في كل موسم لإعلان جائزة نوبل في الأدب، يعود اسم الشاعر السوري أدونيس إلى واجهة النقاش الثقافي العربي، كأن الجائزة موعد مؤجل مع شاعر لم يفقد حضوره في الذاكرة الأدبية، رغم غيابه المتكرر عن منصة التتويج. وبينما يترقب محبوه الإعلان على أمل أن تنصفه الأكاديمية السويدية، يتعامل منتقدوه مع كل دورة جديدة بوصفها فرصة متجددة للطعن في تجربته الشعرية والتشكيك في استحقاقه. وهكذا يتحول غياب أدونيس عن الجائزة من واقعة تخص مؤسسة أدبية دولية إلى سجال عربي تتداخل فيه الأسئلة الجمالية بالحساسيات الأيديولوجية، وتختلط فيه أحكام النقد بمواقف الإعجاب والخصومة.
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس ما إذا كان أدونيس يستحق نوبل فحسب، بل ما الذي يجعل اسمه حاضرًا باستمرار في النقاش حولها، وما الذي تمثله تجربته الشعرية في سياق الحداثة العربية، وهل يمكن اختزال القيمة الأدبية لشاعر في جائزة، مهما بلغت مكانتها الرمزية؟
تنبع أهمية ترشيح أدونيس، في نظر أنصاره، من موقعه في تاريخ الشعر العربي الحديث، ومن الدور الذي أداه في مساءلة الموروث الشعري وإعادة النظر في علاقته باللغة والخيال والمعرفة. فمنذ تجاربه الأولى، مرورًا بمشروعه النقدي والفكري، لم يتعامل أدونيس مع الشعر بوصفه قالبًا جاهزًا تُملأ أوزانه بالمعاني، بل باعتباره فعلًا من أفعال إعادة اكتشاف العالم، ومغامرة في اللغة، ومحاولة لزعزعة ما استقر في الوعي العربي من مسلمات جمالية وثقافية.
وقد أسهم، مع شعراء ونقاد آخرين من جيله، في توسيع أفق الكتابة العربية، وفي نقل النقاش من حدود الشكل التقليدي إلى أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق ببنية القصيدة، ومفهوم الحداثة، وعلاقة التراث بالإبداع، وحدود اللغة في التعبير عن التجربة الإنسانية. ولم يكن هذا التحول مجرد تمرّد على الوزن والقافية، بل مسعى إلى تغيير مفهوم القصيدة ذاته، بحيث لا تعود محكومة بسلطة الشكل الموروث وحده، وإنما تصبح قادرة على ابتكار أشكالها وأساليبها الخاصة.
ومن هنا، يمكن فهم إسهام أدونيس في ترسيخ قصيدة النثر وتوسيع المجال أمام التجارب الشعرية التي لا تستند إلى الوزن الخليلي الذي يقدسه كثيرٌ من النقاد والشعراء العرب. غير أن الإنصاف النقدي يقتضي التمييز بين أهمية هذا التحول في تاريخ الشعر العربي وبين الحكم على القيمة الفنية لكل نص كُتب في إطاره. فليس كل خروج على الوزن تجديدًا، كما أن التحرر من القالب لا يضمن، في حد ذاته، خلق شعر مغاير أو عميق. وقد تنجح قصيدة في هدم الشكل المألوف دون أن تنجح في بناء شكل جمالي بديل، مثلما تستطيع قصيدة موزونة أن تحقق من الابتكار ما تعجز عنه نصوص تتخذ من الغموض والتشظي وسيلتين لإيهام القارئ بالحداثة.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية في تجربة أدونيس: هل استطاع أن يجعل من التمرد على المألوف ضرورة فنية تنتج لغة جديدة ورؤية مغايرة، أم أن بعض نصوصه استسلمت، في أحيان، لإغراء التجريد والرمز، حتى أصبحت المسافة بين كثافة المعنى وإغلاقه مسافة يصعب على القارئ والنقد معًا ضبطها؟
وليس من الإنصاف إنكار القيمة الشعرية لأدونيس بسبب صعوبة نصوصه، فالشعر البهي لم يكن دائمًا سهلًا، ولم تكن سهولة التلقي يومًا معيارًا كافيًا للحكم على جودة الأدب. لكن الصعوبة ليست فضيلة في ذاتها أيضًا؛ إذ ينبغي أن تكون ثمرة لتعقيد التجربة وثراء الرؤية وابتكار اللغة، لا ستارًا يحجب هشاشة المعنى أو يرفع النص فوق المساءلة النقدية. فالغموض الذي يفتح آفاق التأويل يختلف عن الغموض الذي يستنفد نفسه في التراكيب الملتبسة والإشارات المتراكمة، والرمز الذي يثري التجربة الشعرية ليس هو الرمز الذي يتحول إلى غاية مستقلة عن التجربة ذاتها.
