إيزابيل ألفانداري: لماذا لا توجد "النظرية الفرنسية"؟ النقل عن الفرنسية: إبراهيم محمود


Isabelle Alfandary




بعضٌ مما يستحق التذكير به فلسفياً" تقديم المترجم "
لا أزكّي هذه المقالة للقراءة، وهي لضليعة في الفلسفة والتحليل النفسي، ولا أعطي الحق لنفسي بذلك. إنه شأن للقارىء المعني الذي ينشغل به على طريقته. إنما أقدّم المقالة، وأعطي كلاماً لنفسي، بالصورة التي تستحقها هنا، وهي تخص طريقة التعامل مع مفهوم ما، وفي الفلسفة تحديداً، وما للنظرية العائدة إليها، من قيمة لا يجري النظر فيها، والبت في أمرها دون ضوابط، أو أخذ العائد إليها في الحسبان.
حديث متشعب عن مفهوم" النظرية الفرنسية " حدوداً وإشكالية، في محاولة تبيّن حقيقتها: وعلى أي أرض تتحرك " فرنسية خالصة، أم بالشراكة مع أرض أخرى خارج نطاقها الإقليمي والقاري"، وما للنظرية، كمعنى ودلالة، أو كنشأة، من اعتبار هو الآخر، مهم جداً في مقاربة تاريخية ونقدية واستكشافية لخاصيتها، فلسفياً.
في السياق، ما يعطى للفلسفة من مكانة " في فرنسا " لحظة الاطلاع، ولو بإيجاز شديد" على دور" الكلية الدولية للفلسفة " في فرنسا سنة " 1983 " كتاريخ ميلاد، والاحتفاء بها ومما تنطلق، وعلام تقوم ، وكيف يجري التعامل معها وطرحها في فضاء الفكر المفتوح وعبْر اعتراف بها رسمياً، رغم أنها ليست رسمية، أكاديمية، كما هو مفهوم الأكاديمية" في السوربون، مثلاً " تعزيزاً لمكانة الفلسفة، حقاً لمن يريد أن يكون فيها " نصيب " تعبيراً عن مواطنة مشرَّعة أبوابها لكل مقتدر، وداخله في بنية الثقافة العامة نفسها .
وفي ذلك إقرار بحقيقة تاريخ ومجتمع، وكيفية ممارسة العدالة فلسفياً، وما يمكن لأي منا هنا، حيث أسطّر هذه الكلمة، أن يتروى عند تناول أي عبارة ذات صلة بالفلسفة، وحقيقة وجودها لدينا، في مناخ يشهد على أن أي حديث عنها في تاريخها الطويل، يستدعي مأساة نفي فعلي لها، وإن وجدت، ففي زوايا ضيقة، حيث التنوير يكون له الحق في الإدلاء بشهادته إضاءة لهذا الجانب، كما تناولت ذلك ذات يوم في " الذات وسؤال التنوير عربياً " في مجلة " الفكر العربي المعاصر-ع 108-109/ 1991 " وتلك المقالات التي كتبتها في حلقات حول كتاب الدكتور عبدالله غذامي " في كتاب له عن الفلسفة، وسعيه الحثيث إلى دحضها، وما في ذلك من مفارقة تخص أكاديمياً انشغل بالنقد الأدبي كثيراً، وفي مجال الشعر، خصوصاً، ولم تطرق الفلسفة بابه يوماً، ولا هو دعاها في زيارة لها معنى جدير بالتذكير، لتكون هذه الحلقات كتاباً صدر عن دار أروقة في القاهرة ، باسم: ركلات فلسفية ليست إلا .. ! الدكتور عبد الله الغذامي وحديث الفلسفة " دراسة نقدية " سنة 2024 ، والمقصد هو محاولة استنطاق ما لا يُعدُّ فلسفة، ممن لا يكون أهلاً لها، وخلفية علاقة كهذه.
ما أراه، كباحث، وباسم حق يعنيني، أقول: في مقال هذه المرأة الفيلسوفة – المحللة النفسية" إيزابيل .." ثمة ما يفيد، ثمة ما يستحق الإصغاء، لمن لديه أذنان مؤهلتان لسماع ما يضيء عتمة الذات هنا وهناك ، وفي هذا الوقت بالذات، إذ كيف للفلسفة أن ينظَر في أمرها وهي غير معترف بها، وكيف يمكن التكلم بلسان لها، حيث التخلف، بمعان شتى يعاش، ويُنمَّى على أعلى مستوى.


المقال
حديثي هذا سأستهله بأربعة أسئلة وأنا أحاول الإجابة عنها فيما يلي: ما "النظرية الفرنسية" ؟ وهل هي فرنسية حقاً؟ وهل تُعدّ "النظرية الفرنسية" نظريةً بالمعنى الدقيق للكلمة؟ وما هي النظرية أصلاً، ولماذا تم التخلي عن ذلك الحقل المعرفي الذي طالما أُطلق عليه اسم "الفلسفة"؟
قد تبدو هذه الأسئلة كثيرةً أو واسعة النطاق للغاية، إلا أنها تظل جوهريةً لمساءلة ما يطلق عليه النقاد والأساتذة والطلاب والمؤرخون وعلماء الاجتماع والفنانون والصحفيون - بل وعامة الناس - اصطلاحاً شائعاً هو "النظرية الفرنسية" (أو "French Theory" كما ترد بالإنكليزية). ويعود سبب هذا التحليل النقدي لمصطلحٍ واسع الانتشار وحظي برواجٍ كبير، إلى شعورٍ متزايد بعدم الارتياح انتابنا عند استخدام هذا المصطلح أو سماعه على مدى سنوات عديدة.
قد يبدو عنوان مداخلتي - "لماذا لا توجد ’النظرية الفرنسية‘؟" - استفزازياً عن عمد؛ غير أن اختياره لم يكن مجرد دعابة أو قول عابر. فمصطلح "النظرية الفرنسية" ينطوي على جملة من المفاهيم الخاطئة التي أرى أنه من المفيد تسليط الضوء عليها وكشفها. وعلاوة على ذلك، يبدو لي هذا المصطلح نتاجاً لسلسلة من الأسئلة أو الإشكاليات الحاسمة في مجال النقد.

الاستثناء الفلسفي الفرنسي
بصفتي الرئيسة الحالية لـ "الكلية الدولية للفلسفة" (Collège international de philosophie) - وهي مؤسسة أُنشئت عام 1983 بموجب مرسوم رئاسي على يد كل من جاك دريدا، ودومينيك لوكور، وفرانسوا شاتليه، وجان بيير فاي - لا يمكنني بأي حال الزعمَ بعدم وجود الفكر الفرنسي أو الفلسفة الفرنسية. لذا، أود العودة بإيجاز إلى تاريخ هذه الكلية، حيث يرتبط مصيرها - جزئياً على الأقل - بما اصطلح على تسميته "الفكر الفرنسي" أو "النظرية الفرنسية". ففي فرنسا، ثمة تقاليد فلسفية راسخة، وعلاقة فريدة ومميزة - بل قل علاقة ذات طابع خاص جداً - تربط فرنسا، واللغة الفرنسية على وجه الخصوص، بالفلسفة. وتمتد هذه العلاقة -التي تعود جذورها إلى رينيه ديكارت وقراره الكتابة بلغته الأم- عبر عصر التنوير الفرنسي و"الموسوعة" (L’Encyclopédie)، وتجتاز القرن التاسع عشر وصولاً إلى ابتكار فيكتور كوزان لمذهب "الانتقائية" (l’éclectisme)؛ وهي نظرية لا تزال تشكّل أساس تدريس الفلسفة في المرحلة الثانوية. لقد اتسمت الفلسفة الفرنسية، منذ عهد كوزان، بطابع التعليم ونقل التراث الفلسفي وتاريخ الفلسفة. وهكذا، ابتكرت فرنسا موقفاً فلسفياً فريداً ودعمته في مواجهة تقليد فلسفي آخر لم ينفك يلقي بثقله -بشكل صريح أو ضمني- على الفلاسفة الفرنسيين، ألا وهو التقليد الألماني الذي ينظر إليه كثير منهم بعين الإعجاب والحسد.
