- صوت المذيع يصدح بصوت جهوري مهيب: هنا الجمهورية الديموقراطية الشعبية!!
البث التلفزيوني توقف إلا من هذا الصوت الذي يردد بشكل متكرر: هنا الجمهورية الديموقراطية الشعبية، ويهدد بعدم التورط في أي عصيان أو تمرد مدني!!
تميز بيتنا في هذا اليوم بحركة غير عادية، وغريبة، وغامضة؟ جدتي لأبي جاءت من بيتها فزعة، تحمل بين يديها طيفورالفضة، وتعتقد أنها نهاية العالم؟ كان "الطيفور" بالنسبة لجدتي رمزا وإرثا عائليا لا يجب التفريط فيه، في حالة وقوع أي مكروه.... فهي تظن أنه في ظروف كهذه سيكون طيفورها أكثر أمانًا عند أحفادها وابنها الذي هو أبي.
جدي لأمي أيضا جاء مهرولا مع زوجته وهو يتساءل عما جرى، وهو غير مصدق للخبر؟ أبي آتى يحمل كيسا كبيرا من الدقيق وأغراضا أخرى وهو يردد بين الفينة والأخرى:
- أدياوي ربي السلامت " نطلب من الله السلامة"
- أمي تحثه بخوف وقلق وهو يخرج: أورّيد دْغْيا أ الحاج "عد سريعا يا حاج".
- أما أبي فقد أكد علينا جميعا بعدم الخروج أو التحرك لأي مكان، وهو يهمُّ بالخروج لجلب مزيد من المؤن للبيت وأنه سيعود بسرعة.
كان المشهد وكأننا في حرب عالمية. لكننا نحن الصغار كنا مبهورين بما يجري، بعضنا ابتهج لأننا شعرنا أن هناك حدثا غامضا يستحق المتابعة، وبعضنا شعر بالخوف، وبعضنا لم يستوعب أي شيء. كنا نسأل والدتي عما يجري فتنهرنا وتقول: أن هذا الموضوع يخص الكبار!
جلسنا امام التلفزيون نتابعه بتذمر وهو يردد : هنا الجمهورية الديموقراطية، ولا يظهر على شاشته سوى دوائر ومربعات بألوان قوس قزح الخاصة بشعار التلفزة.
- أمر ممل فعلا!!
كنت أجلس بين إخوتي وأحدثهم عن معنى الجمهورية التي أخافت أبي، وجعلتْ أمي تصمت، وجدي "لأمي" يأتي مسرعا مع زوجته... الجمهورية التي جعلت عمي يخشى من القدوم إلى بيت العائلة الكبير هو وعائلته، ودفعت جدتي للهروب من بيتها رغم المخاطر التي كانت تظن أنها موجودة في كل مكان، تحمل في يدها طيفور الفضة المفضل لديها، معتقدة أنها نهاية الكون. وأشرح لهم بجدية كبيرة، أن ما يقع يخص غولا خرج على الناس، وهم خائفون منه... إخوتي التزموا الصمت، ومنهم من اختبأ تحت الغطاء خوفا من وصول الغول إلى بيتنا... سألني أخي الصغير عن مصير "حديدان"؟! *
أنا الوحيدة التي كنت منبهرة بهذا "الأكشن" الذي يمتزج فيه الخوف بالدهشة، والذي جعل العائلة تجتمع، وأبي يغلق متجره ويهرول إلى البيت حاملا مؤونة شهر كامل، كان خائفا وهو يحذرنا من الظهور في الخارج... ويجعل الناس يتدافعون حول دكان البقال "سي يوبا" لشراء المؤونة اللازمة للأيام العصيبة القادمة.
