د. حسام الدين فياض - التسول الثقافي المعاصر وأزمة إنتاج المعنى

" يبدأ التسول الثقافي من مجتمع يستهلك المعنى الذي يصنعه الآخرون، ثم يفقد تدريجياً ثقته بقدرته على صناعة معنى يعبر عن تجربته ووجوده الحضاري " (الكاتب).

يهدف المقال إلى تحليل مفهوم التسول الثقافي بوصفه ظاهرة اجتماعية تعكس تراجع قدرة المجتمع على إنتاج المعرفة والقيمة الثقافية من داخل تجربته، والكشف عن الآليات التي تعيد إنتاجها في المؤسسات التعليمية والثقافية والفضاء الرقمي، وما تتركه من آثار في ثقة الأفراد بقدرتهم على التفكير والإبداع والمشاركة، وفي قدرة المجتمع على بناء رؤى تستجيب لتحولاته ومشكلاته. كما يسعى إلى إبراز شروط الانتقال من الاستهلاك الثقافي إلى المشاركة الفاعلة في تطوير الحياة الثقافية والاجتماعية المعاصرة.

تقاس حيوية الثقافة ما بقدرتها على إنتاج المعنى، لا بحجم ما تستهلكه من أفكار ومفاهيم ونماذج جاهزة. فالثقافة الحية تنشأ من قدرة المجتمع على تحويل تجربته إلى معرفة، ومعرفته إلى رؤية، ورؤيته إلى ممارسات تضيف إلى الحياة الاجتماعية. ومن هذا المنظور، يمثل التسول الثقافي حالة تتراجع فيها قدرة المجتمع على إنتاج قيمته الثقافية من داخله، فيصبح طلب المعنى والاعتراف والمرجعية من الخارج بديلاً عن بناء القدرة على الإضافة.

وتكمن المشكلة في تحول الاستفادة من منجز الآخر إلى اعتماد عليه، والانفتاح إلى انتظار دائم لما يأتي من الخارج. عند هذه النقطة تفقد الثقافة جزءاً من وظيفتها الأساسية، وتتحول من مجال لإنتاج الأفكار وتكوين الرؤى إلى مجال لاستهلاك ما ينتجه الآخرون وإعادة تداوله، فيغدو امتلاك المنتج الثقافي أسهل من المشاركة في إنتاجه، وتتحول أزمة الثقافة في عمقها إلى أزمة في قدرة الإنسان على إنتاج المعنى الذي يمنح تجربته قيمة واتجاهاً.

ويتخذ هذا العجز أشكالاً متعددة في الحياة الثقافية المعاصرة. فتظهر الظاهرة في استعارة المفاهيم دون اختبارها في الواقع، ومحاكاة النماذج دون فهم الشروط الاجتماعية التي أنتجتها، وتداول المصطلحات دون امتلاك بنيتها الفكرية، ثم إعادة تقديمها بوصفها علامات على الثقافة والمكانة. ومع اتساع العالم الرقمي الافتراضي، اكتسبت هذه الممارسات سرعة وانتشاراً أكبر، إذ أصبح عدد المتابعين وحجم التفاعل والظهور في منصات التواصل الاجتماعي مؤشرات سريعة على القيمة الثقافية، بينما تراجع الاهتمام أحياناً بعمق الفكرة وقدرتها على تفسير الواقع. وفي المجال الأكاديمي قد يتجسد ذلك في استنساخ المناهج والنماذج النظرية دون تكييفها مع الأسئلة المحلية، وفي اقتطاع الأفكار من سياقاتها المعرفية والتاريخية وتحويلها إلى عبارات سهلة التداول. وبذلك يصبح عرض الثقافة أكثر حضوراً من ممارستها، وتغدو صورة المثقف أحياناً أكثر أهمية من إنتاجه، ويتحول الاعتراف الخارجي إلى مصدر يمنح القيمة قبل اختبارها. بهذا لنا يتضح أن وفرة المعرفة لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على تحويلها إلى معرفة منتجة، وأن الخلل يكمن في المسافة المتزايدة بين ما يستهلكه المجتمع وما يستطيع أن يضيفه.

وتكشف هذه المظاهر عن أثر أعمق يمس الإنسان في علاقته بذاته وبقدرته على الفعل. فالمجتمع المستهلك الذي يعتاد استقبال الأفكار الجاهزة قد يفقد تدريجياً ثقته بقدرته على إنتاج أفكاره، وينظر إلى ما يأتي من الخارج بوصفه أكثر قيمة لمجرد ارتباطه بمصدر يحظى بالاعتراف. ومع استمرار هذا النمط تتشكل عادات اجتماعية تكافئ التكرار أكثر من الابتكار، والانتساب إلى الخطاب السائد أكثر من بناء خطاب جديد، وتدفع الأفراد إلى استهلاك المعرفة وإعادة تداولها بدلاً من تحويلها إلى قدرة على التفكير المستقل.

وتظهر الكارثة الإنسانية في أعمق صورها عندما يبدأ الإنسان نفسه بالنظر إلى تجربته بوصفها أقل قيمة من التجارب التي تأتيه من الخارج، فيتراجع إحساسه بقدرته على الفهم والإبداع وصناعة الأثر. ومع الوقت لا يعود فقدان الاستقلال الثقافي مجرد قضية معرفية، بل يمس الكرامة المعنوية للإنسان وفاعليته الاجتماعية، لأن الإنسان الذي لا يرى في عقله وتجربته مصدراً صالحاً للمعنى يجد نفسه مضطراً إلى استعارة قيمة وجوده من اعتراف الآخرين.

