عرض محمد عباس محمد عرابي
إن المعلم ليس ناقلًا للمعرفة فحسب، ولا موظفًا يؤدي ساعات عمله ثم ينصرف؛ بل
هو صاحب رسالة إنسانية وتربوية سامية، يسهم في تشكيل العقول، وبناء الشخصية،
وغرس القيم، وفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال. وقد ارتبطت نهضة الأمم عبر
التاريخ بمكانة العلم وأهله، وكان المعلم في قلب هذه النهضة؛ لأنه الحلقة التي تصل
الإنسان بالمعرفة، والناشئ بالقيمة، والجيل الحاضر بالمستقبل.
ومن هذا المنطلق تأتي قصيدة «وفاء للمعلم» للشاعر الدكتور عبد الله بن صالح
الشريف، لتكون تحية شعرية صادقة لكل معلم أفنى زهرة شبابه في تربية الأجيال
وتعليمها. فالقصيدة ليست مجرد احتفاء بشخص المعلم، وإنما هي احتفاء بالرسالة
التي يحملها، وبالأثر الذي يتركه في العقول والنفوس، وبالتضحيات التي يقدمها في
سبيل أداء أمانته.
ومن خلال أبياتها تتشكل صورة متكاملة للمعلم: فهو باني العقول، وناشر النور،
وراعي الناشئة، ونهر العلم، وصاحب الفضل. وفي المقابل تطرح القصيدة سؤال
الوفاء: ماذا قدمنا نحن للمعلم؟ وكيف نرد له بعض جميله؟ وهل يكفي أن نذكره في
مناسبة عابرة، أم أن الوفاء الحقيقي يتحول إلى سلوك وثقافة واحترام دائم للعلم
وأهله؟
قصيدة/وفـــــــــاء للمعـــــــلم
شعر / د.عبد الله بن صالح الشريف*
( 5 أكتوبر / اليوم العالمي للمعلم )
وفاء لكل معلم أفنى، ويفني زهرة شبابه في تربية وتعليم الأجيال إلى نهاية مشوار
البذل والعطاء ..
يقول فيها :
انْـهَـضْ فَـحَـيِّ مُعَـلِّـمَ الأجـيــالِ
بَانِـي العُقـولِ ، ومَعْـقِـدَ الآمــالِ
انْهَـضْ فَهـذا مَـنْ أَبــانَ حَقِيـقَـةً
كانـتْ كَـسِـرٍّ غَـامِـضٍ، ومُـحـالِ
لَـولا المُعَلـمُ مــا عَـرَفـتَ قِــراءَةً
لَـولاهُ حَتْمًـا كُـنـتَ فــي الجُـهَّـالِ
ولَظَلَّ أمرُكَ فـي الحيـاةِ تَخَبُّطًـا
وَلَتُـهـتَ بَـيـن حَرامِـهـا وَحَـــلالِ
أَوَ لَيـسَ هـذا مَـنْ أَنــارَ طَرِيقَـنـا
وسَمَا بِجيلٍ عَـنْ طَريـقِ ضَـلالِ؟
بَـثَّ الضِّـيـاءَ بِأنـفُـسٍ مُحتـاجَـةٍ
لِلنُّـورِ فــي زَمَــنٍ بَئِـيـسِ الـحـالِ
وحَـنَـا عَـلـى غِـــرٍّ يُـريــدُ تَعَـلُّـمًـا
ودَنــا لِيَـرعَـى زُمـــرَةَ الأطـفــالِ
تِلـكَ العُقـولُ اليَافِعـاتُ تَفَتَّحَـتْ
حِيـنَ ارتَـوَتْ مِـنْ غَيثِـهِ الهَطَّـالِ
ومَضَى يجودُ عَلَى الجمِيعِ بِعُمرِهِ
يُفنِي سِنِـيَّ العُمـرِ فـي التَّجـوَالِ
مُتَنقِّـلاً بَـيـن الـصُّـروحِ ، وبــاذِلاً
يَغْـذُو الفُهـومَ .. وبَـارِزًا لِـسـؤالِ
ذَبَلَـتْ زُهـورُ شَبابِـهِ ، وتَقـادَمَـتْ
حَتَّى غَدا في الشَّكلِ مِثـلَ هِـلالِ
لَـكِـنَّـهُ يَـبـقَـى ، ويَـنـشـرُ نُــــورَهُ
فَلَـهُ الصَّـدَارَةُ والمـكَـانُ العَـالِـي
نَهـرٌ يَفيـضُ مِـنَ العُـلـومِ لِنـاهِـلٍ
مِــنْ نَـبـعِ عِـلـمٍ نـافِــعٍ ، وَأَمَـــالٍ
ويَظَـلُّ مَـنْ وَرَدُوا مَعِيـنَ عُلومِـهِ
يَمضُونَ فـي نَشـرِ الضِّيَـا بِتَـوالٍ
إِنَّ المعَـلِّـمَ رَمـــزُ كُـــلِّ فَضـيـلَـةٍ
إِنَّ المعَـلـمَ صَـاحــبُ الأفـضــالِ
فَلَـهُ عَليـنـا الـحَـقُّ فــي تَكرِيـمِـهِ
وبِرَفـعِ ذِكْــرِ المحُـسِـنِ المِـبْـذَالِ
هاَأَنـتَ يَـا مـنْ قـد تعطَّـرَ ذِكْــرُهُ
أَفنَيـتَ عُمـرَكَ.. نُـؤْتَ بِالأثـقَـالِ
صُنتَ الأمانَـةَ حِيـنَ كُنـتَ مُعلِّمًـا
وحَمَـلـتَ هَـمًّـا راسِـخًـا كَـجِـبـالِ
أَحسَنتَ في بَذلِ العُلـومِ لِطالِـبٍ
مُتَعَـطِّـشٍ لِلعِـلـمِ.. قَـــامَ لَـيــالٍ
فَلكَ المَثُوبَةُ، والجَـزَاءُ مُضاعَفًـا
عَـنْ كُـلِّ حَـرْفٍ صُغْـتَ لِلأَجْـيـالِ
ولَـكَ المحـبَّـةُ ، والـوَفَـاءُ تَدَفَّـقَـا
مِنَّا جميعًا .. أنـتَ ، أنـتَ الغَالِـي
فَاهْنَـأْ بِحُـبٍّ كُنـتَ تَغـرِسُ بِــذْرَهُ
واليومَ تَجنِـي مِـنْ جَنـاهُ الحالِـي
أضواء على القصيدة:
* المعلم بين بناء العقول وصناعة الآمال
يفتتح الشاعر قصيدته بصيغة الأمر التي تحمل معنى التعظيم والدعوة إلى المبادرة
بالتكريم:
«انْهَضْ فَحَيِّ مُعَلِّمَ الأجيالِ
بَانِي العُقولِ، ومَعْقِدَ الآمالِ»
فالفعل «انهض» ليس مجرد دعوة إلى الوقوف، وإنما هو إيحاء بعظمة الموقف؛ لأن
تحية المعلم تستحق أن تكون تحية إجلال وتقدير. ثم يختصر الشاعر رسالة المعلم في
وصفين بالغَي الدلالة: «باني العقول» و**«معقد الآمال» .
