محمد عباس محمد عرابي - ملامح خصوصية لغة الجسد وشواهدها في شعر المعلقات

للغة الجسد في الشعر الجاهلي أهمية خاصة؛ فالجسد لا يظهر في النص بوصفه مادة بيولوجية فحسب، وإنما يتحول إلى علامة لغوية وإشارية تتجاوز ظاهر الحركة إلى أعماق التجربة النفسية والاجتماعية والثقافية.
فالدمعة ليست ماءً يسيل من العين، وإنما قد تكون علامة على الفقد والحنين والانكسار، والعين ليست عضواً للرؤية فحسب، وإنما قد تكون أداة للحب والمراقبة والكشف، والالتفات قد يصبح علامة على التردد أو الحنين أو الرفض، والإعراض قد يتحول إلى لغة أقوى من الكلام، ورفع الرأس قد يدل على الإباء، وخفضه قد يكشف الخضوع أو الحزن.
وإذا كان الشعر الجاهلي قد احتفى بالناقة والفرس والسيف والرمح والطلل والرحلة، فإن الإنسان ظل محوراً لهذه الصور جميعاً؛ ومن ثم فإن دراسة لغة الجسد تتيح قراءة جديدة للمعلقات، تكشف عن مستويات دلالية لا تظهر عند الوقوف عند المعجم أو الصورة البلاغية وحدهما
مفهوم لغة الجسد في الشعر
مجموعة الحركات والإشارات والوضعيات الجسدية التي يوظفها الشاعر أو الشخصيات داخل النص الشعري لإنتاج معنى نفسي أو اجتماعي أو جمالي يتجاوز الدلالة المعجمية المباشرة للفعل الجسدي.
خصوصية لغة الجسد في الشعر الجاهلي
تتميز لغة الجسد في الشعر الجاهلي بثلاثة أمور رئيسة:
1. الارتباط بالقيم الاجتماعية
لا تكشف حركة الجسد عن الحالة النفسية وحدها، بل تكشف أيضاً عن منظومة القيم.
فالوقوف في الحرب يدل على الشجاعة، والقيام للضيف يدل على الكرم، وحفظ الهيئة يدل على المروءة، وإغاثة المحتاج تتجسد في حركة اليد، والثبات أمام العدو علامة على الشرف
2. الارتباط بالفعل والحركة
المجتمع الجاهلي مجتمع حركة مستمرة؛ فالإنسان في سفر وترحال، والقبيلة في انتقال، والفارس في قتال، والعاشق في طلب، والناقة في سير.
ولهذا جاءت الأفعال الحركية بكثافة:
رحل، سار، وقف، أقبل، أدبر، ولّى، نهض، جلس، ركب، طعن، ضرب، حمل، فرّ، ثبت، نظر، بكى، ضحك، أعرض، أشار.
وهذه الأفعال ليست مجرد وسائل لتحريك المشهد، بل أدوات لتشكيل الدلالة.
3. تداخل الجسد مع النفس
من أهم خصائص الشعر الجاهلي أن الشاعر لا يفصل فصلاً حاداً بين الحالة النفسية والحركة الجسدية.
فالحزن يظهر في: الدمع، السهاد، النحول، الضعف، خفض الرأس،
اضطراب الحركة.
والخوف يظهر في: الفرار، الارتجاف، اضطراب النظر، التراجع.
أما الشجاعة فتتجسد في: الثبات، الإقدام، رفع الرأس، مواجهة الخصم،
حمل السلاح، عدم الفرار. وهكذا يتحول الجسد إلى مرآة للنفس.
شواهد لغة الجسد في المعلقات
ومن الشواهد القوية التي يمكن أن ننطلق منها:

1. امرؤ القيس: لغة العين والنظر
يقول في معلقته:
أفاطمُ مهلًا بعضَ هذا التدلُّلِ
وإن كنتِ قد أزمعتِ صَرمي فأجملي
ويقول:
وإن تكُ قد ساءتكِ مني خليقةٌ
فسُلّي ثيابي من ثيابكِ تنسلِ
وفي وصفه للمرأة:
وجيدٍ كجيدِ الرئمِ ليس بفاحشٍ
إذا هي نصّتْهُ ولا بمعطّلِ
فهنا لا يكتفي الشاعر بوصف أعضاء الجسد، بل يجعل الجيد، والالتفات، والحركة، والهيئة عناصر في بناء صورة المرأة.
2. عنترة بن شداد: الجسد الفروسي
وهذا من أغنى النصوص في الدراسة.
يقول:
هلا سألتِ الخيلَ يا ابنةَ مالكٍ
إن كنتِ جاهلةً بما لم تعلمي
ثم يقول:
يُخبركِ من شهدَ الوقيعةَ أنني
أغشى الوغى وأعفُّ عند المغنمِ