وهكذا يتحول التسول الثقافي إلى حالة من الاغتراب عن الذات، تتسع فيها المسافة بين الإنسان وتجربته، وبين المجتمع وقدرته على التعبير عن نفسه. فالمجتمع الذي يفقد الثقة بقدرته على إنتاج المعنى يفقد تدريجياً جزءاً من قدرته على تفسير واقعه وصياغة أولوياته وبناء استجاباته الخاصة لتحولاته. ولا يقتصر الأمر على استهلاك الإجابات الجاهزة، بل يمتد إلى تبني الأسئلة التي يحددها الآخرون، حتى تصبح قضايا المجتمع ومشكلاته مقروءة من خلال قوالب لم تنشأ بالضرورة من تجربته. وعندما تصبح المرجعيات الخارجية أكثر حضوراً من الخبرة الاجتماعية المتراكمة، تنفصل المعرفة عن الواقع، وتتحول الثقافة إلى واجهة رمزية لا تمتلك دائماً القدرة على تفسير التحولات التي يعيشها الناس.

وينعكس ذلك على التعليم والعمل والقيم والعلاقات وأنماط التفكير، لأن المجتمع يصبح أكثر ميلاً إلى استيراد الحلول من بناء البدائل التي تنبع من شروطه الخاصة. وهنا يأخذ التسول الثقافي طابعه الكارثي بوصفه أزمة حضارية ذات بعد إنساني، إذ يمكن لمجتمع أن يمتلك وفرة هائلة من المعلومات، وأن يكون شديد الاتصال بالعالم، ثم يظل محدود القدرة على إنتاج ما يضيف إليه. وتصبح المفارقة قاسية عندما تتسع حركة المعرفة بينما تضيق مساحة الفاعلية، فيتحول الإنسان من شريك في صناعة عالمه إلى متلقٍ لمعانٍ وقيم وصور للحياة صاغها الآخرون.

يبدأ تجاوز هذه الأزمة باستعادة الإنسان ثقته بقدرته على إنتاج المعنى، وبناء علاقة ناضجة مع الثقافات الأخرى تقوم على التعلم والنقد وإعادة الصياغة والإضافة. فالتفاعل مع الآخر يكتسب قيمته عندما يوسع قدرتنا على التفكير، والاقتباس يصبح منتجاً عندما يقود إلى فكرة جديدة، والانفتاح يصبح قوة عندما يحفظ للمجتمع قدرته على التعبير عن تجربته بصوته الخاص. وعندئذ تصبح مهمة الثقافة أعمق من تراكم المعلومات أو عرض المعرفة، إنها استعادة للإنسان بوصفه فاعلاً في إنتاج القيمة، وقادراً على تحويل تجربته وأسئلته ومشكلاته إلى معرفة تستحق أن تدخل في الحوار الإنساني العام. فالمجتمع الذي يستعيد هذه القدرة لا يحتاج إلى الانغلاق على ذاته ولا إلى طلب شرعيته من الخارج، لأنه يصبح قادراً على الدخول إلى العالم بما يملك من تجربة وفكرة وإضافة. وعندها تستعيد الثقافة وظيفتها الإنسانية الأولى، وهي أن تمنح الإنسان القدرة على فهم ذاته، وأن تحول تجربته من مادة للاستهلاك إلى مصدر للمعرفة، ومن موقع المتلقي إلى موقع الشريك في صناعة المعنى الإنساني.

خلاصة القول، يبدأ التطور الثقافي من المجتمع نفسه، من الطريقة التي نعلّم بها أبناءنا، ونناقش بها أفكارنا، وندير بها مؤسساتنا، ونمنح بها الشباب فرصتهم في العمل والمبادرة والمشاركة. فالمجتمع الذي يريد ثقافة أكثر حيوية يحتاج إلى بيئة تشجع الناس على التفكير والعمل والإضافة، وتتيح للمواهب أن تظهر بعيداً عن المحاباة والتقليد، وتمنح الأفكار الجديدة فرصة لأن تتحول إلى مشروعات وممارسات يستفيد منها الناس. بذلك لا يكون تطوير الثقافة مهمة نخبة محدودة، بل مسؤولية تشترك فيها المدرسة والجامعة والأسرة والمؤسسات ووسائل الإعلام والمجال العام. وكلما أصبح المجتمع أكثر قدرة على الاستماع إلى أبنائه، والاستفادة من خبراتهم، وتشجيع مبادراتهم، اتسعت قدرته على بناء ثقافة تستجيب لمشكلاته وتواكب تغيراته. فالمستقبل الثقافي لا يصنعه انتظار ما يأتي من الخارج، بل مجتمع يكتشف طاقاته، ويستثمر عقول أفراده، ويفتح المجال أمام أجياله الجديدة لتجربة طرق مختلفة في التفكير والعمل، لتتحول الثقافة من شيء نتلقاه إلى ممارسة نعيشها ونطورها معاً.

------------------------
باحث وأكاديمي سوري / الأستاذ المساعد في النظرية الاجتماعية المعاصرة
قسم علم الاجتماع كلية الآداب في جامعة ماردين- تركيا
​

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...