتسامتها الودودة الهادئة الناعمة، يراها تواصل حياتها غير مكترثة للشاب الإيطالي غير المسؤول، ويراها أيضاً تسير واثقة من خطاها، ويتحسس فيها طيبتها التي ما زالت تبعث فيه ذكراها. ويتساءل الآن، بعد ست سنوات، لماذا تلح تلك المرأة التي حاولوا تشويهها وإشراكها في لعبة مملة على ذاكرته؟ ولماذا يبصرها كلما أبصر تلك التي لم يعد يرغب في رؤيتها؟ وكل ما يستطيع أن يقوله، الآن عنها أنها لا تفلت من الذاكرة بسهولة.
ملاحظة: نشرت هذه القصة في الأيام ( رام الله ) بتاريخ 7/8/1997، ويعود زمنها القصصي إلى بدايات 1988.
البصاص
حدث ذلك فجأة
كان ذلك ظهيرة يوم جمعة، ولم يكن يتوقع ما جرى، جاء الشرطي وطلب منه أن يرافقه إلى مخفر الشرطة القريب، وبعد دقائق وجد نفسه في الزنزانة وحيداً، وفيها أنفق سبع ساعات بلا طائل، هذا ما اعتقده، فلم يفعل شيئاً سوى أنه كان وصديقه الذي غادر قبل لحظات يقفان في غرفته ويطلان، من نافذتها التي تشرف على ساحة بيت الجيران، على مخيم الحسين. وحين حاول أن يعرف سبباً لذلك اتهمه الشرطي دون أن يصغي إلى وجهة نظره، بأنه يتلصص على بيته ويغازل ابنته.
وفي الزنزانة أخذ يقرأ ما كتب على جدرانها غير مكترث كثيراً لامتحان الغد الذي كان يعد له، فهو يحفظ المادة، وإن كان بحاجة إلى مراجعتها ذلك المساء حتى تثبت في ذهنه جيداً، وقال مخاطباً ذاته: سوف أطلب من الأستاذ، إن استمر وضعي على ما هو عليه حتى الصباح، تأجيل الامتحان، ولما أنهى قراءة الكتابات كلها جلس على أرض الزنزانة يبحلق في الفراغ.
" هكذا إذن، أن تقبع في هذا المكان لأنك كنت تنظر من شباك غرفتك، وكأنك قلت لابنة الشرطي أن تقف لتنظر أيضاً إلى شباك غرفتك التي أقمت فيها حديثاً. وماذا لو ظلت تنظر إليك طيلة النهار؟ هل ستذهب إلى مركز الشرطة لتشتكي عليها بحجة أنها تنظر إلى شباك غرفتك، وتلك المرأة، سيدة المنزل التي تطل شرفتها على سطح البناية التي تقيم فيها، ألا تظل طيلة النهار جالسة على شرفة منزلها منتظرة زوجها حتى يعود من عمله. فَهَلْ يحق أن تتهمها بأنها تغازلك.
وضحك كثيراً حين قصّ عليه صديقه الذي يقيم في الغرفة. قصته، وصديقه المسيحي مع أهل البناية. في البداية غبط صديقه، على غرفته لأنه أخذ يقارنها بالغرف التي أقام فيها من قبل، وبتلك التي يقيم فيها الآن في وادي الحدادة. فقد بدت له الغرفة ممتازة جداً، فهي واسعة من ناحية وتقع في جبل الحسين من ناحية أخرى، وكان جبل الحسين، في بداية السبعينيات يعتبر حياً راقياً، من أحياء مدينة عمان التي كانت مدينة صغيرة، واستغرب، يوم دخل بيت جورج حبش الذي كان يقع أيضاً في جبل الحسين ذاته، أن يكون الحكيم شيوعياً وبرجوازياً في الوقت ذاته، ولم يكن يدرك أن من حق الشيوعي أن يحيا حياة حرة كريمة وأن يتمتع بقدر لا بأس به من الرفاهية، وأخذ وهو في بيت الحكيم، يهمس: " وها أنا الكادح ارتع بعض ساعات في بيتك، وأتعرف على عادات البرجوازية الفلسطينية الصاعدة، التي حلت مكانك" . وفيما بعد أخذ يصغي إلى شاب فلسطيني من اتباع الحكيم – وكان تعرف إليه عن طريق فتاة أراد الشاب أن يتزوجها ورفض أهلها لأنه ذو توجه سياسي – وهو يلعن البرجوازية الفلسطينية التي تلومه الآن لسلوكه ( لقد كنا في أيلول، نقاتل دفاعاً عن الثورة، وكان البرجوازيون يبحثون عن بيوت القادة ليشتروها. هكذا يكافأ الثوريون ).