ويمكن القول إن فرنسا قد وجدت، منذ القرن التاسع عشر، سبيلاً لوجودها -إن لم نقل لمنافسة ألمانيا- من خلال نقل أنماط إنتاج الفلسفة ورهانات نقلها إلى الميدان السياسي. ويكفي أن ندرك أن فرنسا تُعد واحدة من الدول القليلة، إن لم تكن الأولى، التي أقرت حصة إلزامية للفلسفة لجميع طلاب السنة النهائية (الباكالوريا)، بغض النظر عن مساراتهم الدراسية، سواء كانت مهنية أو عامة. ومما لا شك فيه أن للفلسفة مكانة استثنائية في فرنسا؛ إذ يرتبط تاريخ "الكلية الدولية للفلسفة" بجمعية أسسها جاك دريدا عام 1974 تحت اسم "مجموعة الأبحاث حول التعليم العالي الفلسفي" (GREPH)، والتي أُنشئت للدفاع عن تدريس الفلسفة ولإعلان ما سيُطلق عليه الفيلسوف لاحقاً مفهوم "الحق في الفلسفة" (دريدا، 1990a).
ومثلها مثل حصة الفلسفة في السنة النهائية التي يرتبط بها مصيرها، تُعد "الكلية الدولية للفلسفة" حالة استثنائية (أو شذوذاً مؤسسياً anomalie institutionnelle) في المشهد المؤسسي. تُعَدُّ «الكلية» —التي أُسِّست بموجب مرسوم صادر عن رئاسة الجمهورية الفرنسية— حالةً فريدةً واستثنائية في تاريخ المؤسسات الفلسفية؛ فهي المؤسسة الفلسفية الوحيدة التي لا تُصنَّف كجامعة ولا كمجموعة بحثية، وتتمتع بتمويل من دولة ديمقراطية دون أن تفرض عليها هذه الدولة في المقابل أي شروط أو رقابة. فكم من الدول الديمقراطية في العالم تدعم اليوم مؤسساتٍ فلسفيةً مستقلةً تماماً وتتمتع بسيادة كاملة؟
لا تَمنح "الكلية" أي شهادات؛ إذ تظل جميع أنشطتها متاحة لكل من يرغب في ولوجها. وتُمارس فيه أساليب مبتكرة ومتحررة عمداً من الطابع الأكاديمي للتدخل الفلسفي، مثل الزيارات الفلسفية للمتاحف، و"الساحات الفلسفية" (agoras) التي تجمع جماهير متنوعة، فضلاً عن ندوات فلسفية متخصصة وعميقة للغاية. لقد تمثلت رؤية مؤسسي الكلية في إقامة مكان تنفتح فيه الفلسفة على "خارجها" عبر الاحتكاك بالآخر - سواء كان سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو فنياً - وذلك وفقاً لمنطق التقاطع بين التخصصات. وهكذا، تكف الفلسفة عن تنصيب نفسها "ملكة للعلوم" - كما تصورها إيمانويل كانط (كانط، 1935) - لتدخل في تواصل مباشر وتفاعل حي، وربما حتى في صراع، مع العالم؛ إذ "لن تكون هذه الكلية الدولية مجرد كلية للفلسفة، بل مكاناً لطرح الأسئلة حول الفلسفة ذاتها" (دريدا، 1990أ: 577)، وذلك بحسب ما ورد في التقرير المعروف بـ "التقرير الأزرق rapport bleu " الذي أعدّه المؤسسون المشاركون " 1 ".
وتجدر الإشارة إلى أنه كلما طُرحت مسألة التشكيك في تدريس الفلسفة الموجه لفئة عمرية بأكملها - كما حدث مؤخراً - ارتفعت أصوات عديدة في فرنسا، سواء من داخل الوسط الفلسفي أو خارجه، للدفاع عما يُعتبر - إن لم يكن حقاً دستورياً - مكسباً جمهورياً راسخاً. وقلّما نجد بلداناً يحمل فيها تدريس الفلسفة - سواء كان ذلك عن حق أو باطل - مثل هذه الحمولة السياسية والمدنية.
وعليه، لا يُنظر إلى الفلسفة في فرنسا باعتبارها مجرد تخصص دراسي فحسب، كما هو الحال في ألمانيا أو بريطانيا، بل إنها تحظى بوضع استثنائي. يُنظر إلى الحق في الفلسفة في فرنسا – وهذه هي فرضيتي على الأقل – باعتباره شرطاً لإمكانية ممارسة حق نقدي أو حق سياسي. وما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية" ليس بمعزل عن تاريخ علاقة فرنسا بالفلسفة وبالفلسفي، وهي علاقة اتخذت أحياناً أشكال "الفلسفة الشعبية" (pop philosophie)، حسب تعبير جيل دولوز. وفي هذا التعبير، تُفهم صفة "pop" (بوب) كما هي الحال في مصطلحي "pop art" (فن البوب) أو "pop music" (موسيقى البوب)؛ إذ لا ينبغي لهذا الاختصار اللفظي أن يحجب المعنى الكامن وراء كلمة "populaire" (شعبي)، أي "ما يخص الشعب" – بالمعنى الذي كانت تحمله هذه الكلمة في القرن التاسع عشر – أو "ما هو موجه لعامة الجمهور" كما نقول اليوم.
من هم الفلاسفة الذين يُصنّفون ضمن "النظرية الفرنسية"؟ لقد طبع العديد منهم تاريخ "الكلية الدولية للفلسفة"، وتاريخ الفلسفة الفرنسية في الربع الأخير من القرن العشرين بشكل أوسع؛ ونذكر منهم: جاك دريدا، وميشيل فوكو، وجيل دولوز، وجان فرانسوا ليوتار، وجاك رانسيير، وآلان باديو، وجان لوك نانسي، وفيليب لاكو-لابارت، وجاك لاكان، وفيليكس غواتاري، ولوي ألتوسير، وجوليا كريستيفا، وهيلين سيكسو، وبرونو لاتور؛ وهي قائمة - بطبيعة الحال - ليست شاملة بأي حال من الأحوال. ففي ضوء هذه المعطيات الأولية، كيف يمكن الزعم بجدية أن "النظرية الفرنسية" غير موجودة؟
بادئ ذي بدء، لأن "النظرية الفرنسية" ليست حركة متماسكة، بل إنها لا تُعد حركة حتى في نظر أولئك الذين يُفترض أنهم يشكّلونها؛ كما أنها ليست مجموعة من المفكرين والمفكرات ممن يفكرون بصوت واحد أو في اتجاه واحد – سواء كان سياسياً أو غير ذلك – بل إن الواقع أبعد ما يكون عن ذلك.

عند ملتقى اللغات
يعود السبب الأعمق لمقاومتي لتسمية "النظرية الفرنسية" إلى قناعتي بأن هذه النظرية ليست فرنسيةً حصراً ولا فرنسيةً في جوهرها. وسأوضح دلالة كلٍّ من هذين الظرفين. لنبدأ بالأول: إن "النظرية الفرنسية" ليست فرنسيةً حصراً؛ إذ ينبغي أن نضيف إلى قائمة الأسماء التي ذكرتها آنفاً أسماءً أخرى مثل جورجيو أغامبين، وصامويل فيبر، وأفيتال رونيل، وجوديث بتلر، وهومي بابا، وإدوارد سعيد، وسلافوي جيجك، وأنطونيو نيغري، وفريدريك جيمسون، وفريدريش كيتلر، وفيرنر هاماخر، وغيرهم الكثير. فهناك عدد كبير من المفكرين الذين يسيرون في ركاب ما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية"، وهم ليسوا فرنسيين لا من حيث الجنسية ولا من حيث اللغة الأم.
