بين التراكب الكمي والتراكب الإبداعي: فعل تشكل الأكوان المتوازية في الفيزياء والمسرح

يعد المسرح من الفضاءات التي من الممكن أن تُطبق عليها مفاهيم تتشارك معها في واجهة إبداعية ما، على الرغم من الاختلاف في جانب آخر من المعرفة، سواء أكانت هذه المعرفة ترتبط بما هو مادي، أو بما هو غير مادي يرتبط بمفهوم التجريد في التصورات التي تحاكي صياغة فرضية ما أو نظرية ما يحاول العاملون عليها إيجاد تصورات لتطبيقها.

فبين المسرح ونظرية الأكوان المتوازية الفيزيائية علاقة قائمة على أصل البحث المشترك الذي يربطهما معاً في حقل التوازي بين الواقع من جهة، وبين المسرح والنظرية الفيزيائية؛ فهل إن النظرية الفيزيائية هي جزء من البحث بالواقع المعاش مباشرة؟ أم هي تبحث في مجال يقترب من الخيال، أو التجريد للفكرة التي لا يمكن أن تتحقق في أرض الواقع من خلال العمل غير المباشر؟ تساؤلات من الممكن أن تقودنا إلى فعل الاشتراك بين التصورين المسرحي والفيزيائي في النظرة إلى ما يسمى التصورات التي تبتني على فعل الحضور المباشر، وفعل الاعتقاد الذي يرسم لنا تصورات غير مباشرة في فهم الحياة.

نعم، الكثير ممن يشتغل في المسرح يعتقد أن الحياة هي مسرح من نوع آخر، والبعض الآخر يعتقد العكس؛ أن المسرح هو إعادة صياغة الحياة بفعل إبداعي قائم على الإضافة لكل ما هو جديد مما يمكن أن يغير نظرتنا للحياة ذاتها بعد توظيف الفعل الإبداعي وفق الرؤية التي يبتغيها المفسر والمؤول الناظر إلى الحالة المراد دراستها وتقديمها على المسرح. وكذلك الفيزيائي الذي ينظر إلى الحياة والواقع ويراهما بطريقته الخاصة، وفي الكيفية التي من الممكن أن يفسر بها هذه الحياة من خلال البحث في التصورات الجديدة التي تسهم في طرح طرائق جديدة في فهم الكون بصورة عامة وجزيئاته بصورة خاصة.

فالمسرحي يصنع من خلال وقوفه على المسرح عالماً موازياً لها، يكون مادياً بأدواته لكنه مغاير عنها في الطرح الذي يقدمه على الخشبة؛ فمنذ بداية ظهور المسرح مع الاحتفالات الأولى عند الإغريق وإلى الآن لم ينحرف المسرح عن كونه صياغات إبداعية موازية للحياة الواقعية على الرغم من جعل نظرياته -أي المسرح- تقترب من محاكاة الواقع كما في الواقعية وقريناتها القريبات من الواقع ذاته، أو تبتعد عن الواقع ومحاولة تجريده وتشكيل عالم آخر يبتعد عن فكرته الأصيلة إلى ما هو البحث في متبنيات العقل واستنتاجاته الجديدة في مجال البحث عن آفاق مهمة ومغايرة.

إذن، هل المسرحي الأول في إبداعه للمسرح كخطوة موازية للحياة بموجوداتها العينية خطوة تقترب وتكاد تتقارب من الخطوة الأولى لوجود الفيزيائي الأول في فهمه للكون ومحاكاته، لكن بطريقة من محاولة إيجاد صورة مقاربة وقد تكون متطابقة لهذا المفهوم؟

هل الفيزياء بحثت في كل شيء حتى وصلت إلى ابتكار الأكوان المتوازية، التي وجدها المسرحي الأول منذ اللحظة الأولى من اشتغاله الإبداعي؟ فالمسرح عالم يصنع أكواناً متوازية وعوالم متداخلة لا يفقهها إلا من جاء إلى هذا العالم الجديد بعد أن دخل في عالم ممل ليبحث هو أيضاً -كمتلقٍ- عن المتعة في المغامرة التي تبعده عن الواحدية في وجوده الواقعي.