بعد شراء أبي لمؤونة البيت، ذهبت والدتي إلى المطبخ لترتب الأغراض... وأبي جلس بجانب الراديو ينتظر الأخبار أول بأول. ونحن ننتظر بفارغ الصبر أن يخرس ذلك الصوت، ليبدأ الإرسال لمشاهدة الرسوم المتحركة!! جدتي تجلس بجانب أبي تغمغم حول ما جرى للملك، أبي كان يرمقها بنظرات تحذرها من الكلام، وبغمز لها بعينيه ويشير إلينا، وأنا أراقب ما يجري بينهما وهم في وجل يستعيذون بالله بهمس وترقب.
-سألتُ جدتي عما يجري؟ فهمست لي خوفا من أن يسمعها أبي: اعتقلوا الملك!
-أنا: -اعتقلوا الملك؟ وهل كانت معه الأميرة أيضا؟
قرصتني جدتي.... فصمتت، ثم ذهبتُ إلى إخوتي مسرعة أخبرهم بما جرى، وبدات أشرح لهم كيف أن الجمهورية اعتقلت الملك وربما الأميرة أيضا، ذات الشعر الطويل، ومن يتحرك منكم فستخطفه الجمهورية؟ ثم بدأتُ أنا بدوري أشعر بالخوف، ورأسي يحاول أن يفهم ما هي هذه الجمهورية التي اكتسحت بلادنا واعتقلت الملك وسوف تقتحم بيتنا أيضا. جدتي خائفة، أبي خائف، أمي صامتة، جدي يتفقد دخانه ويشعل سيجارة، وزوجة جدي تنظر إليه بحدة وهو ينفث الدخان... وحالة من الرهبة والترقب تخيم على بيتنا وعلى المدينة...
-زوجة جدي تسأل: متى يحضر الغذاء؟
وكأي طفلة شقية وفضولية حاولت أن أسترق النظر من باب البيت لأعرف ماذا يجري في الخارج... نهرتني أمي وأغلقت الباب. كان الشارع فارغا يشبه وقت أذان المغرب في رمضان... حتى يوبا صاحب الدكان أغلق دكانه وهرب إلى بيته ليحتمي فيه من الجمهوية!! أبي لا يفعل شيئا سوى أنه يردد: "آد ياوي ربي السلامت" ويستمع إلى البلاغ العسكري الذي أصدره الجنرال ورفاقه! استمرت إذاعة البلاغ طويلا دون أي أخبار آخرى حتى أصابني السأم ... ماذا بعد؟ أريد أن أفهم ما يجري؟ ولماذا أغلقوا التلفزبون؟ وهل سيعرضون مسلسل الرسوم المتحركة؟ ومن هي هذه الجمهورية؟ أسئلة كثيرة وملل، وكلما حاولنا أن نلعب يصرخ أبي في وجهنا ويقول لنا: اخرسوا!! ونخرس... وننتظر أن يخرس المذيع أيضا حتى نلعب. تبا لهذه الجمهورية !!
- سألتُ جدتي: هل لديها أسنان طويلة؟
- من هي؟
- الجمهوربة؟
فقرصتني جدتي مرة أخرى بأظافرها القوية وقالت لي: "فيس"* أجبتُ جدتي بهمس : "هايي فيساغ" ** ثم أشارت لي بأصبعها مرة أخرى وهي تضعه على فمها أن أصمت...حتى جدتي لا تفهم معنى الجمهورية، وتعتمد في فهم ما يجري على ترجمة أبي لها بالأمازيغية... كل ما تفهمه أنهم اعتقلوا الملك، وأنه حدث خطير قد يقتلنا جميعا!! هذا ما أخبرها الجيران به قبل أن تغادر بيتها هاربة من الخطر الذي تعتقد أنه يحدق بها.