وتعبير «باني العقول» يكشف عن أن مهمة المعلم تتجاوز نقل المعلومات إلى بناء
الإنسان المفكر القادر على الفهم والتحليل والتمييز. فالمعلم يضع اللبنات الأولى في
عقل المتعلم، ويهيئه لاكتشاف العالم من حوله، ويمنحه أدوات التفكير التي يستطيع
بها أن يواصل مسيرته العلمية بنفسه.
أما قوله «معقد الآمال» فيربط المعلم بمستقبل المجتمع؛ إذ إن الآمال التي تعقدها
الأمم على غدها تمر عبر المدرسة والجامعة والمؤسسة التعليمية، وتمر قبل ذلك كله
عبر المعلم الذي يصنع الإنسان القادر على حمل أعباء المستقبل.
* أفضال المعلم وجهوده:
ينتقل الشاعر إلى بيان أثر المعلم في حياة المتعلم، فيقول:
«انْهَضْ فَهـذا مَنْ أبانَ حقيقةً
كانتْ كسرٍّ غامضٍ، ومُحالِ»
ثم يوضح أثره بصورة أكثر مباشرة:
«لَولا المُعلِّمُ ما عرفتَ قراءةً
لَولاهُ حتمًا كنتَ في الجُهَّالِ»
فالإنسان لا يولد عالمًا، وإنما يبدأ رحلته المعرفية من نقطة الصفر، ويحتاج إلى من
يأخذ بيده ويعلمه كيف يقرأ ويفهم ويبحث. ومن هنا كان فضل المعلم عظيمًا؛ لأنه لا
يقدم للطالب معلومة محدودة فحسب، بل يفتح أمامه باب المعرفة.
والقراءة التي يشير إليها الشاعر ليست مجرد مهارة تقنية، وإنما هي مفتاح لعالم
واسع من المعرفة والثقافة والخبرة الإنسانية. فمن تعلم القراءة استطاع أن يقرأ
التاريخ والفكر والأدب والعلم، وأن يستفيد من تجارب السابقين، وأن يواصل التعلم
طوال حياته.
ولهذا فإن فضل المعلم في تأسيس المتعلم لا يقاس بعدد الدروس التي قدمها، وإنما بما
أتاحه له من قدرة على التعلم والاستقلال في تحصيل المعرفة.
* المعلم مشعل هداية
لا يحصر الشاعر وظيفة المعلم في التعليم الأكاديمي، وإنما يربطها بالتربية وتوجيه
السلوك، يقول:
«ولَظَلَّ أمرُكَ في الحياةِ تَخبُّطًا
ولَتُهتَ بينَ حرامِها وحَلالِ»
ثم يقول:
«أَوَ لَيسَ هذا مَنْ أنارَ طريقَنا
وسَما بجيلٍ عن طريقِ ضَلالِ؟»
إن هذين البيتين يقدمان المعلم بوصفه مرشدًا ومربيًا. فالمتعلم لا يحتاج إلى المعرفة
وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى من يعينه على استخدامها في الخير، ويميز له بين
السلوك القويم والسلوك المنحرف.
وهنا تظهر قيمة التربية إلى جانب التعليم؛ فالمعلم الحقيقي يسهم في تكوين شخصية
الطالب أخلاقيًا وفكريًا، ويغرس فيه احترام الآخرين، وتحمل المسؤولية،
والانضباط، والصدق، والأمانة، وحب العمل.
ومن ثم فإن أثر المعلم يمتد من العقل إلى الضمير، ومن الكتاب إلى الحياة.
* نور المعلم يبدد ظلمات الجهل
تتكرر في القصيدة صورة النور بوصفها رمزًا للعلم والهداية، يقول الشاعر:
«بَثَّ الضِّياءَ بأنفُسٍ محتاجةٍ
للنُّورِ في زَمَنٍ بَئيسِ الحالِ»
فالمعلم هنا أشبه بمن يحمل مصباحًا في طريق مظلم، يضيء للآخرين ما خفي
عليهم، ويعينهم على رؤية الطريق بوضوح.
وتزداد الصورة جمالًا حين يصور الشاعر عقول الطلاب بالعقول اليافعة التي تحتاج
إلى السقيا والرعاية:
«تِلكَ العقولُ اليافعاتُ تَفَتَّحَتْ
حينَ ارتَوَتْ من غيثِهِ الهَطَّالِ»
لقد جمع الشاعر بين صورتين: النور والغيث. فالعلم نور يكشف الطريق، وغيث
يحيي العقول كما يحيي المطر الأرض. وهذه الصورة تعكس طبيعة العملية
التعليمية؛ فالعقل يحتاج إلى المعرفة كما تحتاج الأرض إلى الماء، وكلما وجد
الرعاية والعلم انفتح على الفهم والإبداع.