قد يُعترض على ذلك بالقول إن "النظرية الفرنسية" سُميت بهذا الاسم لأن مادتها الأصلية تتألف من أعمال كُتبت في بادئ الأمر باللغة الفرنسية. ومع ذلك، فإن الفرنسية ليست هي "اللغة المشتركة" (lingua franca) لهذه النظرية. وفي المقابل، فإن ما لا جدال فيه هو أن مسألة اللغة تُعد أمراً حاسماً بالنسبة لجميع مؤلفي "النظرية الفرنسية". ولو أردنا العثور على موضوع يجمع هؤلاء تحت راية واحدة، لكان موضوع "الترجمة" هو الأنسب؛ إذ لا ينبغي فهم مسألة اللغة من منظور فقهي لغوي (فيلولوجي) أو لساني بحت: فإذا كانت الترجمة بين اللغات الطبيعية تشكل مصدر تساؤل لهؤلاء المؤلفين، فإن مسألة الترجمة بين الخطابات وبين الحقول المعرفية تقع أيضاً في صلب اهتماماتهم وتساؤلاتهم. يكفي النظر في مفهوم "لغة الآخر" (باعتبارها "مخزون الدالّات") الذي طرحه جاك لاكان – وهي لغة الآخر التي نعلم مدى حسمها في التكوين النفسي للذات – أو النظر، في الطرف الآخر من الطيف النظري، إلى مسألة صمت المجنون والمثليّ والجانح، استحضاراً للثلاثية القمعية التي كشف عنها ميشيل فوكو. وسواء تعلق الأمر باللاوعي بوصفه لغة أو بـ "الحبس الكبير" الوارد في كتاب *تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي* (فوكو، 1972a)، فإن اللغة -بأنماطها ونماذجها- تحتل موقعاً مركزياً في طروحات مفكري ما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية". ويُعد كتاب جاك دريدا *أحادية لغة الآخر* (Le Monolinguisme de l’autre) نموذجاً بارزاً للتأملات حول اللغة، إذ يربط بين مسألة اللغة ومسألة الهوية. وهنا سأورد ثلاث مقولات تتخلل الكتاب ويشرحها المؤلف بإسهاب: "نعم، ليس لدي سوى لغة واحدة. لكنها ليست لغتي" (دريدا، 1996: 15). وهناك مقولتان أخريان تفصّلان المقولة الأولى: ""1" . لا يتحدث المرء أبداً إلا لغة واحدة. "2". لا يتحدث المرء أبداً لغة واحدة" (المصدر نفسه: 21). وفي هذا الصدد، يمكن إعادة قراءة أعمال جاك دريدا بأكملها في ضوء مسألة اللغة، وتعدد اللغات، وإمكانية ترجمتها أو استحالتها. لعل أبرز إنجازات "النظرية الفرنسية" فيما يتعلق بمسألة تعدد اللغات هو "المعجم الأورُبي للفلسفات" (Vocabulaire européen des philosophies) -المعروف أيضاً بعنوان فرعي هو "قاموس غير القابل للترجمة" (Dictionnaire des intraduisibles)- الذي أشرفت عليه باربرا كاسان (Cassin, 2004)؛ وهو عمل حظي بعدد كبير من الترجمات المنشورة أو قيد الإنجاز، ومن بينها النسخة الإنكليزية التي صدرت عام 2014 تحت إشراف إميلي أبتير وجاك ليزرا ومايكل وود (كاسان، 2014). يهدف هذا المعجم إلى استكشاف العلاقات المعقدة التي تربط المصطلح الفلسفي باللغات الطبيعية التي نبع منها وتشكّل نسيجه؛ إذ تنطلق فرضية العمل من أن لغة الفلسفة تتأثر بلغات مؤلفيها، وأن المفهوم ليس مجرداً ولا بمنأى عن الانخراط في شبكة اللغة الأم التي يُصاغ من خلالها. وتتخذ هذه السمة الشبكية للمفهوم طابعاً معجمياً ونحوياً في آن واحد.
تندرج بعض المفاهيم -مثل *Ereignis* أو *gender*، على سبيل المثال لا الحصر- ضمن نطاق "استعصاء الترجمة intraduisibilité " (أو عدم القابلية للترجمة) الذي يطبع مرحلة ما بعد بابل، وهو ما يسعى المشروع بأكمله إلى بلورته وتجسيده؛ إذ ينصبّ اهتمام مؤلفي القاموس -في كل مادة من مواده- على رصد ما يدين به كل مفهوم لتاريخ اللغة (بل والتاريخ الأدبي) الذي نبع منه، وعلى ضرورة وضع كل مفهوم في مواجهة مفاهيم أخرى مستمدة من لغات مغايرة. فاللغة الفلسفية ليست معزولة؛ إذ هي عرضة لتأثيرات متعددة، ولتداخلات نصية وإيحاءات ضمنية تستحق الكشف عنها وتعميق فهمها. ولم تغب كلمة "نظرية" (theory) نفسها عن الطبعة الأمريكية التي أشرف عليها كل من إميلي أبتير وجاك ليزرا ومايكل وود -وهم ثلاثة من منظّري "النظرية الفرنسية" الذين هم، في الوقت ذاته، أمريكيون. وتُذكّر المقدمة بأن فعل *theorein* في اليونانية القديمة يعني الرؤية والملاحظة، ولكنه يعني أيضاً السفر إلى أصقاع نائية؛ أما في اللاتينية، فتشير كلمة *theoria* إلى حالة من الملاحظة والتأمل، كما تشير -بالمعنى الموسّع- إلى مهمة دبلوماسية. وينبغي فهم "النظرية الفرنسية" من منظور الترجمة، باعتبار أنها تطرح -حتى في تسميتها ذاتها- إشكالية القابلية للترجمة مقابل الاستعصاء المبدئي على الترجمة الذي يطبع المفاهيم؛ أي تلك الفجوة القائمة بين الضرورة الحتمية لنقل المفاهيم الفلسفية بين اللغات، وبين ما يتبقى من استعصاءٍ عصيٍّ على الحلّ عند الانتقال من لغة إلى أخرى.

منتجٌ مُستورَدٌ إلى الأوساط الجامعية الأمريكية
"النظرية الفرنسية" ليست مفهوماً، بل هي اسم: "عماذا تُعبّر تسمية ’النظرية الفرنسية‘؟"؛ هكذا يمكن صياغة سؤالي بطريقة أخرى، وذلك اقتباساً -مع تعديل- للعنوان النمطي لمقالٍ كتبه شخصيةٌ أخرى من شخصيات هذا التيار ذي الملامح غير المحددة والمتحولة: ألان باديو (باديو، 2009). لا أحد يعرف من صاغ هذا الاسم أو من استخدمه لأول مرة. ففي كتاب صدر عام 2005، استخدم فرانسوا كوسي (François Cusset) هذا المصطلح لاستكشاف كيفية تلقّي أعمال بعض المفكرين الفرنسيين في الولايات المتحدة، كما يشير عنوان الكتاب: "النظرية الفرنسية: فوكو، دريدا، دولوز وآخرون، وتحولات الحياة الفكرية في الولايات المتحدة" (كوسي، 2005). ويُستخلص من قراءة هذا العمل (الذي يطرح مقاربةً يمكنني وصفها بأنها تاريخٌ فكري) أن "النظرية الفرنسية" تُعدّ منتجاً مُستورداً إلى الولايات المتحدة.
ومما لا شك فيه أن جيل مؤلفي ما يُسمى بـ "النظرية الفرنسية" قد انجذب بقوة نحو الولايات المتحدة، وذلك لأسباب متعددة. ولن أورد سوى مثال واحد -ربما يكون الأكثر دلالةً ورمزيةً- وهو مثال جاك دريدا، الذي عبر المحيط الأطلسي لأول مرة عام 1956، بُعيد نجاحه في مسابقة التبريز (agrégation) في الفلسفة، حيث أقام في جامعة هارفارد لمدة عام بصفة "مستمع خاص" (special auditor . ففي مكتبة "وايدنر" ،(Widener Library) قرأ أعمال جيمس جويس لأول مرة، وفي كامبريدج باشر ترجمة نص "أصل الهندسة" (L’Origine de la géométrie) وكتابة مقدمته. ومنذ ذلك الحين، لم ينقطع عن زيارة الولايات المتحدة بانتظام للتدريس فيها. بدءاً من عام 1975، شغل جاك دريدا مناصب أستاذ زائر في جامعات أمريكية مرموقة، بدءاً من "ييل" و"كورنيل" ووصولاً إلى جامعة كاليفورنيا في إرفاين (UC Irvine) حيث درّس لفترة طويلة وحيث تُحفظ أرشيفاته اليوم.