أول مرة رأيت فيها الملك مباشرة، حين كنت طفلة صغيرة جدا... كان شارعنا الصغير يفصل بين باب سور مشور القصر الملكي وبين أحد أبواب المدينة التاريخي، الذي يشكل أهمية كبيرة بين أبواب السور العتيق، والباب عبارة عن سقالة ضخمة كان يستخدمها جنود الحراسة للمراقبة، ويمتاز هذا الباب بهندسة معمارية جميلة، ويقع في شمال سور المدينة الضخم الذي تأسس عند ترسيخ جذور الدولة المرابطية، كانت أبواب المدينة قديما، تغلق في الليل، وتفتح في الصباح" ، ويعتبر حينا أصغر حي في هذه المدينة، وقد سكنه أناس كثيرون ولم يبق من السكان الأصليين إلا فئة قليلة، كما تغيرت البنية السكانية لهذا الحي فلم يعد أحد من السكان الجدد يعرف الآخر، خصوصا أن من بين السكان الجدد مهاجرين أوروبيين رمموا البيوت القديمة وسكنوها .... أما السقالة الضخمة فوق الباب العتيق فكانت تسكنها طيور السنونو وعائلة أمازيغية، قادمة من سوس. فيما بعد ضرب زلزال قوي المدينة، وتأثرت السقالة بهذا الزلزال فرحلت العائلة ومعها طيور السنونو.
كان الملك يمر من أمام بيتنا يوميا في نفس الوقت، يسوق سيارته بنفسه في موكب مهيب، وهو ذاهب إلى الكًولف، كنت أركض لأراه، وكنت أقف أنا وإخواني عندما يقترب مرور الموكب، مثل جنود صامدين على حافة الرصيف الذي أمام بيتنا ولا نتحرك، كل ما يتحرك فينا هي دهشة نظراتنا، وأفواهننا المفتوحة عند رؤية الملك وهو يسوق السيارة، ويمسك هامش النافذة بيده اليسرى التي يزينها خاتم من الذهب، إنه نفس الخاتم الذي نشاهده في التلفزيون عندما ينقلون خطابا ملكيا، كنت أيضا أحب مشاهدة سيارات النساء المنقبات اللواتي يرافقن الملك في خرجته اليومية إلى الكًولف، كانت تبدو من خلال النقاب الأسود عيون جميلة "مكحلة" برموش طويلة، وأياد ناعمة يزينها طلاء الأظافر الأحمر، تظهر لنا من خلال نوافذ السيارات السوداء وهن ممسكات بهوامش النوافذ.... وكنت أدقق النظر فيهن كل مرة يمرون فيها، لنتعرف على أؤلائك النساء للواتي لا يشبهن أمي، إنهن يشبهن الأميرات في حكايات السمر الليلية... وكانت هذه المعرفة التي نكتشفها، نحولها إلى حكايات مثيرة، "نبهّرُها ونبهرجها" بعقولنا الطفولية، ونخترع منها حكايات لكسب دهشة الكبار، لقد جعلت منا أطفالا مهمين لدى الكبار، وهدفا لاستفسارتهم، لسرد ما شهدناه، وهذه الإمتيازات جعلت لنا حضوة كبيرة عند من كان يهتم بمعرفة ما رأينا أثناء مرور الموكب الملكي... فيما بعد لم أعد أهتم للأمر فقد أصبح روتينا يوميا يحصل كلما جاء الملك الى مدينتنا، وحتى سكان الحي لم يعودوا يسألوننا ماذا شهدنا عند مرور الموكب، وحتى الملك نفسه لا يهتم لنا، ويمر كأي رجل يقود سيارته.
بعد ساعات طويلة، من الملل والبلاغات العسكرية المتكررة، غير الراديو بلاغه وردد بلاغا جديدا وبنفس الصوت الجهوري : هنا المملكة الشعبية، نعلن للشعب العزيز أن الإنقلاب قد فشل وعادت الأوضاع إلى طبيعتها؟!!