* معاملة المعلم المثالية مع طلابه
ومن الجوانب الإنسانية اللافتة في القصيدة قول الشاعر:
«وحَنا على غِرٍّ يريدُ تَعَلُّمًا
ودَنا ليرعى زُمرَةَ الأطفالِ»
فالطفل أو المتعلم المبتدئ يحتاج إلى من يصبر على أخطائه، ويكرر له المعلومة،
ويشجعه عندما يتردد، ويحتوي ضعفه، ويفتح أمامه باب الأمل.
ومن هنا فإن المعلم الناجح لا يكتفي بأن يكون عالمًا بما يدرس، بل يحتاج إلى
الرحمة والحكمة والصبر والقدرة على فهم الفروق بين طلابه. وقد يكون أثر كلمة
تشجيع من المعلم في نفس الطالب أعظم من أثر درس كامل؛ لأنها تمنحه الثقة بنفسه
وتدفعه إلى الاستمرار.
ولهذا فإن عطاء المعلم عطاء عقلي ووجداني في الوقت نفسه.
* فناء عمر المعلم في أداء رسالته:
من أكثر المعاني حضورًا في القصيدة معنى التضحية بالوقت والعمر، يقول الشاعر:
«ومَضى يجودُ على الجميعِ بعمرِهِ
يُفني سِنيَّ العمرِ في التَّجوالِ»
فالمعلم يجود بأغلى ما يملك: عمره. والمال يمكن تعويضه، أما الوقت الذي يمضي
فلا يعود.
ثم يصف الشاعر تنقل المعلم بين الصروح التعليمية، وبذله المستمر في سبيل طلابه:
«مُتَنقِّلًا بينَ الصُّروحِ، وباذلًا
يَغْذو الفُهومَ.. وبارزًا لِسؤالِ»
وهذا التصوير يلفت النظر إلى الجهد الذي قد لا يراه الطالب دائمًا: إعداد الدروس،
وتصحيح الأعمال، ومتابعة الطلاب، والإجابة عن الأسئلة، ومعالجة جوانب
الضعف، والبحث عن الوسائل التي تجعل التعلم أكثر فاعلية.
إن كثيرًا من عمل المعلم يحدث بعيدًا عن أعين الطلاب، ولذلك قد لا يدرك المتعلم
مقدار الجهد الذي سبق اللحظة التي يقف فيها المعلم أمامه في الفصل.
* زهرة الشباب تذبل، وأثر المعلم يبقى
يبلغ الشاعر في تصوير التضحية درجة مؤثرة حين يقول:
«ذَبُلَتْ زُهورُ شبابِهِ، وتَقادمَتْ
حتى غدا في الشَّكلِ مثلَ هِلالِ»
إن السنوات تمضي على المعلم كما تمضي على كل إنسان، ولكن الفارق أن المعلم
يستطيع أن يهب سنوات عمره للأجيال. قد يتقدم به العمر، ويظهر أثر السنين على
ملامحه، لكن ما زرعه لا يذبل.
وهنا تأتي المفارقة الجميلة:
«لَكنَّهُ يَبقى، ويَنشُرُ نُورَهُ
فلَهُ الصَّدارةُ والمكانُ العالي»
فالجسد يتغير، والشباب يمضي، لكن الأثر العلمي والتربوي يبقى.
وهذه من أعمق الرسائل التي تحملها القصيدة: إن قيمة الإنسان لا تقاس فقط بما
يملك، وإنما بما يتركه وراءه من أثر نافع.
*عطاء المعلم الغزير والفياض
يقول الشاعر:
«نهرٌ يفيضُ من العلومِ لناهلٍ
من نبعِ علمٍ نافعٍ، وآمالِ»
يشبه الشاعر المعلم بالنهر المتدفق، وهي صورة توحي بالاستمرار والعطاء
والسخاء. فالنهر لا يمنح ماؤه لفرد واحد، وإنما يسقي كل من قصده، وكذلك المعلم
يبذل علمه لطلابه دون أن ينقص ذلك من علمه شيئًا.
والأجمل أن أثر هذا النهر لا يتوقف عند من شرب منه مباشرة، بل ينتقل إلى
الآخرين:
«ويظلُّ مَن وَرَدوا مَعينَ علومِهِ
يَمضونَ في نشرِ الضِّياءِ بتَوالٍ»
وهنا تكشف القصيدة عن قانون الأثر المتسلسل: المعلم يعلم الطالب، والطالب ينفع
غيره، وهكذا يستمر العلم من جيل إلى جيل.
فكم من معلم لم يعد يتذكر أسماء جميع طلابه، بينما ظل أثره حاضرًا في حياتهم؟
وكم من طالب أصبح بعد سنوات معلمًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو باحثًا أو قائدًا، وكان
في بدايته طفلًا أو شابًا أخذ أولى خطواته على يد معلم؟
* أفضال المعلم تستحق التكريم والتقدير
بعد أن استعرض الشاعر جهود المعلم، يصل إلى النتيجة الطبيعية:
«إنَّ المعلِّمَ رمزُ كلِّ فضيلةٍ
إنَّ المعلِّمَ صاحبُ الأفْضالِ»
ثم يقرر حقه:
«فلهُ علينا الحقُّ في تكريمِهِ
وبرفعِ ذِكرِ المحسنِ المِبْذالِ»
وهنا تتحول القصيدة من وصف فضل المعلم إلى تحديد واجبنا نحوه.
فمن حق المعلم أن يُكرم، وأن يُحترم، وأن يُذكر فضله، وأن تحفظ مكانته. لكن
التكريم الحقيقي لا ينبغي أن يكون كلمات موسمية تقال في يوم المعلم ثم تنتهي
بانتهاء المناسبة؛ بل ينبغي أن يكون سلوكًا مستمرًا.
واجبنا نحو المعلم:
إن الوفاء للمعلم يبدأ من الاحترام؛ احترام شخصه، ووقته، وخبرته، ومكانته، وعدم
التقليل من رسالته.