وسأذكر مثالاً آخر لا يقل أهمية، وهو مثال فيليب لاكو-لابارت وميشيل فوكو؛ إذ اجتمعا للتدريس في العام نفسه، 1983، وفي الحرم الجامعي ذاته في كاليفورنيا (جامعة بيركلي)، لطلاب أتيحت لهم فرصة حضور ندوات اثنين من أشهر الفلاسفة الفرنسيين في عصرهما بالتوازي وخلال الفصل الدراسي نفسه. ولا تُعدُّ هذه الأمثلة مجرد حكايات عابرة، بل هي شاهد على أن الفلسفة الفرنسية في حقبة الثمانينيات كانت تدور رحاها في أمريكا، وأنها وجدت في القارة الأمريكية الشمالية مكاناً لها، إن لم نقل ملاذاً. ولنتذكر أن العديد من هؤلاء المفكرين -كما كان الحال تحديداً مع جاك دريدا- وجدوا أنفسهم في أوضاع مؤسسية معقدة، إن لم نقل متناقضة؛ فعلى الرغم من شهرته ومكانته المعترف بها دولياً، لم ينجح دريدا قط في الحصول على منصب أستاذ في جامعة فرنسية.
وثمة مثال آخر يجسد هذا الحضور للفكر الفرنسي في الولايات المتحدة، ألا وهو اللقاء الذي جمع بين جاك لاكان وجاك دريدا في بالتيمور في تشرين الأول 1966. وقد جاء هذا اللقاء بمناسبة مؤتمر نظمه كل من رينيه جيرار ويوجينيو دوناتو وريتشارد ماكسي تحت عنوان "لغات النقد وعلوم الإنسان" (The Languages of Criticism and the Sciences of Man)؛ وهو المؤتمر الذي شارك فيه -إلى جانب لاكان ودريدا- كل من جان بيير فيرنان وجان هيبوليت وتزفيتان تودوروف، كما دُعي إليه أيضاً كل من فوكو وليفي-شتراوس وديلوز لكنهم لم يتمكنوا من الحضور. وكان الهدف الذي سعى إليه المنظمون هو إدخال البنيوية إلى الساحة الأمريكية. وفي هذا الصدد، يمكن القول إن ما بعد البنيوية قد ولدت أمام جمهور جامعي أمريكي في عام 1966.
وإذا كانت شهادة ميلاد "النظرية الفرنسية" قد صدرت بلا شك في الولايات المتحدة، فإن الفلسفة الفرنسية في الفترة الممتدة من الستينيات إلى الثمانينيات قد فعلت أكثر من مجرد الانتقال إلى ما وراء الأطلسي؛ حيث اتخذت شكلاً - ليس شكلاً مؤسسياً، بل شكلاً ينبغي فهمه بالمعنى الظاهراتي (الفينومينولوجي) للكلمة. لقد ظهرت - وظهرت لنفسها - ولو جزئياً في سياق أكاديمي أجنبي. وإذا عدنا إلى مؤتمر عام 1966، يحق لنا أن نتساءل عما إذا كان مصطلح "النظرية الفرنسية" ليس سوى تسمية بديلة لـ "ما بعد البنيوية post-structuralisme "؛ وهي فئة تصادم معها العديد من المفكرين المحسوبين على "النظرية الفرنسية" رغم تصنيفهم تحت هذه الراية. وهكذا، تبدو "النظرية الفرنسية" اسماً لشيء آخر غير ذاتها، اسماً وُضع مكان اسم آخر لأسباب لا تزال بحاجة إلى توضيح.

منتج مُهرَّب
باعتبارها منتجاً مستورداً ظهر بعيداً جداً عن القارة الأوربية والأراضي الفرنسية، تُعد "النظرية الفرنسية" أيضاً منتجاً مُهرَّباً produit de contrebande. فهي لا تنفصل - في السياق الجامعي الأمريكي - عن عملية تلقي الفلسفة القارية، سواء الفرنسية أو الألمانية. وهكذا، تمثل "النظرية الفرنسية" قصة لقاء بين مثقفين فرنسيين شعروا بالحاجة إلى الانتقال للخارج لنشر أعمالهم، وبين أكاديميين أمريكيين شباب - من طلاب دكتوراه وأساتذة - وجدوا مصلحة علمية، بل واستراتيجية وسياسية أيضاً، في استقبالهم والترويج لأفكارهم. إن ما تشير إليه "النظرية الفرنسية" يقع عند نقطة التقاء التقاليد الأمريكية بالتقاليد الألمانية؛ وتكمن التعقيدات في أن عملية التلقي هذه قد مرت - ولو جزئياً - عبر قراءات فرنسية. القاسم المشترك بين العديد من الفلاسفة المحسوبين -افتراضاً- على ما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية" هو كونهم قراءً وشُرّاحاً بارزين للفلسفة الألمانية؛ فقد برز دريدا في تعليقاته على هوسرل وهيدغر، وميشيل فوكو في قراءته لكانط، وجان لوك نانسي في أعماله حول هيغل، ودولوز في كتابه عن نيتشه، وفيليب لاكو-لابارت في تناوله لأعمال هولدرلين وهيدغر، وغيرهم.
لقد أتاحت "النظرية الفرنسية" تمرير تقليد فلسفي تحت غطاء تقليد آخر، مستفيدةً من المعنى المزدوج لكلمة "تمرير" (faire passer): أي النقل والإيصال من جهة، والتهريب أو التمرير الخفي والمبهم من جهة أخرى. وفي هذا الصدد، يمكن القول إن "النظرية الفرنسية" هي بمثابة "منتج مُهرَّب".
بالنسبة لبعض الفلاسفة الذين أشرت إليهم، كانت أمريكا تمثل قارةً تتسم -وربما عن خطأ- بـ "براءة" أو خلوٍّ نسبي من التقاليد الفلسفية. ويمكن إعادة قراءة السجال الفلسفي العنيف الذي دار بين جاك دريدا وجون سيرل (الفيلسوف الأمريكي المنتمي للتقليد التحليلي) "2" حول تفسير مفهوم "الفعالية" (performativity) عند أوستن " 3"، في ضوء ذلك التصور الفرنسي -الذي لم يكن حكراً على دريدا وحده- القائل بأن التقليد الفلسفي الأمريكي، إن وُجد أصلاً، فهو تقليدٌ ثانوي أو هامشي. وغالباً ما تفضي "النظرية الفرنسية" إلى مشهد مواجهة أو سجال يتضمن ثلاثة أطراف، وهو ما يثبته بوضوح ذلك الخلاف بين سيرل ودريدا حول اسم جون أوستن. ومهما يكن من أمر، وباستثناء تلك الواقعة الشهيرة، فإن دريدا لا يأتي على ذكر الفلسفة الأمريكية ولا يشير إليها، بل يبدو وكأنه يجهلها تماماً. ومع ذلك، فإن جوهر ما تعبر عنه "النظرية الفرنسية" -وهو أمر يدركه جيداً أي أكاديمي أمريكي متخصص في العلوم الإنسانية- يتمثل في صراع محتدم، بدرجات متفاوتة، بين الفلسفة القارية والفلسفة التحليلية. تجدر الإشارة هنا إلى أن هذه المقاربة الفرنسية لأمريكا الفلسفية باعتبارها "أرضاً مجهولة" (terra incognita) تعيد استحضار الحلم الأورُبي الأولي — الاستعماري — المتمثل في أمريكا بوصفها "أرضاً مُكتشفة حديثاً" (newfound land) أو أرضاً جديدة، وذلك رغم أن هذا التوجه يندرج ضمن سياق هيمنة إمبريالية — اقتصادية وجيواستراتيجية على وجه الخصوص — تمارسها أمريكا على أوربا. وهكذا، تتسم علاقة الفلاسفة الفرنسيين بالقارة الأمريكية بنوع من الازدواجية ambivalence ؛ فالفيلسوف دريدا، الذي وصل به الأمر إلى حد الربط بين "التفكيكية" وأمريكا "4" في مقولة شهيرة، يبدو أنه تراجع عن ذلك في النص ذاته ليصفها بدلاً من ذلك بمصطلحات "التحويلات" (transferts) "5" عوضاً عن اعتبارها "مكاناً خاصاً" أو محدداً بذاته.