أبي انتفض من مكانه، وظل يحدث أمي بكلام لم نسمعه من قبل عن مصير الجمهورية التي اعتقلت الملك، سألني أخي: ما هو الانقلاب؟ قلت له يبدو أنه شيء مخيف، أخيرا تمكنت القوات المساعدة من اعتقاله، مثل ما اعتقلت سي موحا "مول الكروصة"*** الذي تجرأ على سب الدولة حين أخذوا بضاعته؟! إخوتي لم يفهموا شيئا؟ ولكي أوضح الصورة، أكدت لهم أن الإنقلاب يشبه "صالابانا" ذلك المجنون الذي كان يخيف الجميع في حارتنا.
بعدها نقلتْ الأخبار أن الملك بخير بعد أن أنقذه جندي من الجيش!! وبأن الجنرالات الذين قاموا بالإنقلاب، جميعهم ماتوا بعد تبادل اطلاق الرصاص، ومن بقي حيا ستنفذ فيه الأحكام العرفية....
- سألت جدتي ماهي الاحكام العرفية؟ فقرصتني لأصمت!! ربما جدتي الأمازيغية لم تفهم أيضا ما معنى الاحكام العرفيةـ بما أنها لا تفهم حرفا واحدا من اللغة العربية، لهذا قرصتني؟!
الجيران جميعهم خرجوا إلى الشارع يتداولون موضوع الحادث الذي نزل على الجميع كالصاعقة، وبدأت التأويلات والحكايات.... في المساء انظم إلينا عمي وعائلته بعد أن هدأ الشارع، ورجعتْ إليه الحياة الطبيعية. جلس الجميع يتحدثون حول موضوع الإنقلاب، واستمرت السهرة حتى الصباح.
وبما أنني كنت أكبر إخوتي وأبناء عمي، فقد جمعتهم في زاوية وبدأت أشرح لهم ما يجرى. قلت لهم: أن الجندي قتل الإنقلاب والجمهورية معا، وليس القوات المساعدة كما اعتقدتْ، والجميع فاغر فاه محاولا فهم ما أقوله... أحيانا يمطرونني بأسئلتهم، وأنا أجيب كخبير عسكري في مؤتمر صحفي!! سألني أخي: ماذا سيفعلون بالانقلاب؟ قلت له: لقت قتله الملك هو والجمهورية؟! فصرخ الأطفال بصوت واحد واااااااو فرحين بالقضاء على الإنقلاب، وقفز أخي ينط ويرقص فرحا وسألني: متى ستبدأ الرسوم المتحركة؟
كنت أراقب رجال الحي من باب بيتنا وهم يناقشون موضوع الجمهورية والانقلاب. "سي يوبا" بدوره رجع لفتح دكانه في نفس اليوم، وكثر اللغط والتحليل بين الناس طيلة أسبوع كامل، وهم يتابعون الأحداث ويرددون أن انتصار الملك على الجمهورية راجع إلى نسبه الشريف الذي يمتد إلى النبي، لذلك فهو محمي ومحفوظ من الله. وكل من يكرهه تكون عاقبته سيئة..... قالت " الطيابة العاملة بحمام الحي" لأمي: إن الملك يحبه الله فهو سبط النبي ولذلك نصره الله على أعدائه.... ومن عداه فهو يعادي الله ورسوله. وبدأت النساء جميعا في "جلسة الحمام" تصلي على النبي!!
في اليوم التاني بدأ التلفزيون في بث الأخبار حول الحدث الكبير في تاريخ البلاد، وبدأ الناس في سرد الأحداث كل واحد وما يلتقطه من أخبار متناقلة، ويزيد عليه لمزيد من الإثارة.