وبين هذين الاحتمالين تتحرك القراءة النقدية لأدونيس: شاعرًا فتح أبوابًا جديدة أمام القصيدة العربية، لكنه ظل، في الوقت نفسه، موضوعًا ومشروعًا للاختلاف حول طبيعة الإنجاز الذي تحقق داخل تلك الأبواب.
ولعل جانبًا من هذا الاختلاف يعود إلى علاقة أدونيس بالتراث العربي. فقد نظر إلى التراث، في مشروعه الفكري والنقدي، بوصفه مجالًا للصراع والتأويل وإعادة القراءة، لا مجرد مخزون مقدس ينبغي تكراره. وقد منحته هذه الرؤية قدرة على مساءلة أنماط التفكير السائدة، لكنها جعلت مشروعه أيضًا عرضة لانتقادات تتعلق بحدود القطيعة التي دعا إليها، وبمدى قدرته على استيعاب التراث من داخله بدلًا من التعامل معه أحيانًا عبر ثنائية حادة بين التقليد والتجديد.
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل أثر الثقافة الغربية في تشكيل مشروعه الشعري والفكري. فقد انفتح أدونيس على تيارات الحداثة العالمية، واستفاد من تحولات الشعر والفكر في الغرب، كما فعل شعراء عرب كثيرون سعوا إلى تحرير الكتابة من الأشكال المستقرة. غير أن التأثر بالأدب الغربي لا يمثل، في ذاته، مأخذًا نقديًا؛ فالثقافات تتجدد عبر الحوار والتفاعل والاقتباس وإعادة الإنتاج. والسؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التفاعل قد أنتج خصوصية إبداعية قادرة على تحويل المؤثرات الخارجية إلى تجربة تنتمي إلى لغتها وتاريخها، أم أنه انتهى، في بعض المواضع، إلى استعارة أدوات الحداثة ومظاهرها دون أن تنجح دائمًا في إعادة صهرها داخل بنية ثقافية وجمالية متماسكة.
وهذا السؤال لا يخص أدونيس وحده، بل يطال جانبًا واسعًا من تجربة الحداثة العربية، التي وجدت نفسها أمام تحدي الإفادة من المنجز الإنساني الحديث دون الوقوع في أسر النموذج الغربي، وأمام ضرورة تجاوز الموروث دون إنكار ما يختزنه من إمكانات لم تُستنفد بعد. ومن هذه الزاوية، لا يبدو أدونيس شاعرًا يمكن وضعه ببساطة في خانة المنتصرين أو الخاسرين؛ إنه أحد أبرز الأسماء التي تجسدت في تجربتها تناقضات الحداثة العربية وطموحاتها وإخفاقاتها المحتملة.
ومع ذلك، فإن السجال حول أدونيس كثيرًا ما يغادر النصوص إلى صاحبها، ويتحول من مساءلة شعره إلى محاكمة مواقفه السياسية والفكرية. وليس ثمة ما يمنع النقد من تناول هذه المواقف، أو من مساءلة التناقضات بين خطاب المثقف وممارسته، لكن الخلل يبدأ حين تصبح المواقف السياسية بديلًا عن القراءة الأدبية، أو حين يُمنح الشاعر حصانة نقدية بسبب مكانته، أو يُحرم منها بسبب خصومته مع تيار فكري أو سياسي معين.