وضحك كثيراً وهو يصغي إلى صديقه، وعقب على كلامه: " هذا غير معقول، هذه قصة لم أسمع بمثلها من قبل "، ولم يسمع، على الرغم من تجاربه في المخيم ومشاهدته لمعظم المشاكل التي عانى منها أهله، بقصة تشبه هذه، وربما يكون السبب في ذلك عائداً إلى أن المخيم الذي أقام فيه، لم يكن حتى نهاية السبعينيات، يتكون من بيوت ذات طوابق عديدة، وإنما كان لكل عائلة بيتها الأرضي الذي يفتقد درجاً يصعد المرء عليه ليصل إلى سقف البيت، ويتمكن لذلك من كشف بيت الجيران، ولم يكن أيضا يعرف حياة المدينة جيداً، على الرغم من أنه دخل بيوتاً في نابلس القديمة يكشف سكانها بعضهم البعض بطريقة لافتة، ولكنهم لا يكترثون لهذا، لأنهم من أبناء عائلة واحدة. ولعله لم يصغ إلى أحاديث تتمحور حول خلافات سببها البصبصة. لقد سمع وهو في المخيم، حكايات وحكايات وكان شاهداً على مشاكل كثيرة حدثت بين الجيران. شاهد مثلاً الشباب البالغين وهم يقفون أيام الخميس مساء قرب شباك حمام هذه الدار أو تلك، ليشاهدوا، من خلال الثقوب التي كانت تبرز بين ألواح الخشب الثلاثة التي يتشكل منها الشباك، جسد هذه الفتاة أو تلك، وليستمتعوا بذلك أيما استمتاع، حتى إذا ما كانوا وحدهم في منطقة حرجية خالية من السكان تذكروا المنظر ليجلب لهم اللذة، وسمع من أقرانه مثلاً أن جارهم الذي تزوج حديثاً كان يضاجع زوجته قرب المساء في ساحة منزله،وأنهم شاهدوه مراراً من تحت عتبة الباب، وطلبوا منه، حتى يصدقهم، أن يأتي ليرى هذا بأم عينه، وأصغى إلى الناس يتحدثون عن مشاكل كثيرة، مثل مغازلة شاب لفتاة، أو مضايقة رجل في أيام توزيع المؤن لامرأة تقف أمامه لاستلام حصتها، وشاهد هذا شخصياً يوم كان في الجامعة، فقد لاحظ صديقاً له يفعل ذلك، ولم يصمت هذا الزميل فقد قص عليه أكثر من هذا. وعاش شخصياً ما كان يحدث في أيام الصيف مساء: فجأة كان الجيران يخرجون من بيوتهم ليستفسروا عن من قذف الحجارة على بيتهم، وفجأة تبدأ المعارك بينهم، فيما ينظر الذين ضربوا الحجارة إلى المتقاتلين مستمتعين بالصراخ والشتائم ومد الأيدي واستدعاء الشرطة وتجمع أهل المخيم كله في مكان المشكلة، وما زال يتندر بقصة المرأة التي رأت شخصاً يضاجع حمارتها، فذهبت لأهله تطلب نصف رطل شعير مقابل ذلك.
" هذا غير معقول، هذا الذي تقصه لم أسمع به من قبل،أنه شيء جديد " قال لصديقه الذي أضاف: " أنهم يريدون أن يرحّلوا صديقي المسيحي ". وتابع صديقه بعد لحظة: " وأنا لا أستطيع أن أدفع ثمن أجرة البيت وحدي " وسأله: " فما رأيك في أن تأتي وتقيم معي؟ ".