يمكن رسم ملامح سريعة لكيفية تلقي "النظرية الفرنسية" في القارة الأمريكية، إذ إن هذا التلقي لم يشمل جميع الولايات أو كامل أرجاء البلاد؛ فقد امتد المسار من الساحل الشرقي - بدءاً من جامعة ييل (Yale) حيث حظي الفلاسفة الفرنسيون، ولا سيما دريدا، بدعم وحضور بول دي مان، ومروراً بجامعة جونز هوبكنز (Johns Hopkins) التي ذُكر اسمها آنفاً، ووصولاً إلى جامعة كورنيل (Cornell) حيث عرّف جوناثان كولر بأعمال جاك دريدا في وقت مبكر جداً، ثم جامعة نيويورك (NYU) التي درّس فيها أو ألقيتْ فيها محاضرات من قبل العديد من المفكرين الفرنسيين، وصولاً إلى جامعات الساحل الغربي (مثل بيركلي، ولوس أنجلوس، وإرفاين التابعة لجامعة كاليفورنيا) حيث حظي الفكر الفرنسي -ولا يزال- بأفضل درجات الترحيب والقبول، وانتهاءً بجامعتي نورث وسترن (Northwestern) وديبول (DePaul) في شيكاغو. وقد اقترن تلقي "النظرية الفرنسية" بتأثيرات جيلية ومؤسسية في أقسام الأدب الفرنسي والأدب المقارن، في حين أن أقسام الفلسفة في الولايات المتحدة كانت -تقريباً دون استثناء- مكرسة لدراسة التقليد الفلسفي التحليلي؛ وهكذا بنى العديد من الأكاديميين الأمريكيين أعمالهم ومساراتهم المهنية في ظل "التفكيكية" (deconstruction) ونقد أعمال الفلاسفة الفرنسيين الذين جمعتهم بهم علاقات عمل وصداقة. ورغم أن هذا الجيل قد استمر وتوسعت دائرته، إلا أنه بات على وشك التقاعد وإفساح المجال لآخرين يتبنون مقاربات نظرية أو منهجية لا تنظر بالضرورة نظرة إيجابية إلى أعمال ومؤلفي ما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية".
تُنتج "النظرية الفرنسية" شتى أنواع سوء الفهم والالتباسات، وهي أمور أميلُ -على غرار جاك دريدا- إلى تسميتها بـ "آثار الالتفاف" أو "تأثيرات المسارات غير المباشرة" (effets d’indirection). سأورد مثالين يتعلقان بانتقال التراث الفكري: تُدرَّس فلسفة إيمانويل كانط في الولايات المتحدة ضمن أقسام اللغة الألمانية، والأدب المقارن، واللغة الفرنسية، ولكن ليس في أقسام الفلسفة - إلا في حالات استثنائية. وتتميز "النظرية الفرنسية" بكونها تعود عبر مسارات جانبية غير متوقعة؛ فعلى الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، يتعرف العديد من الطلاب الفرنسيين المعاصرين على أعمال رولان بارت أو ميشيل فوكو من خلال قراءة جوديث بتلر، أو غاياتري سبيفاك، أو هومي بابا. وهذه المفارقة القدرية -التي لا تُعزى إلى المصادفة- تبدو لي متأصلة في بنية ما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية"؛ فهذه النظرية، وإن كانت تفتقر إلى الوحدة والاتساق، تندرج مع ذلك ضمن سلالة فكرية غير مباشرة ومجتمع فكري متناقض السمات، وهي نقطة أود تناولها الآن.

مشهد القراءة الصراعي
تظل مسألة وجود "النظرية الفرنسية" خارج السياق الجامعي لأمريكا الشمالية قائمةً ومفتوحة للنقاش، لا سيما وأن هذه "النظرية الفرنسية" لا تشكل متناً فكرياً موحداً أو متفقاً عليه corpus unifié et consensuel ؛ فالفلاسفة الذين يُفترض أنهم يشكلون هذا التيار لا يتقاسمون مقاربة منهجية مشتركة، ولا حتى موضوعات بحثية موحدة. ولا نجد بينهم ما يشبه مجتمعاً فكرياً أو ممارسة مشتركة؛ لذا يحق لنا أن نتساءل عما ربط بينهم، بعيداً عن معاصرتهم لبعضهم البعض أو انتمائهم -بالنسبة للبعض منهم- إلى الجيل الفلسفي ذاته. إن الإجابة التي أميل إلى طرحها لا تنطوي على مفارقة إلا في الظاهر: فما ربط بينهم هو ذاته ما أدى إلى تباعدهم واختلافهم؛ إذ دارت بينهم "مشاهد قراءة صراعية" وسجالات تأويلية، ظل بعضها ذائع الصيت، بينما بقي بعضها الآخر محصوراً في دوائر ضيقة. سأتناول مثالين يبدوان لي دالّين على نمط وجود "النظرية الفرنسية" ، إذ يتمحوران - إن لم يكن حول موضوعات أو مفاهيم مشتركة - فعلى الأقل حول نصوص متداولة ومُشتركة. ويمكن النظر إلى "النظرية الفرنسية" بوصفها ساحةً تتصارع فيها مقارباتٌ قرائيةٌ تتمايز وتنفصل بعضها عن بعض ضمن دراميةٍ قوامها التعليقُ ونقدُ التعليق الفلسفي؛ وهي ممارسةٌ، وإن لم تكن جديدةً في تاريخ الفلسفة، إلا أنها تتسم بطابعٍ فريد. وفي هذا الصدد، يمكن تعريف "النظرية الفرنسية" بأنها "نقدٌ للنقد"، استعارةً لتعبير ماركس وإنجلز " 6 ".
وهذا هو حال القراءة الشهيرة -التي اتخذت طابع السجال- لقصة إدغار آلان بو القصيرة "الرسالة المسروقة" (The Purloined Letter)، وهي القراءة التي وضعت جاك لاكان وجاك دريدا في مواجهة استمرت قرابة ثلاثين عاماً. ففي إحدى ندواته (أو حلقات دراسته) الأولى، حاول المحلل النفسي الفرنسي استخلاص دلالات تحليلية نفسية من نص بو، ثم وضع تلك "الندوة حول الرسالة المسروقة" في مقدمة كتابه "كتابات" (Écrits) الصادر عام 1966. وفي عام 1980، وفي كتابه "البطاقة البريدية" (La Carte postale)، انتقد جاك دريدا -بشكل دقيق وحاد للغاية- القراءة اللاكانية للنص الأدبي، واصفاً نهج لاكان بأنه "متعال métaphysique ".
إن المشهد النقدي المعني هنا هو مشهد يضم ثلاثة أطراف، ويتخذ شكل ما وصفه جان لويس فابياني -بحق- بأنه "درس في القراءة" (فابياني2007). وسأورد مثالاً ثانياً لا يقل أهمية ونموذجية عن الأول؛ إذ وضع هذا المثال كلاً من ميشيل فوكو وجاك دريدا في مواجهة -عبر النصوص المتبادلة- حول نص ثالث مرجعي وأساسي: وهو مقطع من "التأملات الميتافيزيقية Méditations métaphysiques " الأولى لرينيه ديكارت.