أكثر شيء ظل عالقا في ذهني، هي تلك الأخبار عن إصابة بعض المدعوين بجروح طفيفة وهم ينبطحون تحت طاولات مكتظة بما لذ وطاب من المأكولات "خوفا" وكيف سقط رجل سياسة معروف بقوته، يرتجف من الخوف والرعب؟ وكيف سقط الإنقلاب؟وكيف أنقد الجندي الملك؟ وكيف تم إعدام الكثير من العسكريين؟ ما زال البث المباشر لإعدامهم عالقا في ذهني كدملة... وكيف كان الكبار يتحدثون عن الجمهورية والانقلاب اللذان حرضا هؤلاء العسكريين على تهديد حياة الملك؟ وكيف فكرتُ في الحلويات التي على طاولات الاحتفال بعيد ميلاد الملك؟ وهل أصابها سوء وسقطت على الأرض هي الأخرى بعد اختباء المدعويين تحت الطاولات؟ أم أنها ما زالت سالمة؟ وشهيتي الطفولية تتصور أنواعها. وكيف عادت جدتي إلى بيتها بعد أن هدأت الأوضاع بدون "طيفور الفضة" المفضل لديها، لقد خجلتْ من أخذه معها وإعادته إلى بيتها.
كنت مندهشة كيف تركتْ طيفورها؟ هذا الرمز المقدس للعائلة، الذي شهد تاريخا من الأفراح والأعراس، وحمل الكثير من أنواع الحلويات اللذيذة الفخمة في المناسبات العائلية الكبيرة.
قلت مع نفسي وأنا أنظر إلى الطيفور بغطائه الطويل المنقوش بزخرفة متميزة بعد أن غادرتنا جدتي: إنها خسائر كثيرة حصلت في يوم واحد؟!
ويكرر أخي السؤال بإلحاح: متى سيبدأ البث، نريد مشاهدة الرسوم المتحركة؟
---------------
هوامش
*) حديدان : هو بطل حكاية كان الصغار والكبار يحكونها في السهرات العائلية
**) فيس: تعني اصمت "وهي توجه للمؤنث والمذكر بنفس الصيغة"
***) هايي فيساغ: ها انا صمتت
***) مول الكروصا: صاحب البسطة
**** الطيفور: إناء من الفضة
البث التلفزيوني توقف إلا من هذا الصوت الذي يردد بشكل متكرر: هنا الجمهورية الديموقراطية الشعبية، ويهدد بعدم التورط في أي عصيان أو تمرد مدني!!
تميز بيتنا في هذا اليوم بحركة غير عادية، وغريبة، وغامضة؟ جدتي لأبي جاءت من بيتها فزعة، تحمل بين يديها طيفورالفضة، وتعتقد أنها نهاية العالم؟ كان "الطيفور" بالنسبة لجدتي رمزا وإرثا عائليا لا يجب التفريط فيه، في حالة وقوع أي مكروه.... فهي تظن أنه في ظروف كهذه سيكون طيفورها أكثر أمانًا عند أحفادها وابنها الذي هو أبي.
جدي لأمي أيضا جاء مهرولا مع زوجته وهو يتساءل عما جرى، وهو غير مصدق للخبر؟ أبي آتى يحمل كيسا كبيرا من الدقيق وأغراضا أخرى وهو يردد بين الفينة والأخرى:
- أدياوي ربي السلامت " نطلب من الله السلامة"
- أمي تحثه بخوف وقلق وهو يخرج: أورّيد دْغْيا أ الحاج "عد سريعا يا حاج".
- أما أبي فقد أكد علينا جميعا بعدم الخروج أو التحرك لأي مكان، وهو يهمُّ بالخروج لجلب مزيد من المؤن للبيت وأنه سيعود بسرعة.
كان المشهد وكأننا في حرب عالمية. لكننا نحن الصغار كنا مبهورين بما يجري، بعضنا ابتهج لأننا شعرنا أن هناك حدثا غامضا يستحق المتابعة، وبعضنا شعر بالخوف، وبعضنا لم يستوعب أي شيء. كنا نسأل والدتي عما يجري فتنهرنا وتقول: أن هذا الموضوع يخص الكبار!
جلسنا امام التلفزيون نتابعه بتذمر وهو يردد : هنا الجمهورية الديموقراطية، ولا يظهر على شاشته سوى دوائر ومربعات بألوان قوس قزح الخاصة بشعار التلفزة.