لقد أعجبته الغرفة كثيراً، فالغرفة التي يقيم فيها كانت معبراً لا أكثر ولا أقل، ثمة بابان لها، أولهما في جهة الغرفة الغربية، وثانيهما في جهتها الشرقية، وهي تطل على واد لا يبعث الراحة في قلب الناظر إليه. فأمامها بيوت جرداء لا شجر حولها ولا تنظيم لها، ولولا الساحة الواسعة التي كان فيها ينفق ساعات يقرأ لشعر أنه مدفون في الحياة، وقد دهش يوم أقام فيها، لا لسوئها وإنما لأَنَّ صاحبها الأردني فضل أن يؤجرها بمبلغ عشرة دنانير، على أن يقيم شخصياً فيها، مكتفياً بالإقامة مع عائلته في البناء الأرضي، صاحبها هذا الذي لم يره إلا مرة واحدة، وذلك حين جاء في منتصف الليل شاهراً مسدسه لاعناً الطلبة وأباء آبائهم، هؤلاء الذين لم يتركوه ينام، وذلك بسبب احتفالهم الذي طال حتى ساعة متأخرة.
وقال لصاحبه: " أنت محظوظ لأنك وجدت هذه الغرفة، وأخذ يقص عليه عن الغرف التي أقام فيها في السنتين المنصرمتين اللتين أنفقهما هنا وهو يدرس في الجامعة الأردنية: " كانت الغرفة الأولى التي أقمت فيها في منطقة الجبيهة الباردة في الشتاء جداً، ولما شعرت بالوحدة وبعد المنطقة عن المدينة، فكرت بالرحيل إلى صويلح، وهناك رأيت دكان حلاقة قرر صاحبها تحويلها إلى غرفة ليؤجرها للطلبة، ولكنني لم أتفق مع صاحبها على الرغم من إن أصدقائي الذين حثوني على استئجارها ظلوا يسخرون من حياة الطلبة والغرف التي يستأجرونها، فعدت إلى المخيم قائلاً: من المخيم ابتدأنا وإلى المخيم نعود، وهناك أقمت في غرفتين لمدة عام، ولم يكن مخيم الحسين، كما تراه، بأفضل من مخيمنا، ولما انتهى العام الدراسي الأول تركتهما لتؤجرهما صاحبتهما العجوز التي تقتات من وراء أجرتهما، وفي العام الثاني أقمت في جبل النزهة مع صديق من المخيم ذاته، وبقينا في الغرفة التي لا حمام لها عدة أشهر حتى وجدنا شقة في جبل الحسين، بالقرب من المخيم، وسرعان ما غادرتها، لأمور خاصة، لأقيم في وادي الحدادة، في الغرفة التي رأيتها، هكذا هي غرف الطلبة، ولا مساكن في الجامعة لهم، والسبب في ذلك، كما اسمع، أن الحكومة، بعد أيلول، تخشى من تجمعات الطلبة، ولهذا أوجدت الجامعة سكناً للطالبات فقط" .
ولم يتردد في القبول على الرغم مما سمعه من صديقه، حمل أغراضه القليلة، ووضعها في السيارة، وأقام في غرفة واسعة على سطح بناية تتكون من طابقين: أرضي وأول، وشعر صديقه بارتياح كبير، قال له: الآن ربما تنتهي المشاكل على الرغم من قناعتي بأنها كانت مفتعلة، وأن الاتهامات التي وجهت له لم تكن صحيحة، وكان أصحاب البناية يقيمون في الطابق الأول، فيما كان بعض الطلبة، وكان واحد منهم يدرس في قسم علم الاجتماع، يقيمون في الطابق الأرضي، وتعرف إلى سكان الطابق الأول: امرأة سجانة وابنتاها وزوجة ابنها التي قدمت من مصر، ولم يكن في البيت سوى طفل صغير، وعرف، فيما بعد، أن إحدى بنات المرأة تدرس الطب في الجامعة، فيما كانت الأخرى التي طلقها زوجها ربة بيت.
وظل، وهو في الزنزانة يحملق في الفراغ، هبط الليل، ولم يستطع النوم، وفي الحادية عشرة مساء جاءه صديقه الذي عاد لتوه من اربد وعرف القصة من صاحبة البيت، وتوسط لدى الشرطة علهم يطلقون سراحه بكفالة. وغادر الزنزانة على أن يعود في اليوم التالي لاستلام هويته، فيما أنفق الليل كله يفكر فيما جرى، ولم يكن قادراً على استيعاب أي سطر، كانت عيونه وهي تمر على صفحات الكتاب لا ترى سوى الزنزانة والشرطي وابنته.