ثم يأتي الإنصات والتعلم؛ فالطالب الذي يحترم معلمه هو الذي ينتفع بعلمه، ويحرص
على فهم ما يقدم إليه، ويسأل بأدب، ويجتهد في أداء ما يوكل إليه.
ومن الوفاء كذلك أن يكون الطالب ثمرة طيبة لتعليم معلمه. فما أجمل أن يرى المعلم
بعد سنوات طالبًا من طلابه وقد أصبح إنسانًا نافعًا، ناجحًا، حسن الخلق، يخدم
مجتمعه ويعين الآخرين!
ومن الوفاء أيضًا ألا ننسى معلمينا بعد مغادرة مقاعد الدراسة. فرب رسالة شكر، أو
زيارة، أو دعاء صادق، أو ذكر جميل أمام الآخرين، تعني للمعلم الكثير؛ لأنها
تشعره بأن سنوات عطائه لم تذهب سدى.
وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى في قوله:
«ولَكَ المحبَّةُ، والوَفاءُ تَدَفَّقَا
مِنَّا جميعًا.. أنتَ أنتَ الغالي»
إنها ليست محبة عابرة، وإنما محبة نشأت من أثر عميق تركه المعلم في حياة طلابه.
*صون أمانة اللم خير وفاء
يقول الشاعر مخاطبًا المعلم:
«صُنتَ الأمانةَ حينَ كنتَ معلِّمًا
وحَمَلتَ همًّا راسخًا كَجِبالِ»
فالمعلم يحمل أمانة عظيمة: أمانة العلم، وأمانة التربية، وأمانة الأجيال.
لكن هذه الأمانة لا تكتمل إلا إذا قابلها الطالب بأمانة مماثلة؛ فيحفظ العلم، ويعمل به،
ويطلبه بجد، وينقله بأمانة، ولا يجعل المعرفة وسيلة للغرور أو الإضرار بالآخرين.
ومن هنا فإن من أعظم صور الوفاء للمعلم أن نحافظ على ما علمنا إياه من قيم، وأن
نكون أمناء في استخدام العلم، وأن نحول المعرفة إلى عمل نافع.
* جهود المعلم في بناء المجتمع
إن الحديث عن المعلم لا ينفصل عن الحديث عن المجتمع؛ لأن المعلم لا يبني فردًا
منعزلًا، وإنما يسهم في بناء أجيال تشكل المجتمع في المستقبل.
فالطبيب الذي يعالج المرضى، والمهندس الذي يبني، والباحث الذي يكتشف،
والقاضي الذي يحكم، والكاتب الذي يبدع، والقائد الذي يتحمل المسؤولية، كل هؤلاء
مروا في مرحلة من مراحل حياتهم بمعلم أسهم في تشكيل شخصياتهم.
ولهذا فإن تقدير المعلم ليس تقديرًا لفرد واحد، بل هو تقدير للعملية الحضارية التي
تنتقل بها المعرفة والقيم من جيل إلى جيل.
والمجتمع الذي يرفع من شأن العلم، ويحفظ للمعلم مكانته، ويقدر جهده، إنما يرسخ
ثقافة تجعل التعليم مشروعًا حضاريًا لا مجرد وظيفة.
وختامًا : تبين قصيدة «وفاء للمعلم» للدكتور عبد الله بن صالح الشريف صورة
إنسانية وتربوية مشرقة للمعلم؛ فهو باني العقول، وناشر النور، وراعي الناشئة،
ونهر العلم، وحامل الأمانة، وصاحب الفضل الذي يمتد أثره إلى أجيال متعاقبة.
وقد استطاع الشاعر أن يجعل من صور النور والغيث والنهر والبناء رموزًا دالة
على طبيعة رسالة المعلم؛ فهو يضيء الطريق، ويسقي العقول بالمعرفة، ويجري
عطاؤه إلى من ينهل منه، ويبني الإنسان لبنة لبنة.
أما المعلم نفسه، فقد دفع ثمن هذه الرسالة من وقته وشبابه وراحته؛ ولذلك يقول
الشاعر:
«فلكَ المثوبةُ، والجزاءُ مضاعفًا
عن كلِّ حرفٍ صُغتَ للأجيالِ»
وهنا تتجلى حقيقة الوفاء: إن ما يقدمه المعلم قد لا يقابله الطالب في حينه بما يستحق،
لكن أثره يبقى في الحياة، ويتحول إلى نجاحات وأعمال وأخلاق تنتشر من جيل إلى
جيل.
ولذلك فإن واجبنا تجاه المعلم لا ينبغي أن يختزل في احتفال عابر أو كلمات ثناء
مؤقتة، بل يبدأ باحترامه، والانتفاع بعلمه، وتقدير جهده، وحفظ فضله، والدعاء له،
ثم يتوج بأن نكون خير ثمرة لغرسه.
وفي ختام القصيدة يضع الشاعر أمام المعلم صورة الوفاء التي انتظرها طوال
سنوات عطائه:
«فاهنَأْ بحُبٍّ كنتَ تَغرِسُ بَذرَهُ
واليومَ تَجني مِنْ جَناهُ الحالِي»
وما أروع أن يكون هذا هو جزاء المعلم: أن يرى بذور علمه وقد تحولت إلى عقول
واعية، وأخلاق فاضلة، وأعمال نافعة، وأجيال تحمل الرسالة من بعده.
فالمعلم قد تنتهي حصته، وتنتهي سنوات عمله، وقد يغادر المدرسة ذات يوم، لكن
رسالته لا تنتهي؛ لأنها تستمر في كل عقل أناره، وكل خلق قوّمه، وكل طالب نجح،
وكل إنسان نفع غيره بما تعلمه.
وهذا هو الوفاء الحقيقي للمعلم: أن نحفظ أثره فينا، وأن نجعل ما غرسه في نفوسنا
حيًّا في حياتنا، وأن نواصل نحن نشر النور الذي أشعله في طريقنا.