- أمر ممل فعلا!!
كنت أجلس بين إخوتي وأحدثهم عن معنى الجمهورية التي أخافت أبي، وجعلتْ أمي تصمت، وجدي "لأمي" يأتي مسرعا مع زوجته... الجمهورية التي جعلت عمي يخشى من القدوم إلى بيت العائلة الكبير هو وعائلته، ودفعت جدتي للهروب من بيتها رغم المخاطر التي كانت تظن أنها موجودة في كل مكان، تحمل في يدها طيفور الفضة المفضل لديها، معتقدة أنها نهاية الكون. وأشرح لهم بجدية كبيرة، أن ما يقع يخص غولا خرج على الناس، وهم خائفون منه... إخوتي التزموا الصمت، ومنهم من اختبأ تحت الغطاء خوفا من وصول الغول إلى بيتنا... سألني أخي الصغير عن مصير "حديدان"؟! *
أنا الوحيدة التي كنت منبهرة بهذا "الأكشن" الذي يمتزج فيه الخوف بالدهشة، والذي جعل العائلة تجتمع، وأبي يغلق متجره ويهرول إلى البيت حاملا مؤونة شهر كامل، كان خائفا وهو يحذرنا من الظهور في الخارج... ويجعل الناس يتدافعون حول دكان البقال "سي يوبا" لشراء المؤونة اللازمة للأيام العصيبة القادمة.
بعد شراء أبي لمؤونة البيت، ذهبت والدتي إلى المطبخ لترتب الأغراض... وأبي جلس بجانب الراديو ينتظر الأخبار أول بأول. ونحن ننتظر بفارغ الصبر أن يخرس ذلك الصوت، ليبدأ الإرسال لمشاهدة الرسوم المتحركة!! جدتي تجلس بجانب أبي تغمغم حول ما جرى للملك، أبي كان يرمقها بنظرات تحذرها من الكلام، وبغمز لها بعينيه ويشير إلينا، وأنا أراقب ما يجري بينهما وهم في وجل يستعيذون بالله بهمس وترقب.
-سألتُ جدتي عما يجري؟ فهمست لي خوفا من أن يسمعها أبي: اعتقلوا الملك!
-أنا: -اعتقلوا الملك؟ وهل كانت معه الأميرة أيضا؟
قرصتني جدتي.... فصمتت، ثم ذهبتُ إلى إخوتي مسرعة أخبرهم بما جرى، وبدات أشرح لهم كيف أن الجمهورية اعتقلت الملك وربما الأميرة أيضا، ذات الشعر الطويل، ومن يتحرك منكم فستخطفه الجمهورية؟ ثم بدأتُ أنا بدوري أشعر بالخوف، ورأسي يحاول أن يفهم ما هي هذه الجمهورية التي اكتسحت بلادنا واعتقلت الملك وسوف تقتحم بيتنا أيضا. جدتي خائفة، أبي خائف، أمي صامتة، جدي يتفقد دخانه ويشعل سيجارة، وزوجة جدي تنظر إليه بحدة وهو ينفث الدخان... وحالة من الرهبة والترقب تخيم على بيتنا وعلى المدينة...
-زوجة جدي تسأل: متى يحضر الغذاء؟
وكأي طفلة شقية وفضولية حاولت أن أسترق النظر من باب البيت لأعرف ماذا يجري في الخارج... نهرتني أمي وأغلقت الباب. كان الشارع فارغا يشبه وقت أذان المغرب في رمضان... حتى يوبا صاحب الدكان أغلق دكانه وهرب إلى بيته ليحتمي فيه من الجمهوية!! أبي لا يفعل شيئا سوى أنه يردد: "آد ياوي ربي السلامت" ويستمع إلى البلاغ العسكري الذي أصدره الجنرال ورفاقه! استمرت إذاعة البلاغ طويلا دون أي أخبار آخرى حتى أصابني السأم ... ماذا بعد؟ أريد أن أفهم ما يجري؟ ولماذا أغلقوا التلفزبون؟ وهل سيعرضون مسلسل الرسوم المتحركة؟ ومن هي هذه الجمهورية؟ أسئلة كثيرة وملل، وكلما حاولنا أن نلعب يصرخ أبي في وجهنا ويقول لنا: اخرسوا!! ونخرس... وننتظر أن يخرس المذيع أيضا حتى نلعب. تبا لهذه الجمهورية !!