وقال لصديقه: " كنت أعتقد أنها مؤامرة من السجانة لولا أنها تدخلت معك في الأمر لإطلاق سراحي " وقص عليه الحكاية كما حدثت، وتابع حديثه : " ويبدو أن ما قلته لي عما حدث مع صديقك كان مجرد كذبة، أنهم يريدون الغرفة " وأصر صديقه على نفي ذلك، ذاهباً إلى أن الشرطي الذي يغازل النساء بعيداً عن بيته يخاف على أهل بيته، وأنه سمع من السجانة أنه متشدد جداً، على الرغم من أن ابنته لا تمانع في أن يغازلها شاب ما.
وكانت المرأة المطلقة تصعد بين الحين والحين إلى سطح البناية، وتنظر إليهما نظرات حقودة، فلم تكن، خلافاً لأختها الطالبة، تبادلهما وداً بود.وتعاطفت زوجة أخيها معها، على الرغم من أن هذه المرأة المصرية التي كان زوجها في الخليج، لم تكن تستطيع الخروج عن طبيعتها، فكانت تبادلهما، أحياناً، عبارات لا تخلو من مجاملة.
ولم يختلف الأمر حين غادر الشاب المسيحي. اختفت المشكلة التي حدثه عنها صديقه لفترة، ولكنها عادت لتبرز من جديد، أخبرت المطلقة أمها بأن ملابسها الداخلية سرعان ما تختفي بعد أن تنشرها على السطح. ويوم قالت هذا، وكان صديقه في اربد، قال للأم ولابنتها: يمكن أن تربطا حبلاً بين طرفي النافذة وتعلقا الملابس هذه عليه وتنتهي القصة، ولم يكن يشك في صديقه، الذي أخبره عن علاقته الغرامية بفتاة من المخيم أهداها، ذات نهار، بعض الملابس الداخلية، وأصر على رؤيتها وهي ترتديها، وأصرت المطلقة على نشر ملابسها على السطح قائلة: من لا يعجبه الأمر فليرحل.
وكان طالب علم الاجتماع القادم من الخليل يلح على المرأة صاحبة البيت بتأجيره الغرفة، تارة بحجة أنه يريد أن يتفرغ لدراسته، وبخاصة أن سنته هذه هي السنة الأخيرة، وطورا بحجة أن أهله سيأتـون لزيارته حتى يحتفلوا أيضاً، في نهاية العام، بمناسبة تخرجه.
وحين اقترح على صديقه البحث عن غرفة أخرى، لأنه كان غير قادر على استيعاب ما يجري، أصر صديقه على رفض ذلك قائلاً: نبقى حتى نهاية العام الدراسي ثم نغادر في منتصف حزيران، فما تزعمه ابنتها ليس أكثر من حكاية اخترعتها حتى يخلو لها الجو.
في اليوم التالي، بعد أن عاد من الجامعة توجه إلى مركز الشرطة في جبل الحسين لاستعادة هوية الجامعة التي تخصه، قال له الشرطي: طالب جامعي وتفعل هذا، ورأى أن شرح الأمور كما جرت ضرب من العبث، ولم يفلسف الأمور كثيراً، فلم يقل ما كان يفكر فيه: إذا كان الشرطي يخاف على بناته، فعليه أن يتركهن في غرفتهن، وليس من حق أحد أن يمنع الأخر النظر من نوافذ البيوت التي أقيم فيها، وآثر الصمت لأن غريمه، هذه المرة، هو الشرطي، وليس عبثاً أن قال الناس: إذا كان القاضي غريمك فلا تشتك إلا لله.
أكتب، قال له الشرطي، وأضاف: " أنا الموقع أدناه أتعهد بأَلا أبصبص من الشبابيك مرة أخرى "، وكاد ينفجر ضحكاً لولا أنه خاف من لكمة تأتيه فجأة، اعتذر في البداية عن الكتابة لأنه لا يريد أن يكتب ما يدينه، فما كان من الشرطي إلا أنه نادى على زميله قائلاً: خذه إلى الزنزانة، فغمزه الشرطي وهمس في أذنه: أكتب، وسوف تمزق الورقة بعد مغادرتك.