إن استقلال الحكم الجمالي لا يعني عزل الأدب عزلاً تامًا عن التاريخ والسياسة، فالنص ابن سياقه، وصاحبه ليس كائنًا منفصلًا عن العالم. لكنه يعني، في الحد الأدنى، ألا تتحول الخصومة السياسية إلى حكم مسبق على قيمة العمل، وألا يُستخدم الإعجاب بالموقف الفكري دليلًا على جودة القصيدة. فالشاعر ليس أكبر من نصه، كما أن نصه ليس مجرد ملحق بسيرته ومواقفه؛ وبين الاثنين مساحة ينبغي أن يتحرك فيها النقد بحرية، بعيدًا عن التقديس والتشهير معًا.
أما جائزة نوبل، فإن حضور أدونيس المتكرر في التكهنات بشأنها يكشف، في جانب منه، عن حاجة الثقافة العربية إلى اعتراف عالمي بنتاجها الإبداعي، وعن ميل إلى النظر إلى الجائزة بوصفها شهادة نهائية على المكانة الأدبية. غير أن هذا التصور يحمّل الجائزة أكثر مما تحتمل، ويجعلها أحيانًا معيارًا للحكم على الأدب بدلًا من كونها اختيارًا تصدره مؤسسة وفق تقديراتها الأدبية والثقافية.
فنوبل، على أهميتها، ليست محكمة كونية تفصل بصورة نهائية في قيمة الشعراء، ولا قائمة مكتملة بأفضل من كتبوا الأدب في العالم. إنها جائزة ذات مكانة استثنائية، لكن اختياراتها تظل نتاجًا لمعايير المؤسسة ولتصوراتها عن الإنجاز الأدبي، وللظروف الثقافية والتاريخية التي تحيط بعملية الاختيار. وقد يفوز بها كاتب يستحق الاحتفاء، بينما يظل خارجها كتاب وشعراء لا تقل تجاربهم أهمية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتصار أحد الطرفين أو إخفاق الآخر.
وإذا كان غياب أدونيس عن نوبل لا يكفي دليلًا على ضعف تجربته، فإن حضوره المستمر في قوائم التكهنات لا يشكل، في المقابل، برهانًا على استحقاقه الحتمي لها. فالاستحقاق الأدبي لا يُثبت بتكرار الاسم في وسائل الإعلام، ولا بإجماع المحبين، ولا بمجرد إثارة الجدل حول صاحبه؛ وإنما يُختبر بقدرة العمل على الصمود أمام القراءات المتعاقبة، وعلى تجاوز سياقه الأول، وعلى تقديم إضافة حقيقية إلى اللغة والخيال والمعرفة الإنسانية.
ومن هنا، فإن المقارنة بين أدونيس والفائزين بالجائزة ينبغي ألا تتحول إلى مفاضلة انفعالية بين شاعر عربي لم يفز وآخرين نالوا التكريم. فكل تجربة أدبية تُقرأ في سياقها الخاص، ولكل كاتب منجزه الذي ينبغي أن يُفحص بمعزل عن الرغبة في إثبات مظلومية ثقافية أو انتصار رمزي. إن حاجة الأدب العربي إلى الاعتراف العالمي مشروعة، لكن اختزال هذه الحاجة في اسم واحد، أو تعليقها على قرار مؤسسة واحدة، قد يحجب عنا السؤال الأهم: ما الذي نفعله نحن بأدبنا، وكيف نقرأه ونترجمه ونقدمه إلى العالم، وكيف نبني حركة نقدية قادرة على التمييز بين المنجز الحقيقي والضجيج الذي يحيط به؟
ولعل المفارقة أن أدونيس، الذي ارتبط اسمه بالتمرد على الثوابت وإعادة النظر في المسلمات، أصبح هو نفسه موضوعًا لنوع من الاستقطاب الذي يرفض المساءلة المركبة: فريق يراه قامة شعرية لا يجوز التقليل من شأنها، وفريق يتعامل معه بوصفه رمزًا لحداثة منقطعة عن جذورها أو متعالية على قارئها. وبين الفريقين تضيع أحيانًا فرصة القراءة الهادئة التي تعترف بالمنجز دون أن تتغاضى عن مواطن الضعف، وتنتقد الإخفاق دون أن تنكر الأثر التاريخي.