- سألتُ جدتي: هل لديها أسنان طويلة؟
- من هي؟
- الجمهوربة؟
فقرصتني جدتي مرة أخرى بأظافرها القوية وقالت لي: "فيس"* أجبتُ جدتي بهمس : "هايي فيساغ" ** ثم أشارت لي بأصبعها مرة أخرى وهي تضعه على فمها أن أصمت...حتى جدتي لا تفهم معنى الجمهورية، وتعتمد في فهم ما يجري على ترجمة أبي لها بالأمازيغية... كل ما تفهمه أنهم اعتقلوا الملك، وأنه حدث خطير قد يقتلنا جميعا!! هذا ما أخبرها الجيران به قبل أن تغادر بيتها هاربة من الخطر الذي تعتقد أنه يحدق بها.
أول مرة رأيت فيها الملك مباشرة، حين كنت طفلة صغيرة جدا... كان شارعنا الصغير يفصل بين باب سور مشور القصر الملكي وبين أحد أبواب المدينة التاريخي، الذي يشكل أهمية كبيرة بين أبواب السور العتيق، والباب عبارة عن سقالة ضخمة كان يستخدمها جنود الحراسة للمراقبة، ويمتاز هذا الباب بهندسة معمارية جميلة، ويقع في شمال سور المدينة الضخم الذي تأسس عند ترسيخ جذور الدولة المرابطية، كانت أبواب المدينة قديما، تغلق في الليل، وتفتح في الصباح" ، ويعتبر حينا أصغر حي في هذه المدينة، وقد سكنه أناس كثيرون ولم يبق من السكان الأصليين إلا فئة قليلة، كما تغيرت البنية السكانية لهذا الحي فلم يعد أحد من السكان الجدد يعرف الآخر، خصوصا أن من بين السكان الجدد مهاجرين أوروبيين رمموا البيوت القديمة وسكنوها .... أما السقالة الضخمة فوق الباب العتيق فكانت تسكنها طيور السنونو وعائلة أمازيغية، قادمة من سوس. فيما بعد ضرب زلزال قوي المدينة، وتأثرت السقالة بهذا الزلزال فرحلت العائلة ومعها طيور السنونو.
كان الملك يمر من أمام بيتنا يوميا في نفس الوقت، يسوق سيارته بنفسه في موكب مهيب، وهو ذاهب إلى الكًولف، كنت أركض لأراه، وكنت أقف أنا وإخواني عندما يقترب مرور الموكب، مثل جنود صامدين على حافة الرصيف الذي أمام بيتنا ولا نتحرك، كل ما يتحرك فينا هي دهشة نظراتنا، وأفواهننا المفتوحة عند رؤية الملك وهو يسوق السيارة، ويمسك هامش النافذة بيده اليسرى التي يزينها خاتم من الذهب، إنه نفس الخاتم الذي نشاهده في التلفزيون عندما ينقلون خطابا ملكيا، كنت أيضا أحب مشاهدة سيارات النساء المنقبات اللواتي يرافقن الملك في خرجته اليومية إلى الكًولف، كانت تبدو من خلال النقاب الأسود عيون جميلة "مكحلة" برموش طويلة، وأياد ناعمة يزينها طلاء الأظافر الأحمر، تظهر لنا من خلال نوافذ السيارات السوداء وهن ممسكات بهوامش النوافذ.... وكنت أدقق النظر فيهن كل مرة يمرون فيها، لنتعرف على أؤلائك النساء للواتي لا يشبهن أمي، إنهن يشبهن الأميرات في حكايات السمر الليلية... وكانت هذه المعرفة التي نكتشفها، نحولها إلى حكايات مثيرة، "نبهّرُها ونبهرجها" بعقولنا الطفولية، ونخترع منها حكايات لكسب دهشة الكبار، لقد جعلت منا أطفالا مهمين لدى الكبار، وهدفا لاستفسارتهم، لسرد ما شهدناه، وهذه الإمتيازات جعلت لنا حضوة كبيرة عند من كان يهتم بمعرفة ما رأينا أثناء مرور الموكب الملكي... فيما بعد لم أعد أهتم للأمر فقد أصبح روتينا يوميا يحصل كلما جاء الملك الى مدينتنا، وحتى سكان الحي لم يعودوا يسألوننا ماذا شهدنا عند مرور الموكب، وحتى الملك نفسه لا يهتم لنا، ويمر كأي رجل يقود سيارته.