ثم:
ومُدجَّجٍ كرهَ الكماةُ نزالَهُ
لا مُمْعِنٍ هربًا ولا مستسلمِ
فالجسد هنا في حالة مواجهة مستمرة:
يغشى – ينزل – لا يهرب – لا يستسلم.
وهذه الأفعال تبني صورة الفارس من خلال الحركة الجسدية لا من خلال الصفات المجردة.
ويقول:
يدعونَ عنترَ والرماحُ كأنها
أشطانُ بئرٍ في لبانِ الأدهمِ
فالجسد يتحول إلى مساحة للصراع؛ والرماح تخترق الصدر، ومع ذلك يظل الفارس ثابتًا.
3. طرفة بن العبد: الجسد بين اللذة والموت
ومن أشهر أبياته:
لَعَمْرُكَ إنَّ الموتَ ما أخطأَ الفتى
لكالطِّوَلِ المُرخى وثِنياهُ باليدِ
وفي قوله:
إذا القومُ قالوا مَن فتىً؟ خلتُ أنني
عُنيتُ فلم أكسلْ ولم أتبلَّدِ
يتحول الجسد هنا إلى فعل واستجابة؛ فالفتى الحقيقي عند طرفة هو الذي يتحرك حين يُستدعى، ولا يتكاسل ولا يتبلد.
ويقول:
وظلمُ ذوي القربى أشدُّ مضاضةً
على المرءِ من وقعِ الحسامِ المهندِ
وهنا ينتقل الألم من السلاح المادي إلى الأثر النفسي الذي يصيب الجسد والوجدان.
3. زهير بن أبي سلمى: الجسد والحركة الاجتماعية
ومن معلقته:
سئمتُ تكاليفَ الحياةِ ومن يعشْ
ثمانينَ حولًا لا أبا لكَ يسأمِ
وفيها يتحول الجسد الإنساني عبر الزمن إلى شاهد على تجربة الحياة.
ومن قوله:
رأيتُ المنايا خبطَ عشواءَ من تُصبْ
تمتهُ ومن تُخطئْ يُعمَّرْ فيهرمِ
فالفعل «تمته» و**«يُعمَّر»** و**«يهرم»** ينقلنا من فكرة الموت المجردة إلى الجسد الذي يتعرض للفناء والشيخوخة.
4. عمرو بن كلثوم: الجسد الجمعي والبطولة
يقول:
ألا هُبّي بصحنكِ فاصبحينا
ولا تُبقي خمورَ الأندرينا
ثم ينتقل إلى الفخر:

ملأنا البرَّ حتى ضاقَ عنّا
وماءَ البحرِ نملؤهُ سفينا
ومن أشهر أبياته:
إذا بلغَ الفطامَ لنا صبيٌّ
تخرُّ لهُ الجبابرُ ساجدينا
وهنا يتحول الجسد الجماعي للقبيلة إلى رمز للقوة والسيادة؛ فالآخرون «يخرون ساجدين»، وهي حركة جسدية تحمل معنى الخضوع أمام قوة القبيلة.
5. الحارث بن حلزة: الجسد في سياق المواجهة
يقول:
آذنتنا ببينها أسماءُ
ربَّ ثاوٍ يُمَلُّ منهُ الثواءُ
فالفعل «آذنتنا» يحمل معنى الإشعار بالرحيل، ومن ثم تبدأ حركة جسدية ونفسية هي الافتراق.
ثم تتداخل حركة الرحيل مع الحزن والذاكرة، وهي ظاهرة أساسية في لغة الجسد الطللية.
6. لبيد بن ربيعة: الجسد والزمن
ومن أشهر أبيات معلقته:
ألا كلُّ شيءٍ ما خلا اللهَ باطلُ
وكلُّ نعيمٍ لا محالةَ زائلُ
ثم يقول:
وجلا السيولُ عن الطلولِ كأنها
زُبُرٌ تجدُّ متونَها أقلامُها
وفي قوله:
فمدافعُ الريانِ عُرِّيَ رسمُها
خلقًا كما ضمنَ الوحيَ سِلامُها
يتحول الجسد المكاني للطلل إلى أثر ممحوّ بفعل الزمن؛ وكأن المكان نفسه يمتلك جسدًا يتعرض للتعرية والفناء.
إن دراسة لغة الجسد في شعر أصحاب المعلقات تكشف عن طبقة عميقة من جماليات الشعر الجاهلي؛ فالشاعر لم يكن يرسم الإنسان بالكلمات وحدها، وإنما كان يرسمه بحركته وسكونه، بنظراته ودموعه، بإقباله وإدباره، بثباته وفراره، بيده التي تضرب وتعطي، وبرأسه الذي يعلو أو ينحني.

وقد أثبتت الشواهد أن الجسد عند امرئ القيس هو جسد العاشق الواقف أمام الأطلال، وعند طرفة جسد الشاب المتوثب للحياة، وعند زهير جسد الإنسان الذي يقرأ الزمن في الشيخوخة والموت، وعند لبيد جسد الكائن الماثل أمام حقيقة الفناء، وعند عنترة جسد الفارس الذي يحول الجراح إلى علامات بطولة، وعند عمرو بن كلثوم جسد القبيلة المتخيلة في صورة قوة تخضع لها الجبابرة.
ومن هنا فإن:
الجسد في المعلقات ليس هامشاً على اللغة، بل لغة داخل اللغة؛ وليس مجرد صورة للإنسان، بل وسيلة لإنتاج معنى الإنسان وقيمه ومخاوفه وأحلامه.

وتكشف هذه القراءة كذلك أن الشعر الجاهلي، على الرغم من قدمه، يمتلك وعياً فنياً عميقاً بالعلاقة بين الحركة والانفعال؛ فالشاعر لا يقول دائماً «أنا حزين»، بل يقف ويبكي، ولا يقول «أنا شجاع»، بل يتقدم ولا يفر، ولا يقول «هي جميلة» فحسب، بل يجعل عنقها وعينيها وثغرها وحركتها تتكلم.
ونخلص من ذلك إلى :
يؤكد الشعر الجاهلي أن الحركة أهم من الوصف الساكن في بناء الشخصية.
تتحول لغة الجسد إلى عنصر أساسي في تشكيل الصورة الشعرية؛ إذ تجعل النص أقرب إلى مشهد بصري متحرك.
أن لغة الجسد تتحرك في فضاء من الثنائيات الدلالية الكبرى: الحب والحرب، الحركة والسكون، الإقبال والإدبار، القرب والبعد، الثبات والفرار، الشباب والمشيب، الحياة والموت

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...