إن المعلم ليس ناقلًا للمعرفة فحسب، ولا موظفًا يؤدي ساعات عمله ثم ينصرف؛ بل
هو صاحب رسالة إنسانية وتربوية سامية، يسهم في تشكيل العقول، وبناء الشخصية،
وغرس القيم، وفتح أبواب المستقبل أمام الأجيال. وقد ارتبطت نهضة الأمم عبر
التاريخ بمكانة العلم وأهله، وكان المعلم في قلب هذه النهضة؛ لأنه الحلقة التي تصل
الإنسان بالمعرفة، والناشئ بالقيمة، والجيل الحاضر بالمستقبل.
ومن هذا المنطلق تأتي قصيدة «وفاء للمعلم» للشاعر الدكتور عبد الله بن صالح
الشريف، لتكون تحية شعرية صادقة لكل معلم أفنى زهرة شبابه في تربية الأجيال
وتعليمها. فالقصيدة ليست مجرد احتفاء بشخص المعلم، وإنما هي احتفاء بالرسالة
التي يحملها، وبالأثر الذي يتركه في العقول والنفوس، وبالتضحيات التي يقدمها في
سبيل أداء أمانته.
ومن خلال أبياتها تتشكل صورة متكاملة للمعلم: فهو باني العقول، وناشر النور،
وراعي الناشئة، ونهر العلم، وصاحب الفضل. وفي المقابل تطرح القصيدة سؤال
الوفاء: ماذا قدمنا نحن للمعلم؟ وكيف نرد له بعض جميله؟ وهل يكفي أن نذكره في
مناسبة عابرة، أم أن الوفاء الحقيقي يتحول إلى سلوك وثقافة واحترام دائم للعلم
وأهله؟
قصيدة/وفـــــــــاء للمعـــــــلم
شعر / د.عبد الله بن صالح الشريف*
( 5 أكتوبر / اليوم العالمي للمعلم )
وفاء لكل معلم أفنى، ويفني زهرة شبابه في تربية وتعليم الأجيال إلى نهاية مشوار
البذل والعطاء ..
يقول فيها :
انْـهَـضْ فَـحَـيِّ مُعَـلِّـمَ الأجـيــالِ
بَانِـي العُقـولِ ، ومَعْـقِـدَ الآمــالِ
انْهَـضْ فَهـذا مَـنْ أَبــانَ حَقِيـقَـةً
كانـتْ كَـسِـرٍّ غَـامِـضٍ، ومُـحـالِ
لَـولا المُعَلـمُ مــا عَـرَفـتَ قِــراءَةً
لَـولاهُ حَتْمًـا كُـنـتَ فــي الجُـهَّـالِ
ولَظَلَّ أمرُكَ فـي الحيـاةِ تَخَبُّطًـا
وَلَتُـهـتَ بَـيـن حَرامِـهـا وَحَـــلالِ
أَوَ لَيـسَ هـذا مَـنْ أَنــارَ طَرِيقَـنـا
وسَمَا بِجيلٍ عَـنْ طَريـقِ ضَـلالِ؟
بَـثَّ الضِّـيـاءَ بِأنـفُـسٍ مُحتـاجَـةٍ
لِلنُّـورِ فــي زَمَــنٍ بَئِـيـسِ الـحـالِ
وحَـنَـا عَـلـى غِـــرٍّ يُـريــدُ تَعَـلُّـمًـا
ودَنــا لِيَـرعَـى زُمـــرَةَ الأطـفــالِ
تِلـكَ العُقـولُ اليَافِعـاتُ تَفَتَّحَـتْ
حِيـنَ ارتَـوَتْ مِـنْ غَيثِـهِ الهَطَّـالِ
ومَضَى يجودُ عَلَى الجمِيعِ بِعُمرِهِ
يُفنِي سِنِـيَّ العُمـرِ فـي التَّجـوَالِ
مُتَنقِّـلاً بَـيـن الـصُّـروحِ ، وبــاذِلاً
يَغْـذُو الفُهـومَ .. وبَـارِزًا لِـسـؤالِ
ذَبَلَـتْ زُهـورُ شَبابِـهِ ، وتَقـادَمَـتْ
حَتَّى غَدا في الشَّكلِ مِثـلَ هِـلالِ
لَـكِـنَّـهُ يَـبـقَـى ، ويَـنـشـرُ نُــــورَهُ
فَلَـهُ الصَّـدَارَةُ والمـكَـانُ العَـالِـي
نَهـرٌ يَفيـضُ مِـنَ العُـلـومِ لِنـاهِـلٍ
مِــنْ نَـبـعِ عِـلـمٍ نـافِــعٍ ، وَأَمَـــالٍ
ويَظَـلُّ مَـنْ وَرَدُوا مَعِيـنَ عُلومِـهِ
يَمضُونَ فـي نَشـرِ الضِّيَـا بِتَـوالٍ
إِنَّ المعَـلِّـمَ رَمـــزُ كُـــلِّ فَضـيـلَـةٍ
إِنَّ المعَـلـمَ صَـاحــبُ الأفـضــالِ
فَلَـهُ عَليـنـا الـحَـقُّ فــي تَكرِيـمِـهِ
وبِرَفـعِ ذِكْــرِ المحُـسِـنِ المِـبْـذَالِ
هاَأَنـتَ يَـا مـنْ قـد تعطَّـرَ ذِكْــرُهُ
أَفنَيـتَ عُمـرَكَ.. نُـؤْتَ بِالأثـقَـالِ
صُنتَ الأمانَـةَ حِيـنَ كُنـتَ مُعلِّمًـا
وحَمَـلـتَ هَـمًّـا راسِـخًـا كَـجِـبـالِ
أَحسَنتَ في بَذلِ العُلـومِ لِطالِـبٍ
مُتَعَـطِّـشٍ لِلعِـلـمِ.. قَـــامَ لَـيــالٍ
فَلكَ المَثُوبَةُ، والجَـزَاءُ مُضاعَفًـا
عَـنْ كُـلِّ حَـرْفٍ صُغْـتَ لِلأَجْـيـالِ
ولَـكَ المحـبَّـةُ ، والـوَفَـاءُ تَدَفَّـقَـا
مِنَّا جميعًا .. أنـتَ ، أنـتَ الغَالِـي
فَاهْنَـأْ بِحُـبٍّ كُنـتَ تَغـرِسُ بِــذْرَهُ
واليومَ تَجنِـي مِـنْ جَنـاهُ الحالِـي
أضواء على القصيدة:
* المعلم بين بناء العقول وصناعة الآمال
يفتتح الشاعر قصيدته بصيغة الأمر التي تحمل معنى التعظيم والدعوة إلى المبادرة
بالتكريم:
«انْهَضْ فَحَيِّ مُعَلِّمَ الأجيالِ
بَانِي العُقولِ، ومَعْقِدَ الآمالِ»
فالفعل «انهض» ليس مجرد دعوة إلى الوقوف، وإنما هو إيحاء بعظمة الموقف؛ لأن
تحية المعلم تستحق أن تكون تحية إجلال وتقدير. ثم يختصر الشاعر رسالة المعلم في
وصفين بالغَي الدلالة: «باني العقول» و**«معقد الآمال» .
