د. حسام الدين فياض - المثالية المصطنعة عندما تتحدث بلسان الأخلاق

" تبدأ الأخلاق في فقدان معناها عندما يصبح إظهارها أهم من ممارستها، ويصبح الإنسان أكثر انشغالاً بأن يبدو صالحاً من أن يكون صادقاً في سلوكه " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل المبالغة في إظهار الأخلاق والمثالية في التعامل مع الآخرين، والكشف عن الأسباب الاجتماعية التي تجعل بعض الأفراد يستخدمون هذه الصورة لكسب الثقة والقبول والمكانة، وبيان أثر التناقض بين الكلام الأخلاقي والسلوك الفعلي في العلاقات الاجتماعية، ولا سيما عندما تتعارض المصلحة الشخصية مع المبادئ المعلنة.

تكتسب الأخلاق قيمتها من حضورها في السلوك أكثر مما تكتسبها من كثرة الحديث عنها، لأن المبدأ الحقيقي يظهر في المواقف التي تضع الإنسان أمام مفاضلة صعبة بين ما يؤمن به وما يحقق له مصلحة مباشرة. ومع ذلك، تظهر في الحياة الاجتماعية صور يتحول فيها الإفراط في إظهار المثالية والنزاهة والتواضع إلى وسيلة لتقديم الذات وصناعة انطباع محدد عنها. عند هذه النقطة، تبتعد الأخلاق عن كونها التزاماً يوجه السلوك، لتصبح جزءاً من الصورة التي يريد الفرد أن يراه الآخرون من خلالها، فتغدو المسافة بين القيمة المعلنة والسلوك الفعلي أكثر دلالة من الخطاب نفسه.

يتعلم الإنسان داخل الجماعة أن بعض الصفات تمنحه القبول والثقة والاعتراف، ولذلك تصبح طريقة تقديم الذات جزءاً من تفاعله مع الآخرين. وقد يستثمر بعض الأفراد هذا الأمر في بناء صورة أخلاقية تمنحهم ما يصعب الحصول عليه بوسائل مباشرة، فيكثرون من الحديث عن المبادئ، ويظهرون الحرص على الآخرين، ويتخذون من التواضع والنزاهة لغة للحضور الاجتماعي. ولا تكمن المسألة في إظهار قيمة محمودة، بل في انتقالها من كونها التزاماً يوجه السلوك إلى كونها وسيلة لإنتاج صورة تمنح صاحبها مكانة أو تفتح أمامه أبواباً للمصلحة. وهكذا يمكن للأخلاق، في بعض السياقات، أن تتحول من معيار للسلوك إلى أداة لإدارة العلاقة مع الآخرين.

وتنكشف حقيقة هذه الصورة عندما تضع المصلحة المبدأ أمام اختبار فعلي. فالمواقف التي لا تمنح الإنسان مكسباً هي التي تكشف مدى اتساقه مع القيم التي يعلنها، لأن الالتزام يصبح أكثر دلالة عندما تكون كلفته حقيقية. فإذا ظل المبدأ قائماً رغم احتمال الخسارة، اكتسب الخطاب الأخلاقي صدقه من السلوك، وإذا تغير الموقف بتغير المنفعة، ظهرت الوظيفة التي أُنشئت من أجلها الصورة. عندها لا يكون النفاق مجرد قول شيء وفعل نقيضه، بل قدرة على استخدام لغة القيم في الموضع الذي تخدم فيه المصلحة، ثم التخلي عنها عندما تصبح عائقاً أمام الوصول إليها.

وتمنح البيئة الاجتماعية هذه الصورة فرصة للاستمرار عندما تنظر إلى الخطاب قبل أن تختبر الممارسة. فالإنسان لا يعرف الآخرين دائماً في تفاصيل حياتهم، وإنما يتعامل مع إشارات منتقاة تظهر في الحديث والمواقف والمظاهر العامة. وقد تصبح اللغة الأخلاقية إحدى أكثر هذه الإشارات تأثيراً، خصوصاً عندما ترتبط الثقة والمكانة بالصفات التي يقدّرها المجتمع. عندئذ قد تتقدم الصورة على الحقيقة، ويصبح الشخص قادراً على بناء رصيد من القبول لا يستند بالضرورة إلى اتساق سلوكه، حيث تتجاوز الظاهرة حدود الفرد، لأن الجماعة التي تكافئ المظهر قد تسهم، بصورة غير مباشرة، في ترسيخ السلوك الذي يقف خلفه.

ويأخذ التناقض شكلاً أكثر تعقيداً عندما يصبح الحفاظ على الصورة أهم من الحفاظ على القيمة. فالاعتراف بالخطأ قد يبدو تهديداً للمكانة، والتراجع عن المصلحة لصالح المبدأ قد يُنظر إليه بوصفه خسارة، فينشغل الإنسان بكيفية ظهوره أكثر من انشغاله بما يقتضيه الموقف. عند هذه المرحلة، لا تعود الأخلاق معياراً يراجع الفرد أفعاله من خلاله، بل تتحول إلى لغة يراجع من خلالها صورته أمام الآخرين. وهنا تتشكل الوصولية في صورتها الأكثر التباساً، لأنها لا تأتي من خارج الخطاب الأخلاقي، بل قد تستخدم الخطاب نفسه للوصول إلى الغاية.

ومع ذلك، لا تحتاج الأخلاق الصادقة إلى حضور مستمر في الواجهة، لأنها تظهر في التفاصيل التي لا تمنح صاحبها تصفيقاً، وفي المواقف التي لا يعرفها الآخرون، وفي القرارات التي يكون الالتزام فيها بالمبدأ أكثر كلفة من التخلي عنه. لذلك لا تكشف كثرة الحديث عن الأخلاق وحدها حقيقتها أو زيفها، وإنما يكشفها مقدار الاتساق بين ما يقوله الإنسان وما يفعله، وبين القيمة التي يعلنها والحدود التي يضعها لمصلحته عندما تتعارض معها.

وتبقى المشكلة الأعمق في اللحظة التي تتحول فيها الأخلاق إلى وسيلة للوصول، لأن القيمة عندها تفقد شيئاً من استقلالها وتصبح قابلة للتوظيف بحسب الموقف والمكسب. وقد تمنح الصورة صاحبها ثقة مؤقتة ومكانة اجتماعية، لكنها تظل معرضة للسقوط أمام تكرار المواقف التي تكشف التناقض. أما الأخلاق التي تستحق معناها الإنساني، فتتأسس في المسافة التي يستطيع الإنسان أن يحافظ فيها على مبدئه حتى عندما لا يكسب منه شيئاً. هناك تحديداً تتراجع الحاجة إلى الاستعراض، ويصبح السلوك نفسه اللغة الأكثر صدقاً في تعريف الإنسان.

نصيحتي لك، كن صادقاً في تعاملك مع الناس، واحترمهم دون أن تتصنع ما لست عليه، وتعامل مع كل إنسان بما يستحقه من تقدير دون أن تربط ذلك بما يمكن أن يقدمه لك. فالعلاقات الإنسانية الأكثر استقراراً تبنى على الاحترام والثقة وحسن التعامل، لا على محاولة إرضاء الآخرين أو كسبهم بأي طريقة. وحين يعتاد الإنسان أن يفعل الصواب في حياته اليومية، حتى في المواقف التي لا يراه فيها أحد، يصبح حضوره بين الناس أكثر صدقاً، وتصبح قيمته نابعة من سلوكه لا من الصورة التي يحاول أن يصنعها عن نفسه.

-------------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا
​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...