"صحيح أن الحواس تخدعنا أحياناً فيما يتعلق بالأشياء غير المحسوسة بوضوح أو البعيدة جداً، إلا أن هناك أشياء أخرى كثيرة لا يمكن الشك فيها عقلانياً، رغم أننا نعرفها عن طريق الحواس: كأن أكون هنا، جالساً قرب المدفأة، مرتدياً رداء المنزل، وممسكاً بهذه الورقة بين يديّ، وغيرها من الأمور المماثلة. وكيف يمكنني أن أنكر أن هاتين اليدين وهذا الجسد يخصانني؟ إلا إذا قارنت نفسي بأولئك المجانين؛" ...أولئك الذين يعتري عقولهم اضطراب وتشوش شديدان بسبب أبخرة الصفراء السوداء، فيزعمون باستمرار أنهم ملوكٌ وهم في غاية الفقر، أو أنهم يرتدون الذهب والأرجوان وهم عراة تماماً، أو يتخيلون أنهم جرارٌ وأن أجسادهم من زجاج. ولكن مهلاً، إنهم مجانين، ولن أكون أقل شططاً منهم لو حذوت حذوهم. (ديكارت، 1953: 268)
في أطروحته لنيل درجة الدكتوراه (أطروحة الدولة) المنشورة عام 1961، يرى ميشيل فوكو أن ديكارت يرسم في هذا النص خطاً فاصلاً بين أخطاء الحواس وأوهام الأحلام من جهة، وبين شطحات الجنون من جهة أخرى. وتمثل هذه الخطوط، بالنسبة لفوكو، عملية إقصاء للجنون خارج حدود العقل، وهو إقصاءٌ يُنذر بـ "الحجز الكبير" grand renfermement (فوكو،1972: 56 ) الذي سيأتي لاحقاً، وفقاً للأطروحة الفوكوية المعروضة في الفصل الثاني.
في الرابع من آذار عام 1963، وخلال جلسة لـ "كلية الفلسفة" التي أسسها جان فال (Jean Wahl)، شنّ دريدا هجوماً على من كان أستاذه في "مدرسة المعلمين العليا" (École normale supérieure) ومن يكبره ببضع سنوات " 7 ". وقد قدّم دريدا لفوكو في هذا النص درساً حقيقياً في فن القراءة: فإذا كان الجنون يبدو للوهلة الأولى مُبعَداً ومُقصىً عبر فرضية "الشيطان الماكر" (أو العبقري الشرير malin génie )، فإن ذلك -في نظر دريدا- يهدف في الواقع إلى إعادة إرساء إمكانية الجنون في صميم بنية المعقولية. وما يرفضه دريدا في نهاية المطاف هو إقدام ميشيل فوكو على إخضاع فرضية "الشيطان الماكر" لمنطق التأريخ (أي ربطها بسياق تاريخي محدد). يعترض دريدا على الطريقة التي أغفل بها مؤلف كتاب "الجنون واللاعقل" (Folie et déraison) النظر في تاريخ "اللوغوس" (العقل/الخطاب) قبل العصور الوسطى؛ إذ يرى أن بنية الإقصاء التي رصدها فوكو في "العصر الكلاسيكي" ليست سوى تكرار للانتصار السقراطي والجدلي على "الغطرسة l’ubris " (أو الطغيان الجامح) التي ميزت موقف كاليكليس. ومن خلال مساءلة الجوانب غير المُفكَّر فيها في أطروحة فوكو، يسعى دريدا إلى تحديد الحيز المخصص للفلسفة ضمن هذه البنية التاريخية الشاملة. ففي نظره، لا يُعد "التأمل الأول" (لديكارت) عملية إقصاءٍ تعسفيٍّ لإمكانية الجنون من نطاق الفكر ذاته؛ ذلك أن ما يتحدث عنه ديكارت ليس الجنون بالمعنى الطبّي النفسي، بل هو "الشطط" أو "الخروج عن جادة الصواب". وتستند حجة دريدا في هذا السياق إلى أن مبدأ "الكوجيتو" (أنا أفكر) يظل قائماً وصحيحاً حتى لو كنتُ مجنوناً، وحتى لو كان تفكيري مجنوناً في جوهره ومنتهاه: "سواء كنتُ مجنوناً أم لا، فأنا أفكر، إذن أنا موجود" (Cogito sum) (دريدا، 1967 ب: 86).
تأخر رد فوكو؛ فقد نُشر لأول مرة عام 1971 في المجلة اليابانية *Paideia* ضمن عدد خاص خُصص للروابط بين عمله الفلسفي وعلاقته بالأدب، وذلك تحت عنوان "جسدي، هذه الورقة، هذه النار Mon corps, ce papier, ce feu "، ثم أُعيد نشره في الطبعة الفرنسية الجديدة لكتاب *تاريخ الجنون* عام 1974 (Foucault, 2001 [1972b]). يصر فوكو على أن المقارنة بالجنون تشكل ركيزة أساسية في الحجة الديكارتية، ويرفض قراءة دريدا لكونها تغفل اعتبار "التأمل" (méditation) حدثاً خطابياً.
ويُعد رد فوكو كاشفاً ومضيئاً، لا سيما فيما يتعلق بنقطة تهم مسألة "الجماعة" المفترضة لمؤلفي ما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية": ألا وهي انتقاده للطابع النصي المبالغ فيه الذي تتسم به قراءة دريدا.
"لن أقول إنها ميتافيزيقا -أو الميتافيزيقا أو انغلاقها- هي التي تتوارى خلف هذه 'التحويل إلى نص' (textualisation) للممارسات الخطابية. بل سأذهب أبعد من ذلك بكثير: سأقول إنها 'بيداغوجيا' (نهج تعليمي) صغيرة ومحددة تاريخياً بوضوح، هي التي تتجلى هنا بشكل جليّ. إنها بيداغوجيا تُعلّم التلميذ أنه لا يوجد شيء خارج النص، ولكن في داخله -في ثناياه وفراغاته ومسكوتاته- يكمن مخزون الأصل؛ وأنه، بالتالي، لا داعي للبحث في مكان آخر" (فوكو 1972b: 1135).
والواقع أن دريدا، في نقده، كان يهدف -كما كتب هو نفسه- إلى "ممارسة فن التعليق" (دريدا1967b: 55) على نص فوكو. تتمحور المواجهة النهائية بين المفكرين حول مسألة "وضع النص"، وهي المسألة التي تضع مؤلف كتاب *في علم الكتابة* (دريدا، 1967أ) في مواجهة مؤلف كتاب *حفريات المعرفة L’Archéologie du savoir * (فوكو، 1969). ولا يُستهان بهذا السجال، وإن بدا للوهلة الأولى أنه يتمحور حول مجموعة من التفاصيل الجزئية " 8 "؛ إذ يظهر فيه "المفهوم الجذري للكتابة" (أو المفهوم الأولي للكتابة) عند دريدا متعارضاً تعارضاً يستحيل معه التوفيق مع مفهوم "المنطوق" (énoncé) عند فوكو، باعتباره شرطاً تلفظياً لما يُقال. فالتاريخ الخاص بالمنطوقات -كما كشف عنه فوكو- يدخل في صراع صريح مع مفهوم "النصية المعممة" الذي يتبناه دريدا. وكما يقول فوكو في مقدمة الطبعة الأولى من كتابه *الجنون واللا-عقل: تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي*: "لا وجود للغة مشتركة؛ أو بالأحرى، لم يعد لها وجود" (فوكو، 1961: ii). إنه صراعٌ لا سبيل لتجاوزه، ومواقفُ يستحيل اختزال أحدها في الآخر، ومع ذلك فهي تشكل ركائز جوهرية في الخطاب الفلسفي لكل منهما؛ إذ يمثل النص الديكارتي ساحةً لهذه المواجهة التي تتيح توضيح موقع كل منهما إزاء الآخر، وتعميق فهم علاقة كل منهما بفكره الخاص.