وتعبير «باني العقول» يكشف عن أن مهمة المعلم تتجاوز نقل المعلومات إلى بناء
الإنسان المفكر القادر على الفهم والتحليل والتمييز. فالمعلم يضع اللبنات الأولى في
عقل المتعلم، ويهيئه لاكتشاف العالم من حوله، ويمنحه أدوات التفكير التي يستطيع
بها أن يواصل مسيرته العلمية بنفسه.
أما قوله «معقد الآمال» فيربط المعلم بمستقبل المجتمع؛ إذ إن الآمال التي تعقدها
الأمم على غدها تمر عبر المدرسة والجامعة والمؤسسة التعليمية، وتمر قبل ذلك كله
عبر المعلم الذي يصنع الإنسان القادر على حمل أعباء المستقبل.
* أفضال المعلم وجهوده:
ينتقل الشاعر إلى بيان أثر المعلم في حياة المتعلم، فيقول:
«انْهَضْ فَهـذا مَنْ أبانَ حقيقةً
كانتْ كسرٍّ غامضٍ، ومُحالِ»
ثم يوضح أثره بصورة أكثر مباشرة:
«لَولا المُعلِّمُ ما عرفتَ قراءةً
لَولاهُ حتمًا كنتَ في الجُهَّالِ»
فالإنسان لا يولد عالمًا، وإنما يبدأ رحلته المعرفية من نقطة الصفر، ويحتاج إلى من
يأخذ بيده ويعلمه كيف يقرأ ويفهم ويبحث. ومن هنا كان فضل المعلم عظيمًا؛ لأنه لا
يقدم للطالب معلومة محدودة فحسب، بل يفتح أمامه باب المعرفة.
والقراءة التي يشير إليها الشاعر ليست مجرد مهارة تقنية، وإنما هي مفتاح لعالم
واسع من المعرفة والثقافة والخبرة الإنسانية. فمن تعلم القراءة استطاع أن يقرأ
التاريخ والفكر والأدب والعلم، وأن يستفيد من تجارب السابقين، وأن يواصل التعلم
طوال حياته.
ولهذا فإن فضل المعلم في تأسيس المتعلم لا يقاس بعدد الدروس التي قدمها، وإنما بما
أتاحه له من قدرة على التعلم والاستقلال في تحصيل المعرفة.
* المعلم مشعل هداية
لا يحصر الشاعر وظيفة المعلم في التعليم الأكاديمي، وإنما يربطها بالتربية وتوجيه
السلوك، يقول:
«ولَظَلَّ أمرُكَ في الحياةِ تَخبُّطًا
ولَتُهتَ بينَ حرامِها وحَلالِ»
ثم يقول:
«أَوَ لَيسَ هذا مَنْ أنارَ طريقَنا
وسَما بجيلٍ عن طريقِ ضَلالِ؟»
إن هذين البيتين يقدمان المعلم بوصفه مرشدًا ومربيًا. فالمتعلم لا يحتاج إلى المعرفة
وحدها، وإنما يحتاج أيضًا إلى من يعينه على استخدامها في الخير، ويميز له بين
السلوك القويم والسلوك المنحرف.
وهنا تظهر قيمة التربية إلى جانب التعليم؛ فالمعلم الحقيقي يسهم في تكوين شخصية
الطالب أخلاقيًا وفكريًا، ويغرس فيه احترام الآخرين، وتحمل المسؤولية،
والانضباط، والصدق، والأمانة، وحب العمل.
ومن ثم فإن أثر المعلم يمتد من العقل إلى الضمير، ومن الكتاب إلى الحياة.
* نور المعلم يبدد ظلمات الجهل
تتكرر في القصيدة صورة النور بوصفها رمزًا للعلم والهداية، يقول الشاعر:
«بَثَّ الضِّياءَ بأنفُسٍ محتاجةٍ
للنُّورِ في زَمَنٍ بَئيسِ الحالِ»
فالمعلم هنا أشبه بمن يحمل مصباحًا في طريق مظلم، يضيء للآخرين ما خفي
عليهم، ويعينهم على رؤية الطريق بوضوح.
وتزداد الصورة جمالًا حين يصور الشاعر عقول الطلاب بالعقول اليافعة التي تحتاج
إلى السقيا والرعاية:
«تِلكَ العقولُ اليافعاتُ تَفَتَّحَتْ
حينَ ارتَوَتْ من غيثِهِ الهَطَّالِ»
لقد جمع الشاعر بين صورتين: النور والغيث. فالعلم نور يكشف الطريق، وغيث
يحيي العقول كما يحيي المطر الأرض. وهذه الصورة تعكس طبيعة العملية
التعليمية؛ فالعقل يحتاج إلى المعرفة كما تحتاج الأرض إلى الماء، وكلما وجد
الرعاية والعلم انفتح على الفهم والإبداع.