إن أدونيس، سواء فاز بنوبل أم لم يفز، يظل اسمًا لا يمكن تجاوز أثره في تاريخ الشعر العربي الحديث، ولا يمكن، في الوقت ذاته، إعفاؤه من المحاكمة النقدية الصارمة. فقد أسهم في توسيع أفق القصيدة، وشارك في تغيير أسئلة الكتابة الشعرية، ودفع الثقافة العربية إلى نقاشات لم يكن ممكنًا أن تظل مؤجلة إلى الأبد. لكن هذا الأثر لا يمنح كل ما كتبه قيمة متساوية، ولا يجعل مشروعه فوق النقد، كما أن الاعتراض على بعض خياراته الفنية أو الفكرية لا يبرر إنكار إسهامه في التحولات التي شهدها الشعر العربي.
وربما كان السؤال الأجدر بالطرح، مع كل موسم لنوبل، ليس: لماذا لم يفز أدونيس بعد؟ بل: لماذا نحتاج، في كل مرة، إلى أن تفوز نوبل بأحد شعرائنا حتى نطمئن إلى مكانته؟ أليس من الأجدى أن نمتلك أدواتنا النقدية المستقلة، وأن نقرأ تجاربنا قراءة تتجاوز عقدة الاعتراف الخارجي، من غير أن تنغلق على ذاتها أو تتوهم أن الاكتفاء بالخصوصية يغني عن التواصل مع العالم؟
قد يبقى أدونيس الحاضر الغائب عن جائزة نوبل، لكن غيابه عنها لا ينبغي أن يتحول إلى مأساة ثقافية، كما لا ينبغي أن يصبح مناسبة لتصفية الحسابات معه. فمكانة الشاعر لا يصنعها التتويج وحده، وإنما تصنعها قدرته على البقاء في قلب الأسئلة، وعلى مقاومة النسيان، وعلى خلق قراءات جديدة تختلف معه بقدر ما تتعلم من تجربته.
وهذا، في نهاية المطاف، هو الامتحان الأصعب لأي شاعر: ليس أن يُمنح جائزة كبرى، بل أن يظل نصه قادرًا على إثارة الأسئلة بعد أن يخفت ضجيج الجوائز، وأن يبقى جديرًا بالقراءة حين يتراجع بريق الأسماء وتُطوى مواسم التكهنات.
…..
بقلم / عبدالواسع السقاف
المقال القادم (المقارنة بين أدب أدونيس وآن كارسون الحائزة على نوبل للآداب ٢٠٢٦م)
لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح ليس ما إذا كان أدونيس يستحق نوبل فحسب، بل ما الذي يجعل اسمه حاضرًا باستمرار في النقاش حولها، وما الذي تمثله تجربته الشعرية في سياق الحداثة العربية، وهل يمكن اختزال القيمة الأدبية لشاعر في جائزة، مهما بلغت مكانتها الرمزية؟
تنبع أهمية ترشيح أدونيس، في نظر أنصاره، من موقعه في تاريخ الشعر العربي الحديث، ومن الدور الذي أداه في مساءلة الموروث الشعري وإعادة النظر في علاقته باللغة والخيال والمعرفة. فمنذ تجاربه الأولى، مرورًا بمشروعه النقدي والفكري، لم يتعامل أدونيس مع الشعر بوصفه قالبًا جاهزًا تُملأ أوزانه بالمعاني، بل باعتباره فعلًا من أفعال إعادة اكتشاف العالم، ومغامرة في اللغة، ومحاولة لزعزعة ما استقر في الوعي العربي من مسلمات جمالية وثقافية.
وقد أسهم، مع شعراء ونقاد آخرين من جيله، في توسيع أفق الكتابة العربية، وفي نقل النقاش من حدود الشكل التقليدي إلى أسئلة أكثر تعقيدًا تتعلق ببنية القصيدة، ومفهوم الحداثة، وعلاقة التراث بالإبداع، وحدود اللغة في التعبير عن التجربة الإنسانية. ولم يكن هذا التحول مجرد تمرّد على الوزن والقافية، بل مسعى إلى تغيير مفهوم القصيدة ذاته، بحيث لا تعود محكومة بسلطة الشكل الموروث وحده، وإنما تصبح قادرة على ابتكار أشكالها وأساليبها الخاصة.