في المسرح فضاءات متعددة وفضاءات متداخلة، وفيه صناعة إبداعية قائمة على إيجاد الشيء من شيء آخر؛ هذه الفضاءات المتداخلة قد تعيد صياغات الحدث الذي يقع في تاريخ ما، أو قد يقع بفعل متوازٍ في حاضر ما، أو قد يقع في مستقبل ما؛ فالفعل الإنساني وما يتشكل منه من أحداث قائم على التكرار، وهذا التكرار قد يولد مساحات من الحركة التي تؤدي إلى أفعال تسير باتجاهات عديدة تتطابق مع مخططات يرسمها المبدع في لحظة ما. وهذه الفكرة التي قد يقوم بها مؤدٍ مبدع لحركة ما يتطابق في فعلها مع أفعال في نفس العالم، لكن الفعلين المتطابقين يقعان في التوازي، سواء علم أصحابها أم لا؛ فالمطابقة في الفعل والمخالفة في النتيجة، وكل فعل يطابق فعلاً يخالفه في النتيجة يعطي كل منهما مساحة من الاختلاف؛ فإذا تطابقا ستكون نفس النتيجة، وإذا تباعدا تختلف النتيجة، وفي المخالفة يقع فعل الابتعاد. لكن الناظر المتأمل يصل إلى أن التطابق هو في عين ذاته اختلاف، والاختلاف هو في عين ذاته تطابق، وهذه من متبنيات نظرية "الحكمة المتعالية" التي تركز على أن الوحدة في عينها كثرة والكثرة في عينها وحدة، إذا ما كانت هذه الوحدة والكثرة غير تقابلية؛ كذلك المسرح وفق هذه النظرة قد يرجعنا إلى وحدة الفعل وفي نفس الوقت يعطينا مع الحياة اختلافاً في النتيجة على الرغم من هذه الوحدة؛ الاختلاف مع من؟ الاختلاف مع الحياة ذاتها. والفيزياء تبحث في فضاءاتها المتعددة وأكوانها المتوازية حتى تُثبت بطريقة ما بأن هذا العالم ليس عالماً واحداً، بل هو عوالم متوازية ومتداخلة في نفس الوقت.

الفيزياء وما يتقابل معها في الفعل الإبداعي في الرؤية يتشاركان في التقابل بين الاستخدام والنتيجة؛ فالمسرح يسعى إلى الاستخدام الأمثل للفكرة التي تكون مختلفة عن الواقع المعاش، أو فكرة تكون موازية لهذا الواقع. التشظي المستمر الذي تسعى إليه الفيزياء في الأكوان المتوازية، يسعى إليه كذلك المسرح؛ فهل المسرح يريد أن يعيد المتلقي إلى الواقع؟ أم يريد أن يأخذ بيد المتلقي وخياله إلى عوالم أبعد يتشظى في كل لحظة وحين أمامه حتى يتشكل من جديد في صور أخرى قد تعيده إلى ما هو عليه وتذهب به مرة أخرى، أو قد تأخذه دون عودة إلى عالم من الخيال والتجريد تكون فيه أفعال الدهشة والانجذاب حاضرة في صدمة تخرجه من أجوائه المشحونة من واقعيته المادية التي تكلست فيها أحجار الهموم، أو قد وصل إلى مرحلة التكرار المستمر والبداهة التي لا يمكن أن يخرج منها إلا بفعل صدمة تمزق في داخله الانغلاق الحاصل والمغطي على عينيه بشكل مستمر.

إذن، فالتشظي والبحث من خلال هذا التشظي عن نوافذ أخرى يبدعها المسرح ويقدمها في عوالم جديدة؛ هذه العوالم فيها الكثير من المواد التي ألفها المتلقي في الحياة اليومية، لكنها متغايرة في دخولها إلى عالم المسرح، فيصبح لها ظهور جديد؛ أي إن أشياءه اليومية من الممكن أن تكون في الوقت ذاته هي صورة مملة، وفي وقت آخر هي صورة مدهشة، فالاستخدام قد اختلف في المسرح فدخولها قد يجعل منها حالة مدهشة وقد يجعلها حالة بديهية. متى تكون مدهشة؟ ومتى تكون بديهية؟ تكون كذلك عندما توجد في عدة حالات مختلفة، وهذا الفعل في الظهور يشير إلى فكرة الجسيمات التي من الممكن أن توجد في عدة حالات، وهذا ما يسمى التراكب الكمي في الفيزياء، وفي المسرح يسمى التراكب الإبداعي. فالمسرح ينتج فعل تراكب، ويقع هذا الفعل في كل ما يمكن أن يوظف في المسرح؛ فالفكرة من الممكن أن تخضع لفكرة التراكب الإبداعي، والأشياء من الممكن أن تخضع لفكرة التراكب الإبداعي في المسرح، وعناصر العرض من الممكن أن تخضع لهذا المسمى الإبداعي. فالفيزياء أوجدت التراكب الكمي من الحياة ونظرتها إلى الجسيمات التي تشكلت منها هذه الحياة وهذا الكون، والمسرح هو في الأساس يشكل في داخله عالم الأكوان المتوازية، والمسرح هو في حد ذاته يدخل كعالم موازٍ لعالم الوجود الفعلي والحقيقة اليومية التي يعيشها الإنسان.

والمسرح ينظر إلى الواقع عندما يريد أن يقدمه فإنه يقع أمام خيارين أو أكثر، فهو ينقسم في الأصل إلى العالم الواقعي والعالم الإبداعي، والعالم الإبداعي ينقسم إلى فعل التكرار للحياة وما يدور فيها، وإلى ما يغايرها ويختلف عنها؛ فالمسرح يختزل في داخله عالماً يكون فيه نسخة معدلة وهو المجال الإبداعي، ونسخة مكررة وهو ما يحوله إلى حافظة تقع بين طيات الزمن قد تنتج فعلاً إبداعياً جديداً إذا ما ظهرت في وقت لاحق، وهذه نفسها لعبة يقدمها من يفكر في الفيزياء كقراءة جديدة للكون بكلياته، أو جزئياته التي تدخل في تراكبها الكمي.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...