* معاملة المعلم المثالية مع طلابه
ومن الجوانب الإنسانية اللافتة في القصيدة قول الشاعر:
«وحَنا على غِرٍّ يريدُ تَعَلُّمًا
ودَنا ليرعى زُمرَةَ الأطفالِ»
فالطفل أو المتعلم المبتدئ يحتاج إلى من يصبر على أخطائه، ويكرر له المعلومة،
ويشجعه عندما يتردد، ويحتوي ضعفه، ويفتح أمامه باب الأمل.
ومن هنا فإن المعلم الناجح لا يكتفي بأن يكون عالمًا بما يدرس، بل يحتاج إلى
الرحمة والحكمة والصبر والقدرة على فهم الفروق بين طلابه. وقد يكون أثر كلمة
تشجيع من المعلم في نفس الطالب أعظم من أثر درس كامل؛ لأنها تمنحه الثقة بنفسه
وتدفعه إلى الاستمرار.
ولهذا فإن عطاء المعلم عطاء عقلي ووجداني في الوقت نفسه.
* فناء عمر المعلم في أداء رسالته:
من أكثر المعاني حضورًا في القصيدة معنى التضحية بالوقت والعمر، يقول الشاعر:
«ومَضى يجودُ على الجميعِ بعمرِهِ
يُفني سِنيَّ العمرِ في التَّجوالِ»
فالمعلم يجود بأغلى ما يملك: عمره. والمال يمكن تعويضه، أما الوقت الذي يمضي
فلا يعود.
ثم يصف الشاعر تنقل المعلم بين الصروح التعليمية، وبذله المستمر في سبيل طلابه:
«مُتَنقِّلًا بينَ الصُّروحِ، وباذلًا
يَغْذو الفُهومَ.. وبارزًا لِسؤالِ»
وهذا التصوير يلفت النظر إلى الجهد الذي قد لا يراه الطالب دائمًا: إعداد الدروس،
وتصحيح الأعمال، ومتابعة الطلاب، والإجابة عن الأسئلة، ومعالجة جوانب
الضعف، والبحث عن الوسائل التي تجعل التعلم أكثر فاعلية.
إن كثيرًا من عمل المعلم يحدث بعيدًا عن أعين الطلاب، ولذلك قد لا يدرك المتعلم
مقدار الجهد الذي سبق اللحظة التي يقف فيها المعلم أمامه في الفصل.
* زهرة الشباب تذبل، وأثر المعلم يبقى
يبلغ الشاعر في تصوير التضحية درجة مؤثرة حين يقول:
«ذَبُلَتْ زُهورُ شبابِهِ، وتَقادمَتْ
حتى غدا في الشَّكلِ مثلَ هِلالِ»
إن السنوات تمضي على المعلم كما تمضي على كل إنسان، ولكن الفارق أن المعلم
يستطيع أن يهب سنوات عمره للأجيال. قد يتقدم به العمر، ويظهر أثر السنين على
ملامحه، لكن ما زرعه لا يذبل.
وهنا تأتي المفارقة الجميلة:
«لَكنَّهُ يَبقى، ويَنشُرُ نُورَهُ
فلَهُ الصَّدارةُ والمكانُ العالي»
فالجسد يتغير، والشباب يمضي، لكن الأثر العلمي والتربوي يبقى.
وهذه من أعمق الرسائل التي تحملها القصيدة: إن قيمة الإنسان لا تقاس فقط بما
يملك، وإنما بما يتركه وراءه من أثر نافع.
*عطاء المعلم الغزير والفياض
يقول الشاعر:
«نهرٌ يفيضُ من العلومِ لناهلٍ
من نبعِ علمٍ نافعٍ، وآمالِ»
يشبه الشاعر المعلم بالنهر المتدفق، وهي صورة توحي بالاستمرار والعطاء
والسخاء. فالنهر لا يمنح ماؤه لفرد واحد، وإنما يسقي كل من قصده، وكذلك المعلم
يبذل علمه لطلابه دون أن ينقص ذلك من علمه شيئًا.
والأجمل أن أثر هذا النهر لا يتوقف عند من شرب منه مباشرة، بل ينتقل إلى
الآخرين:
«ويظلُّ مَن وَرَدوا مَعينَ علومِهِ
يَمضونَ في نشرِ الضِّياءِ بتَوالٍ»
وهنا تكشف القصيدة عن قانون الأثر المتسلسل: المعلم يعلم الطالب، والطالب ينفع
غيره، وهكذا يستمر العلم من جيل إلى جيل.
فكم من معلم لم يعد يتذكر أسماء جميع طلابه، بينما ظل أثره حاضرًا في حياتهم؟
وكم من طالب أصبح بعد سنوات معلمًا أو طبيبًا أو مهندسًا أو باحثًا أو قائدًا، وكان
في بدايته طفلًا أو شابًا أخذ أولى خطواته على يد معلم؟
* أفضال المعلم تستحق التكريم والتقدير
بعد أن استعرض الشاعر جهود المعلم، يصل إلى النتيجة الطبيعية:
«إنَّ المعلِّمَ رمزُ كلِّ فضيلةٍ
إنَّ المعلِّمَ صاحبُ الأفْضالِ»
ثم يقرر حقه:
«فلهُ علينا الحقُّ في تكريمِهِ
وبرفعِ ذِكرِ المحسنِ المِبْذالِ»
وهنا تتحول القصيدة من وصف فضل المعلم إلى تحديد واجبنا نحوه.
فمن حق المعلم أن يُكرم، وأن يُحترم، وأن يُذكر فضله، وأن تحفظ مكانته. لكن
التكريم الحقيقي لا ينبغي أن يكون كلمات موسمية تقال في يوم المعلم ثم تنتهي
بانتهاء المناسبة؛ بل ينبغي أن يكون سلوكًا مستمرًا.
واجبنا نحو المعلم:
إن الوفاء للمعلم يبدأ من الاحترام؛ احترام شخصه، ووقته، وخبرته، ومكانته، وعدم
التقليل من رسالته.