ومن هنا، يمكن فهم إسهام أدونيس في ترسيخ قصيدة النثر وتوسيع المجال أمام التجارب الشعرية التي لا تستند إلى الوزن الخليلي الذي يقدسه كثيرٌ من النقاد والشعراء العرب. غير أن الإنصاف النقدي يقتضي التمييز بين أهمية هذا التحول في تاريخ الشعر العربي وبين الحكم على القيمة الفنية لكل نص كُتب في إطاره. فليس كل خروج على الوزن تجديدًا، كما أن التحرر من القالب لا يضمن، في حد ذاته، خلق شعر مغاير أو عميق. وقد تنجح قصيدة في هدم الشكل المألوف دون أن تنجح في بناء شكل جمالي بديل، مثلما تستطيع قصيدة موزونة أن تحقق من الابتكار ما تعجز عنه نصوص تتخذ من الغموض والتشظي وسيلتين لإيهام القارئ بالحداثة.
وهنا تكمن إحدى المعضلات الأساسية في تجربة أدونيس: هل استطاع أن يجعل من التمرد على المألوف ضرورة فنية تنتج لغة جديدة ورؤية مغايرة، أم أن بعض نصوصه استسلمت، في أحيان، لإغراء التجريد والرمز، حتى أصبحت المسافة بين كثافة المعنى وإغلاقه مسافة يصعب على القارئ والنقد معًا ضبطها؟
وليس من الإنصاف إنكار القيمة الشعرية لأدونيس بسبب صعوبة نصوصه، فالشعر البهي لم يكن دائمًا سهلًا، ولم تكن سهولة التلقي يومًا معيارًا كافيًا للحكم على جودة الأدب. لكن الصعوبة ليست فضيلة في ذاتها أيضًا؛ إذ ينبغي أن تكون ثمرة لتعقيد التجربة وثراء الرؤية وابتكار اللغة، لا ستارًا يحجب هشاشة المعنى أو يرفع النص فوق المساءلة النقدية. فالغموض الذي يفتح آفاق التأويل يختلف عن الغموض الذي يستنفد نفسه في التراكيب الملتبسة والإشارات المتراكمة، والرمز الذي يثري التجربة الشعرية ليس هو الرمز الذي يتحول إلى غاية مستقلة عن التجربة ذاتها.
وبين هذين الاحتمالين تتحرك القراءة النقدية لأدونيس: شاعرًا فتح أبوابًا جديدة أمام القصيدة العربية، لكنه ظل، في الوقت نفسه، موضوعًا ومشروعًا للاختلاف حول طبيعة الإنجاز الذي تحقق داخل تلك الأبواب.
ولعل جانبًا من هذا الاختلاف يعود إلى علاقة أدونيس بالتراث العربي. فقد نظر إلى التراث، في مشروعه الفكري والنقدي، بوصفه مجالًا للصراع والتأويل وإعادة القراءة، لا مجرد مخزون مقدس ينبغي تكراره. وقد منحته هذه الرؤية قدرة على مساءلة أنماط التفكير السائدة، لكنها جعلت مشروعه أيضًا عرضة لانتقادات تتعلق بحدود القطيعة التي دعا إليها، وبمدى قدرته على استيعاب التراث من داخله بدلًا من التعامل معه أحيانًا عبر ثنائية حادة بين التقليد والتجديد.
ولا يمكن، في هذا السياق، تجاهل أثر الثقافة الغربية في تشكيل مشروعه الشعري والفكري. فقد انفتح أدونيس على تيارات الحداثة العالمية، واستفاد من تحولات الشعر والفكر في الغرب، كما فعل شعراء عرب كثيرون سعوا إلى تحرير الكتابة من الأشكال المستقرة. غير أن التأثر بالأدب الغربي لا يمثل، في ذاته، مأخذًا نقديًا؛ فالثقافات تتجدد عبر الحوار والتفاعل والاقتباس وإعادة الإنتاج. والسؤال الأهم هو ما إذا كان هذا التفاعل قد أنتج خصوصية إبداعية قادرة على تحويل المؤثرات الخارجية إلى تجربة تنتمي إلى لغتها وتاريخها، أم أنه انتهى، في بعض المواضع، إلى استعارة أدوات الحداثة ومظاهرها دون أن تنجح دائمًا في إعادة صهرها داخل بنية ثقافية وجمالية متماسكة.