في فصل بعنوان "بماذا نُميّز البنيوية؟" (دولوز 1994: 293-329) - وهو مقتبس من المجلد الأخير لعملٍ أشرف على تنسيقه فرانسوا شاتليه - يحدد جيل دولوز ستة معايير لتعريف البنيوية. ومن الجدير بالذكر أن العديد من هذه المعايير يمكن تطبيقها أيضاً على ما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية". يتمثل المعيار الأول الذي يبرزه دولوز في اكتشاف "النظام الرمزي" والاعتراف باللغة بوصفها "موضوعاً بنيوياً". أما المعياران الثالث والرابع فيتمثلان في الاعتراف بمفهومي "التفرّد" و"الاختلاف". ووفقاً للمعيار السادس والأخير - الذي يبدو أنه يتوج المجموعة ويُلخّصها إن جاز التعبير - تُعرّف البنية بأنها نتاج "موضوع" أو "عنصر" مفارق (أو متناقض)، يُشبّهه دولوز مجازياً بـ "الخانة الفارغة". فهو يتصور البنية بوصفها تنظيماً لعنصرٍ يستعصي على الانتظام في نسق. وفي الواقع، يتيح نموذج "الخانة الفارغة" تسمية المحرّك الكامن وراء العديد من "اللا-أنظمة" الفلسفية في "النظرية الفرنسية"؛ ولنستحضر هنا "الموضوع a" (objet a) - أي الموضوع الذي يمثل علّة الرغبة في تعليم جاك لاكان - أو "شبه المفهوم" المتمثل في "المُكمِّل" (supplément) الذي كشف عنه مؤلف كتاب *في علم الكتابة* (De la grammatologie). إن مفكري "النظرية الفرنسية" يفسحون مجالاً للفراغ، ويخصصون بُعداً للمجهول، ويمنحون حيزاً واقعياً لما هو "غير مُفكَّر فيه". وفي ختام الفصل، يفصح دولوز عن الدافع وراء نهجه التصنيفي هذا؛ إذ كان يرمي إلى تفسير أصداء وترابطات بين أعمال ومؤلفين كان يراهم - من ناحية أخرى - "مستقلين تماماً عن بعضهم بعضاً، رغم أنهم يستكشفون مجالات شديدة التنوع" (المرجع نفسه: 328). إرث "النظرية النقدية" (Kritische Theorie)
سأختتم حديثي بطرح تساؤل: لماذا لا نكتفي بإطلاق تسمية "الفلسفة الفرنسية في النصف الثاني من القرن العشرين" على ما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية" ؟ يبدو أن ثمة سبباً لذلك لا يرتبط بحسابات السياسة الجامعية الأمريكية؛ فمصطلح "النظرية" ذو أصل ألماني - وقد مرّ بمرحلة "منفى" في أمريكا - وهو أمر يستحق التوقف عنده بإيجاز. تُعد "النظرية الفرنسية" بمثابة الأخت الصغرى، أو حتى "الربيبة"، لـ "النظرية النقدية" التي صاغها كل من تيودور أدورنو وماكس هوركهايمر، وهما مفكران ينتميان إلى "مدرسة فرانكفورت". وللتذكير، فإن "مدرسة فرانكفورت" هي التسمية التي أُطلقت - بدءاً من خمسينيات القرن العشرين - على مجموعة من المثقفين الألمان الذين التفوا حول "معهد البحوث الاجتماعية" (الذي تأسس في فرانكفورت عام 1923)؛ وهؤلاء المثقفون فرّوا من النظام الهتلري ولجأ معظمهم إلى الولايات المتحدة إبان الحرب العالمية الثانية. وقد جرى تعريف "النظرية النقدية" لأول مرة على يد ماكس هوركهايمر عام 1937 في كتاب حمل عنوان "النظرية التقليدية والنظرية النقدية" (1937). ويبدو أن "النظرية النقدية" قد أرست دعائم ذلك المنهج النقدي الذي انبثقت عنه "النظرية الفرنسية"؛ إذ توصف هذه "النظرية" بأنها "نقدية" لأنها تهدف إلى ممارسة نقد للمجتمع، وذلك استلهاماً لـ "الأطروحة الحادية عشرة حول فيورباخ" التي صاغها كارل ماركس عام 1845، والتي تنص على أن: "الفلاسفة لم يفعلوا شيئاً سوى تفسير العالم بطرق مختلفة، في حين أن المهمة تكمن في تغييره" (ماركس، 1845). وهكذا، اكتسب مصطلح "النقد" (kritisch) دلالة ماركسية في كتابات فلاسفة مدرسة فرانكفورت؛ فوفقاً لماركس، كانت وظيفة الفلسفة التقليدية قد استنفدت أغراضها، وكان لزاماً على "النقد" أن يتولى المهمة بدلاً منها. إن العنوان الفرعي لكتاب «رأس المال» —أي «نقد الاقتصاد السياسي»— يُبرز بوضوح ذلك القطيعةَ المصطلحية التي اعتبرها ماركس ضروريةً لتحويل طبيعة الفكر؛ ومن هذا المنظور، لا يبدو من غير المشروع اعتبار شخصيات مثل تيودور أدورنو، وماكس هوركهايمر، وفالتر بنيامين، وجورج لوكاتش بمثابة الأسلاف الألمان لـ «النظرية الفرنسية». فلقد ألهمت مساراتهم ومقارباتهم —التي اتسمت بطابع ما بعد هيغلي وما بعد ماركسي— بلا شكٍ روادَ هذا التيار، الذي لا يُعد «مدرسةً فرنسية» مؤسسيةً بالمعنى الذي كانت عليه «مدرسة فرانكفورت».
للتأكد من ذلك، يكفي النظر في العمل "النقدي" - الذي يستلهم في هذا السياق أصولاً كانطية أيضاً - والذي وجّه صياغة ميشيل فوكو لأطروحته الكبرى المنشورة بعنوان "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي"، وكذلك في الآثار التي أحدثها هذا النشر؛ فقد دعمت أطروحة فوكو وواكبت حركة مناهضة الطب النفسي في حقبتي الستينيات والسبعينيات. إن لدى مؤلفي "النظرية الفرنسية" وعياً بالآخرية الاجتماعية وعلاقةً بالمجال السياسي تستجيب - وإن كان ذلك بشكل غير مباشر ولكن دقيق - لمقتضيات الأطروحة الحادية عشرة حول فيورباخ؛ تلك الأطروحة التي لم تقتصر أصداؤها على قراء التقليد الماركسي فحسب، بل هزت أيضاً وعي العديد من الفلاسفة. فحتى جاك دريدا، مؤلف كتاب "أطياف ماركس Spectres de Marx " (1993) - والذي طالما تعرض للانتقاد لعدم تبنيه المثل الأعلى الشيوعي - كان قارئاً متفحصاً لأعمال ماركس على طريقته الخاصة. وتجدر الإشارة إلى أن آباء "النظرية النقدية" أنفسهم قد اتُهموا من قِبَل الماركسيين التقليديين (الأرثوذكس) بالتحريفية، وذلك لدمجهم في أعمالهم عناصر مستمدة من التحليل الماركسي مع مناهج أو مفاهيم أخرى قادمة من علم الاجتماع أو الفلسفة. لقد كان الماركسيون التقليديون محقين في نقطة واحدة على الأقل: إذ يمكن توصيف "النظرية النقدية" - ولو من باب النفي - بأنها "غير نقية" (unrein، لاستخدام المصطلح الألماني) منذ البدء.