وسار باتجاه الغرفة، غير مكترث إلى لافتة البقالة التي تعرف، من قبل، على صاحبها. ولم تكن اللد التي كان يقرأ اسمها ليتذكر وطنه سوى رمز فارغ من محتواه، ولم يفكر كثيراً في زيارة أقربائه الذين أقاموا في بيت جورج حبش. واخذ يصعد الدرج وهو يفكر في أمر المطلقة وطالب علم الاجتماع والشرطي والسجانة التي أخذت، فيما بعد، تمنع عنه وعن صديقه المياه بحجة أنها لا تصل أيضاً إليها، ولم ير من بعد، من نافذة غرفته التي ظلت مغلقة حتى منتصف حزيران، مخيم الحسين.
ملاحظة: كتبت في 17/12/1996 ونشرت في جريدة البلاد ( القدس ) بتاريخ 18/6/1997.
وجهة نظر المتلمس في مصرع
طرفة بن العبد
تضايق كثير من الناس مما قاله المتلمس عن طرفة. رأى كثير منهم أن الواجب يتطلب منهم أن يتدخلوا لمنع المتلمس من إبداء آرائه. " الجميع سيموت "، " لا تدري نفس بأي أرض تموت "، كانوا يقولون هذا ليدافعوا عن سلوك طرفة. وأصر آخرون على مجابهة المتلمس حتى لو أدّى ذلك إلى العراك، والتزم بعض الناس الصمت، ربما لأنهم اقتنعوا بوجهة نظر المتلمس، أو ربما لأنه شاخ مبكراً فأخذ يهذي. وكاد الحديث الذي تواصل، حول مقتل طرفة، أن يؤدي إلى خلافات حادة الناس في غنى عنها في هذا الوقت، ولهذا فقد رأى عقلاء القوم أن مصرع طرفة خاص به، وإن كانت حالته ليست حالة فردية، فكثيرون هم الذين يهاجرون، وللمشكلة أبعاد أخرى يجب أن ينظر فيها، وما طرفة إلا ضحية من الضحايا التي تزداد كل يوم، والموت في الغربة مأساة.
-2-
كان المتلمس يروي قصة طرفة على النحو التالي:
كنا نسير معاً، وكان تأثيرنا كبيراً لدرجة أن عمرو بن هند لم يحتمل وجودنا. ولقد أثاره طرفة. حاول عمرو أن ينفيه، لكنه لجأ إلى طريقة ذكية، فالنفي سيثير نقمة الناس، وربما يؤدي إلى المجابهة. وفكر في أن يقتله، ولكن قتله في حدود مملكته سيحرك قبيلة طرفة، وربما تقتل هذه شخصاً يفوق في مركزه مركز القتيل الأول. وفكر عمرو أن يسجن طرفة، وتراجع لأن القبيلة أيضاً قد تتمرد وقد لا تهدأ الأحوال. وهنا استغل عمرو ذكاءه: لا النفي ولا السجن ولا القتل داخل حدود المملكة، ولما اقترح على مساعديه إبداء رأيهم، قال بعضهم: طرفة دون عمل، ولا بد أنه سيهاجر، فلنضيق عليه سبل العيش، وقال آخرون لن يهاجر طرفة، سيستف ترب الأرض، وليس لك إلا أن تغريه من خلال كبار تجار البلد. يتظاهر هؤلاء بعطفهم عليه، ولكنهم في الحقيقة يريدون أن يتخلصوا منه. إنهم يخشون لسانه، الذي سرعان ما يمتد ليهجوهم إنّ جاع.
وحين التقى عمرو بن هند بالتجار، أعلمهم بهجاء طرفة له، وخاطبهم قائلاً: إن لم تفعلوا شيئاً لإبعاده فسيعود ويهجو الجميع، إنه عاق لم يعد يؤمن بالحَسَبِ والنسب والجاه. ما يهمه الرغيف، الرغيف فقط. لعلنا إنْ أطعمناه اكتشف أننا نخشاه، وربما يزداد وقاحة، ولا حل إلا أن يهاجر، لا بد من إبعاده إلى البحرين. هناك أصدقاؤنا وسيتدبر هؤلاء أمره. أخبروه أننا سنعينه في منصب مهم، وسنعطيه ما يريد من مال وأشياء أخرى.