وهذا السؤال لا يخص أدونيس وحده، بل يطال جانبًا واسعًا من تجربة الحداثة العربية، التي وجدت نفسها أمام تحدي الإفادة من المنجز الإنساني الحديث دون الوقوع في أسر النموذج الغربي، وأمام ضرورة تجاوز الموروث دون إنكار ما يختزنه من إمكانات لم تُستنفد بعد. ومن هذه الزاوية، لا يبدو أدونيس شاعرًا يمكن وضعه ببساطة في خانة المنتصرين أو الخاسرين؛ إنه أحد أبرز الأسماء التي تجسدت في تجربتها تناقضات الحداثة العربية وطموحاتها وإخفاقاتها المحتملة.
ومع ذلك، فإن السجال حول أدونيس كثيرًا ما يغادر النصوص إلى صاحبها، ويتحول من مساءلة شعره إلى محاكمة مواقفه السياسية والفكرية. وليس ثمة ما يمنع النقد من تناول هذه المواقف، أو من مساءلة التناقضات بين خطاب المثقف وممارسته، لكن الخلل يبدأ حين تصبح المواقف السياسية بديلًا عن القراءة الأدبية، أو حين يُمنح الشاعر حصانة نقدية بسبب مكانته، أو يُحرم منها بسبب خصومته مع تيار فكري أو سياسي معين.
إن استقلال الحكم الجمالي لا يعني عزل الأدب عزلاً تامًا عن التاريخ والسياسة، فالنص ابن سياقه، وصاحبه ليس كائنًا منفصلًا عن العالم. لكنه يعني، في الحد الأدنى، ألا تتحول الخصومة السياسية إلى حكم مسبق على قيمة العمل، وألا يُستخدم الإعجاب بالموقف الفكري دليلًا على جودة القصيدة. فالشاعر ليس أكبر من نصه، كما أن نصه ليس مجرد ملحق بسيرته ومواقفه؛ وبين الاثنين مساحة ينبغي أن يتحرك فيها النقد بحرية، بعيدًا عن التقديس والتشهير معًا.
أما جائزة نوبل، فإن حضور أدونيس المتكرر في التكهنات بشأنها يكشف، في جانب منه، عن حاجة الثقافة العربية إلى اعتراف عالمي بنتاجها الإبداعي، وعن ميل إلى النظر إلى الجائزة بوصفها شهادة نهائية على المكانة الأدبية. غير أن هذا التصور يحمّل الجائزة أكثر مما تحتمل، ويجعلها أحيانًا معيارًا للحكم على الأدب بدلًا من كونها اختيارًا تصدره مؤسسة وفق تقديراتها الأدبية والثقافية.
فنوبل، على أهميتها، ليست محكمة كونية تفصل بصورة نهائية في قيمة الشعراء، ولا قائمة مكتملة بأفضل من كتبوا الأدب في العالم. إنها جائزة ذات مكانة استثنائية، لكن اختياراتها تظل نتاجًا لمعايير المؤسسة ولتصوراتها عن الإنجاز الأدبي، وللظروف الثقافية والتاريخية التي تحيط بعملية الاختيار. وقد يفوز بها كاتب يستحق الاحتفاء، بينما يظل خارجها كتاب وشعراء لا تقل تجاربهم أهمية، من دون أن يعني ذلك بالضرورة انتصار أحد الطرفين أو إخفاق الآخر.
وإذا كان غياب أدونيس عن نوبل لا يكفي دليلًا على ضعف تجربته، فإن حضوره المستمر في قوائم التكهنات لا يشكل، في المقابل، برهانًا على استحقاقه الحتمي لها. فالاستحقاق الأدبي لا يُثبت بتكرار الاسم في وسائل الإعلام، ولا بإجماع المحبين، ولا بمجرد إثارة الجدل حول صاحبه؛ وإنما يُختبر بقدرة العمل على الصمود أمام القراءات المتعاقبة، وعلى تجاوز سياقه الأول، وعلى تقديم إضافة حقيقية إلى اللغة والخيال والمعرفة الإنسانية.