ثم يأتي الإنصات والتعلم؛ فالطالب الذي يحترم معلمه هو الذي ينتفع بعلمه، ويحرص
على فهم ما يقدم إليه، ويسأل بأدب، ويجتهد في أداء ما يوكل إليه.
ومن الوفاء كذلك أن يكون الطالب ثمرة طيبة لتعليم معلمه. فما أجمل أن يرى المعلم
بعد سنوات طالبًا من طلابه وقد أصبح إنسانًا نافعًا، ناجحًا، حسن الخلق، يخدم
مجتمعه ويعين الآخرين!
ومن الوفاء أيضًا ألا ننسى معلمينا بعد مغادرة مقاعد الدراسة. فرب رسالة شكر، أو
زيارة، أو دعاء صادق، أو ذكر جميل أمام الآخرين، تعني للمعلم الكثير؛ لأنها
تشعره بأن سنوات عطائه لم تذهب سدى.
وقد عبر الشاعر عن هذا المعنى في قوله:
«ولَكَ المحبَّةُ، والوَفاءُ تَدَفَّقَا
مِنَّا جميعًا.. أنتَ أنتَ الغالي»
إنها ليست محبة عابرة، وإنما محبة نشأت من أثر عميق تركه المعلم في حياة طلابه.
*صون أمانة اللم خير وفاء
يقول الشاعر مخاطبًا المعلم:
«صُنتَ الأمانةَ حينَ كنتَ معلِّمًا
وحَمَلتَ همًّا راسخًا كَجِبالِ»
فالمعلم يحمل أمانة عظيمة: أمانة العلم، وأمانة التربية، وأمانة الأجيال.
لكن هذه الأمانة لا تكتمل إلا إذا قابلها الطالب بأمانة مماثلة؛ فيحفظ العلم، ويعمل به،
ويطلبه بجد، وينقله بأمانة، ولا يجعل المعرفة وسيلة للغرور أو الإضرار بالآخرين.
ومن هنا فإن من أعظم صور الوفاء للمعلم أن نحافظ على ما علمنا إياه من قيم، وأن
نكون أمناء في استخدام العلم، وأن نحول المعرفة إلى عمل نافع.
* جهود المعلم في بناء المجتمع
إن الحديث عن المعلم لا ينفصل عن الحديث عن المجتمع؛ لأن المعلم لا يبني فردًا
منعزلًا، وإنما يسهم في بناء أجيال تشكل المجتمع في المستقبل.
فالطبيب الذي يعالج المرضى، والمهندس الذي يبني، والباحث الذي يكتشف،
والقاضي الذي يحكم، والكاتب الذي يبدع، والقائد الذي يتحمل المسؤولية، كل هؤلاء
مروا في مرحلة من مراحل حياتهم بمعلم أسهم في تشكيل شخصياتهم.
ولهذا فإن تقدير المعلم ليس تقديرًا لفرد واحد، بل هو تقدير للعملية الحضارية التي
تنتقل بها المعرفة والقيم من جيل إلى جيل.
والمجتمع الذي يرفع من شأن العلم، ويحفظ للمعلم مكانته، ويقدر جهده، إنما يرسخ
ثقافة تجعل التعليم مشروعًا حضاريًا لا مجرد وظيفة.
وختامًا : تبين قصيدة «وفاء للمعلم» للدكتور عبد الله بن صالح الشريف صورة
إنسانية وتربوية مشرقة للمعلم؛ فهو باني العقول، وناشر النور، وراعي الناشئة،
ونهر العلم، وحامل الأمانة، وصاحب الفضل الذي يمتد أثره إلى أجيال متعاقبة.
وقد استطاع الشاعر أن يجعل من صور النور والغيث والنهر والبناء رموزًا دالة
على طبيعة رسالة المعلم؛ فهو يضيء الطريق، ويسقي العقول بالمعرفة، ويجري
عطاؤه إلى من ينهل منه، ويبني الإنسان لبنة لبنة.
أما المعلم نفسه، فقد دفع ثمن هذه الرسالة من وقته وشبابه وراحته؛ ولذلك يقول
الشاعر:
«فلكَ المثوبةُ، والجزاءُ مضاعفًا
عن كلِّ حرفٍ صُغتَ للأجيالِ»
وهنا تتجلى حقيقة الوفاء: إن ما يقدمه المعلم قد لا يقابله الطالب في حينه بما يستحق،
لكن أثره يبقى في الحياة، ويتحول إلى نجاحات وأعمال وأخلاق تنتشر من جيل إلى
جيل.
ولذلك فإن واجبنا تجاه المعلم لا ينبغي أن يختزل في احتفال عابر أو كلمات ثناء
مؤقتة، بل يبدأ باحترامه، والانتفاع بعلمه، وتقدير جهده، وحفظ فضله، والدعاء له،
ثم يتوج بأن نكون خير ثمرة لغرسه.
وفي ختام القصيدة يضع الشاعر أمام المعلم صورة الوفاء التي انتظرها طوال
سنوات عطائه:
«فاهنَأْ بحُبٍّ كنتَ تَغرِسُ بَذرَهُ
واليومَ تَجني مِنْ جَناهُ الحالِي»
وما أروع أن يكون هذا هو جزاء المعلم: أن يرى بذور علمه وقد تحولت إلى عقول
واعية، وأخلاق فاضلة، وأعمال نافعة، وأجيال تحمل الرسالة من بعده.
فالمعلم قد تنتهي حصته، وتنتهي سنوات عمله، وقد يغادر المدرسة ذات يوم، لكن
رسالته لا تنتهي؛ لأنها تستمر في كل عقل أناره، وكل خلق قوّمه، وكل طالب نجح،
وكل إنسان نفع غيره بما تعلمه.
وهذا هو الوفاء الحقيقي للمعلم: أن نحفظ أثره فينا، وأن نجعل ما غرسه في نفوسنا
حيًّا في حياتنا، وأن نواصل نحن نشر النور الذي أشعله في طريقنا.