-3-
لما جاع طرفة أخذ يبحث عن رزقه. تمكن في البداية من توفير لقمة عيشه، لكن ارتفاع الأسعار سرعان ما جعله يحتاج إلى المزيد من المال حتى يُصرّف بقية أيام شهره. بدأ طرفة يشكو. أسمع الكثيرين عن ضائقته التي يمر بها. اقترح عليه بعض أصدقائه أن يغادر، فيم حثه آخرون على ضرورة البحث عن عمل إضافي، له ولغيره ممن يهمه أمرهم، فالمشكلة ليست خاصة به، وثمة كثيرون يعانون مما منه طرفة يعاني.
تردد طرفة في البداية، وتساءل: هل أغادر؟ هل أظل هنا؟ وفكر في أن يعرض الأمر على المتلمس فهذا مجرب خبر الأمور والدنيا جيداً.
" أيها المتلمس " قال طرفة " لقد اقترح علي أحد التجار أن أغادر إلى البحرين فثمة عمل هناك، وفرص العمل مغرية.. السكن والنقود والخادمة وأشياء أخرى لا تحصى.
وحين أعود، بعد خمس سنوات سأمكثها هناك، سأفتح متجراً وأبني مسكناً وأتزوج المرأة التي تروق لي. لقد أعجبتني ابنة التاجر، ولقد لاحظتها اليوم وهي تقدم لنا بعض الشراب. ابتسمت لي فابتسمت لها، ولما رآني والدها التزم الصمت، والسكوت علامة الرضا.
" لقد قال لي التاجر ما اقوله لك يا طرفة، ولكنني تساءلت عن سبب هذا الاهتمام الزائد. هناك أمور لا أستطيع الإجابة عنها. أعطاني ظرفاً مغلقاً كالذي أعطاك إياه، ولكنني قررت، بعد طول تفكير، البقاء هنا. وحين تخيلت ما سأكون عليه هناك بصقت على نفسي: النقود النقود، سوف أصبح رقماً يتحدث عن أرقام. سأبدأ أعد سنواتي الباقية، ولسوف أحتقر لأنني سأصبح أجنبياً، على الرغم من أن الناس هناك يتكلمون لغتي. وفوق هذا ما الذي سيفعله الناس الذين يظلون هنا، ممن لا يستطيعون المغادرة إلى هناك، سوف يموتون جوعاً، ولذا يجب أن نبقى هنا يا طرفة، ويجب أن نعمل معاً وأن نفكر معهم في خلاص لنا ولهم.
واستمر المتلمس في محاولاته لإقناع طرفة بالبقاء وبعدم الرحيل، غير أن طرفة سافر. " وعرفت فيما بعد أن التاجر اتهمني أمامه بالخرف والكهولة المبكرة، وأنني أعيش كما يعيش أجدادي ممن يكتفون بكأس الحليب ورغيف الخبز، ويؤثرون الجلوس على الأرض، وأن التاجر خاطبه: أتريد يا طرفة أن تحيا كما يحيا المتلمس؟ أتريد أن تقيم في خيمة واحدة مع أهلك؟ هناك النقود التي من خلالها تنال احترام الناس، النقود التي تستطيع بها أن تتزوج ممن تريد، وأمّا إن بقيت هنا فقيراً فلن ترضى بك إلاّ الفقيرة مثلك، وحتى هذه قد تفضل عليك واحداً ممن يعودون من تلك البلاد، فالناس، كما تقول، يريدون لبناتهم أن يرفلن بأثواب السعادة والهنا، وكما يقولون من يملك درهماً يواز درهماً.
-4-
قبل أن يصل جثمان طرفة إلى المكان الذي نشأ فيه، كان المكان هائجاً ومائجاً، وكانت حركة الناس مثل حركة الناس يوم الحشر، دخول وخروج وذهاب وإياب وتساؤلات كثيرة يثيرها الصغار والكبار والنساء، أصوات ترتفع وأخرى تنخفض، ومجموعات من البشر لا حصر لها، حتى أن أحداً من أهل المكان لم يمكث خارجه: " شاب مثل عود الخيزران… يا للخسارة، ومن لم يبك طرفة بكى والده الذي مزق الرسالة التي جاءه فيها نعي ابنه.