وفي الواقع، فإن مفهوم "اللامعيارية" أو "الشوائب" - سواء على الصعيد المعرفي التخصصي أو السياسي - هو الذي يبدو الأكثر ملاءمة، أكثر حتى من مفهومي الهجينة أو الانتقائية، لتوصيف المنهج البحثي (الهيورستيكي) لكل من "النظرية النقدية" وما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية". على غرار سلفها المرموق، لم يكتفِ رواد ما يُعرف بـ "النظرية الفرنسية" بقراءة تاريخ الفلسفة، بل انفتحوا على دراسة العلوم الاجتماعية والإنسانية، بدءاً من التاريخ ووصولاً إلى النقد الأدبي. فقد نظر كل من أدورنو وهوركهايمر إلى ما يُدرَّس اليوم في العالم الأنجلوفوني تحت مسمى "النظرية النقدية" بوصفه وسيلة لتعميق فهم المجتمع بغية إحداث تحوّل فيه؛ وهو فهمٌ تطلّب تضافر العلوم الاجتماعية والإنسانية، بما في ذلك الجغرافيا والاقتصاد وعلم الاجتماع والتاريخ والعلوم السياسية والأنثروبولوجيا وعلم النفس والتحليل النفسي. وعلاوة على ذلك، لم ينسب أيٌّ من ميشيل فوكو أو جاك دريدا لنفسه لقب "فيلسوف"؛ إذ بدا لهما -من نواحٍ عديدة- أن هذا اللقب لا يعبّر بدقة عن طبيعة عملهما الذي اتسم بالخروج المتعمد عن المسارات التقليدية المألوفة. وقد تمثلت "المنهجية الأرخيولوجية" التي طوّرها فوكو -والتي تتيح "مجموعة فوكو" التي استحوذت عليها المكتبة الوطنية الفرنسية مؤخراً فهمَها وتوضيحَها- في قراءة (وتدوين منهجي للملاحظات حول) مجموعة واسعة من نصوص مفكرين ينتمون إلى حقول معرفية متنوعة ومتباينة للغاية -ومعظمها خارج نطاق الفلسفة- فضلاً عن الاطلاع على أرشيفات وطنية وإقليمية وبلدية لم يكن من المعتاد أن يقصدها أقرانه من الباحثين لاستقصائها وتحليلها. نازع فوكو المؤرخين احتكارهم للامتياز في التعامل مع الوثائق والسجلات الأرشيفية ــ وهو ما عرّضه لسخطهم ــ وذلك أثناء إنجازه للعديد من أعماله، بدءاً من كتاب "ميلاد العيادة" (1963) ومروراً بـ "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" (1972)، ووصولاً إلى ندواته في "كوليج دو فرانس" بين عامي 1970 و1983. وفي المقابل، كان الأدب ــ وتحديداً فقرة من المجلد الأول لكتاب "الاعترافات" لجان جاك روسو ــ هو المجال الذي اكتشف فيه دريدا ذلك "المُلحَق الخطير" الشهير (دريدا، 1967: 203)، والذي استند إليه في كشف منطق القمع وتهميش الكتابة (جعلها ثانوية)، كما تبلور هذا المنطق تاريخياً في كتابه "في علم الكتابة" الصادر عام 1967. ولا عجب في أن يجد دريدا موقع "التفكيك" ومجاله ــ الذي لا يمثل أصلاً أو منشأً أولياً ــ في نص أدبي ومن خلال حوار مستمر مع الأدب؛ فالميتافيزيقا، وفقاً لقراءته لها منذ أفلاطون، تقوم على نبذ أي استخدام أدبي للغة ــ أي استخدام لا يتسم بأحادية المعنى ــ ونبذ الكتابة برمتها.
من منظور "النظرية النقدية" وما أميل إلى تسميته "الفكر الفرنسي" بدلاً من مصطلح "النظرية الفرنسية" ، يبدو لنا أن استبدال مصطلح "الفلسفة" بمصطلح "النظرية" أمرٌ منطقي تماماً، وقد أثبت جدارته ومبرر وجوده، سواء على الصعيد الإبستمولوجي أو السياسي. فالفكر الفرنسي أبعد ما يكون عن كونه كياناً موحداً وغير قابل للتجزئة؛ فهو ليس حركة، بل بالكاد يمكن وصفه بأنه تجمّع، وإنما هو سلسلة من الأعمال الفريدة للغاية التي أقامت فيما بينها علاقات صراعية اتسمت بالضراوة والخصوبة في آن واحد. وأود أن أختتم حديثي باقتباس بيتٍ للشاعر ستيفان مالارميه، كان لقاؤه ملهماً للعديد من الفلاسفة الفرنسيين في القرن العشرين، بدءاً بميشيل فوكو وجاك دريدا وجاك لاكان، وهو: "لَمْ يَحْدُثْ شَيْءٌ سِوَى الْمَكَانِ" (مالارميه, 1945 : 474-475). إن هذا البيت -المكتوب بأحرف كبيرة (بنط عريض)- والمأخوذ من قصيدة "رمية النرد" (Coup de dés)، يختزل "حدث" الفكر الفرنسي -إن جاز لنا الحديث عن حدثٍ كهذا-؛ إنه حدثٌ يقع في زمن "المستقبل السابق" (futur antérieur) لواقعةٍ ستتحقق مستقبلاً. فالفكر الفرنسي قد أفضى بالفعل إلى سلسلة من السجالات الفلسفية -العلنية بدرجات متفاوتة- والتي اتخذت أحياناً طابعاً نموذجياً يتمثل في "مشهد للقراءة"، أو مشهدٍ لنقد التأويل يتخذ شكل "درسٍ في القراءة leçon de lecture ".

مصادر وإشارات
1 - "تقرير قُدِّم في 30 أيلول 1982 إلى السيد جان بيير شيفينمان، وزير الدولة ووزير البحث والصناعة، من قِبَل كل من فرانسوا شاتليه، وجاك دريدا، وجان بيير فاي، ودومينيك لوكور".
2 - أثارَت ترجمة مقال جاك دريدا "توقيع، حدث، سياق" (وهو المقال الذي يختتم كتاب *هوامش الفلسفة*) في الولايات المتحدة ردّاً حاداً من الأستاذ الأمريكي. وبدوره، ردَّ دريدا بمقال مطوَّل بعنوان *Limited Inc* (محدودية المحدودية / شركة محدودة).
3 - ج. أوستن، 1970 [1962]، *كيف ننجز أشياء بالكلمات* (Quand dire c’est faire)، باريس، دار "سوي" (Seuil).
4 - "أمريكا، إنها التفكيك" (*ذكريات - من أجل بول دي مان*: 41).
5 - "ولكن، هل يوجد مكان خاص، أو تاريخ خاص لهذا الشيء؟ أعتقد أنه لا يوجد فيه سوى 'النقل' (transfert)، وتفكير في هذا النقل، بجميع المعاني التي تكتسبها هذه الكلمة في أكثر من لغة، وقبل كل شيء النقل بين اللغات. لو كان عليّ أن أجازف -لا سمح الله- بتقديم تعريف واحد للتفكيك، تعريف موجز ومُكثَّف ومقتصد كشعار، لقلتُ دون صياغة جملة: 'أكثر من لغة'. في الواقع، هذه العبارة لا تشكّل جملة. إنها تبدو كحكمة موجزة (sentencieux) لكنها بلا معنى، هذا إن افترضنا -كما يرى أوستن- أن الكلمات وحدها لا تحمل معنى (meaning). فما يحمل المعنى هو الجملة (sentence). كم جملة يمكننا صياغتها باستخدام كلمة 'تفكيك'؟" (*ذكريات - من أجل بول دي مان*: 38).
6 - "نقد النقد" هو العنوان الفرعي للكتيب الأول الذي وقّعه المؤلفان ونُشر عام 1845: *العائلة المقدسة أو نقد النقد*.
7- نُشر نص المحاضرة تحت عنوان "الكوجيتو وتاريخ الجنون" عام 1964 في "مجلة الميتافيزيقا والأخلاق" (68 (4): 460 - 494 (1963))، وعام 1967 في كتاب "الكتابة والاختلاف".
8- يكتب جاك دريدا (1967a: 2): "قد تبدو نقطة انطلاقي ضئيلة ومفتعلة".
Isabelle Alfandary: Pourquoi la « French Theory » n’existe pas
عن كاتبة المقال
إيزابيل ألفانداري ، أستاذة الأدب الأمريكي والنظرية النقدية في جامعة السوربون الجديدة، وفيلسوفة ومحللة نفسية. شغلت سابقاً منصب رئيسة "الكلية الدولية للفلسفة" (2016-2019). تتمحور أبحاثها حول التقاطع بين الفلسفة والتحليل النفسي والأدب. وهي مؤلفة للعديد من المقالات والكتب المتخصصة؛ ومن بين أعمالها كتاب "دريدا-لاكان: الكتابة بين التحليل النفسي والتفكيكية" (دار هيرمان، 2016). أما أحدث مؤلفاتها، الصادر عام 2021، فيحمل عنوان: "العلم والخيال عند فرويد: أي إبستمولوجيا للتحليل النفسي؟" (دار إيثاكا، 2021)، وقد تُرجم هذا الكتاب إلى اللغتين البرتغالية (في البرازيل) والإسبانية (في الأرجنتين).
" المترجم – عن الانترنت "

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...