ومن هنا، فإن المقارنة بين أدونيس والفائزين بالجائزة ينبغي ألا تتحول إلى مفاضلة انفعالية بين شاعر عربي لم يفز وآخرين نالوا التكريم. فكل تجربة أدبية تُقرأ في سياقها الخاص، ولكل كاتب منجزه الذي ينبغي أن يُفحص بمعزل عن الرغبة في إثبات مظلومية ثقافية أو انتصار رمزي. إن حاجة الأدب العربي إلى الاعتراف العالمي مشروعة، لكن اختزال هذه الحاجة في اسم واحد، أو تعليقها على قرار مؤسسة واحدة، قد يحجب عنا السؤال الأهم: ما الذي نفعله نحن بأدبنا، وكيف نقرأه ونترجمه ونقدمه إلى العالم، وكيف نبني حركة نقدية قادرة على التمييز بين المنجز الحقيقي والضجيج الذي يحيط به؟
ولعل المفارقة أن أدونيس، الذي ارتبط اسمه بالتمرد على الثوابت وإعادة النظر في المسلمات، أصبح هو نفسه موضوعًا لنوع من الاستقطاب الذي يرفض المساءلة المركبة: فريق يراه قامة شعرية لا يجوز التقليل من شأنها، وفريق يتعامل معه بوصفه رمزًا لحداثة منقطعة عن جذورها أو متعالية على قارئها. وبين الفريقين تضيع أحيانًا فرصة القراءة الهادئة التي تعترف بالمنجز دون أن تتغاضى عن مواطن الضعف، وتنتقد الإخفاق دون أن تنكر الأثر التاريخي.
إن أدونيس، سواء فاز بنوبل أم لم يفز، يظل اسمًا لا يمكن تجاوز أثره في تاريخ الشعر العربي الحديث، ولا يمكن، في الوقت ذاته، إعفاؤه من المحاكمة النقدية الصارمة. فقد أسهم في توسيع أفق القصيدة، وشارك في تغيير أسئلة الكتابة الشعرية، ودفع الثقافة العربية إلى نقاشات لم يكن ممكنًا أن تظل مؤجلة إلى الأبد. لكن هذا الأثر لا يمنح كل ما كتبه قيمة متساوية، ولا يجعل مشروعه فوق النقد، كما أن الاعتراض على بعض خياراته الفنية أو الفكرية لا يبرر إنكار إسهامه في التحولات التي شهدها الشعر العربي.
وربما كان السؤال الأجدر بالطرح، مع كل موسم لنوبل، ليس: لماذا لم يفز أدونيس بعد؟ بل: لماذا نحتاج، في كل مرة، إلى أن تفوز نوبل بأحد شعرائنا حتى نطمئن إلى مكانته؟ أليس من الأجدى أن نمتلك أدواتنا النقدية المستقلة، وأن نقرأ تجاربنا قراءة تتجاوز عقدة الاعتراف الخارجي، من غير أن تنغلق على ذاتها أو تتوهم أن الاكتفاء بالخصوصية يغني عن التواصل مع العالم؟
قد يبقى أدونيس الحاضر الغائب عن جائزة نوبل، لكن غيابه عنها لا ينبغي أن يتحول إلى مأساة ثقافية، كما لا ينبغي أن يصبح مناسبة لتصفية الحسابات معه. فمكانة الشاعر لا يصنعها التتويج وحده، وإنما تصنعها قدرته على البقاء في قلب الأسئلة، وعلى مقاومة النسيان، وعلى خلق قراءات جديدة تختلف معه بقدر ما تتعلم من تجربته.
وهذا، في نهاية المطاف، هو الامتحان الأصعب لأي شاعر: ليس أن يُمنح جائزة كبرى، بل أن يظل نصه قادرًا على إثارة الأسئلة بعد أن يخفت ضجيج الجوائز، وأن يبقى جديرًا بالقراءة حين يتراجع بريق الأسماء وتُطوى مواسم التكهنات.
…..
بقلم / عبدالواسع السقاف
المقال القادم (المقارنة بين أدب أدونيس وآن كارسون الحائزة على نوبل للآداب ٢٠٢٦م)