لقد بكى والده حتى ابيضّت عيناه من الحزن، ولم يجرؤ أحد على أن يسأله إن كانت الورقة توضح سبب الموت.
وقال أحد الموجودين، وكان حلف بالطلاق ألاّ يعود إلى البحرين حتى لو هلك هنا جوعاً، لأنه ذاق من الغربة ما ذاق، قال:
هناك يموت الإنسان من الحر، هناك لا يستطيع المرء أن يسير، في النهار، خمس دقائق. ومن ضربته الشمس مات على الفور. الجو هناك خانق، ولربما مات طرفة لشدة حرارة الجو. هناك النار ". وقال آخر:
" ربما مات طرفة فجأة. ربما توقف قلبه لأنه لم يستطع احتمال الأوضاع السيئة التي يعاني منها المغتربون.
ربما قالوا له: أجنبي ما الذي جاء بك إلى هنا، هل نبذتك القبيلة، وبعت ما لديك من أشجار النخيل. لقد قال لي الملاعين هذا ".
" يتحول الإنسان هناك إلى عابد أرقام، كل ما يهمه مقدار المال الذي يملك. هناك تنتهي العلاقات الإنسانية، وهناك يطردك من يملك البيت متى أراد. يطالبك بالمزيد من الأموال، وإن لم تدفع تجد نفسك بلا منزل. وهناك يحللون لأنفسهم ما يحرمونه على غيرهم. لو بقيت هناك لانفجر قلبي. ربما انفجر قلب طرفة المسكين.
كان المتلمس يصغي إلى هذا الكلام كله، ولم يستطع تمالك أعصابه، وانفجر صارخاً:
" يا ناس، لم ينفجر قلب طرفة، ولم يمت من شدة الحرارة، فنحن في مكان يعاني أيضاً من ارتفاع درجتها، هنا أيضاً نار موقدة. يا ناس، كان طرفة هنا أيضاً يرى الفساد، ولم يمت غيظاً لهذا. لقد كان يحتمل هذه الأمور كلها. كان يدرك أن الصبر مهم جداً، وكان غالباً ما يكرر: لم يحن الوقت بعد! "
وصمت المتلمس… حدق فيه الحضور وكلهم آذان صاغية… كان هؤلاء يريدون أن يصغوا إلى وجهة نظره، وحتى الذين أرادوا مواجهته يوم قال: " طرفة من أراد هذا ولا داعي للحزن " أصغوا إليه وصمتوا وهو يتكلم.. ولما صمت وطال صمته قالوا له: قل ! هات ما عندك! وحين أجابهم: " ما نفع الكلام، ستقولون إنني أخرف وأهذي بما لا أدري، وإنما أتشفى بطرفة لأنه عصى أمري "، قالوا: نحن لم نتهمك، لقد أردنا مواجهتك لأنك لم تكترث لموته. لقد تصرفت أمام والده تصرفاً شاذاً. كأنه ليس من أبناء القبيلة، كأنك عدوه.
" لقد قتل طرفة نفسه.. أراد المال والذهب… أراد الزواج من تلك التي ابتسمت له… تخيل أن التاجر يحبه.. أراد كل شيء، لنفسه ولم يسأل عنكم… صحيح أنهم غرروا به ولكنهم نجحوا في قتله. كان لسانه سليطاً، فأرادوا التخلص منه… هم الذين قتلوه " وارتفعت الأصوات:
من… من هم؟ كأنك….
كأني… ماذا؟
لا شيء…. تكلم
طرفة مات ب……
ب… ب…. ماذا. قل!
لم يكن التاجر مغفلاً، وكذلك عمرو بن هند. لقد هجاهما.
ونسي أنه هجاهما. ظنهما ينسيان. اعتقد أنهما طيباً القلب، ولكن عمرو بن هند قرر التخلص منه. وأما التاجر فلم ينس تلك النظرات التي رآها في عيني طرفة يوم زاره في بيته.. أدركت هذا، وحين قرأ لي الطفل الرسالة التي أرسلها معي عمرو بن هند لم يصدق طرفة أننا ذاهبان إلى حتفنا، وواصل طريقه إلى البحرين.
نابلس 1979.
ونشرت في جريدة " الفجر "،
وأجري عليها بعض التغييرات