بعد ساعات طويلة، من الملل والبلاغات العسكرية المتكررة، غير الراديو بلاغه وردد بلاغا جديدا وبنفس الصوت الجهوري : هنا المملكة الشعبية، نعلن للشعب العزيز أن الإنقلاب قد فشل وعادت الأوضاع إلى طبيعتها؟!!
أبي انتفض من مكانه، وظل يحدث أمي بكلام لم نسمعه من قبل عن مصير الجمهورية التي اعتقلت الملك، سألني أخي: ما هو الانقلاب؟ قلت له يبدو أنه شيء مخيف، أخيرا تمكنت القوات المساعدة من اعتقاله، مثل ما اعتقلت سي موحا "مول الكروصة"*** الذي تجرأ على سب الدولة حين أخذوا بضاعته؟! إخوتي لم يفهموا شيئا؟ ولكي أوضح الصورة، أكدت لهم أن الإنقلاب يشبه "صالابانا" ذلك المجنون الذي كان يخيف الجميع في حارتنا.
بعدها نقلتْ الأخبار أن الملك بخير بعد أن أنقذه جندي من الجيش!! وبأن الجنرالات الذين قاموا بالإنقلاب، جميعهم ماتوا بعد تبادل اطلاق الرصاص، ومن بقي حيا ستنفذ فيه الأحكام العرفية....
- سألت جدتي ماهي الاحكام العرفية؟ فقرصتني لأصمت!! ربما جدتي الأمازيغية لم تفهم أيضا ما معنى الاحكام العرفيةـ بما أنها لا تفهم حرفا واحدا من اللغة العربية، لهذا قرصتني؟!
الجيران جميعهم خرجوا إلى الشارع يتداولون موضوع الحادث الذي نزل على الجميع كالصاعقة، وبدأت التأويلات والحكايات.... في المساء انظم إلينا عمي وعائلته بعد أن هدأ الشارع، ورجعتْ إليه الحياة الطبيعية. جلس الجميع يتحدثون حول موضوع الإنقلاب، واستمرت السهرة حتى الصباح.
وبما أنني كنت أكبر إخوتي وأبناء عمي، فقد جمعتهم في زاوية وبدأت أشرح لهم ما يجرى. قلت لهم: أن الجندي قتل الإنقلاب والجمهورية معا، وليس القوات المساعدة كما اعتقدتْ، والجميع فاغر فاه محاولا فهم ما أقوله... أحيانا يمطرونني بأسئلتهم، وأنا أجيب كخبير عسكري في مؤتمر صحفي!! سألني أخي: ماذا سيفعلون بالانقلاب؟ قلت له: لقت قتله الملك هو والجمهورية؟! فصرخ الأطفال بصوت واحد واااااااو فرحين بالقضاء على الإنقلاب، وقفز أخي ينط ويرقص فرحا وسألني: متى ستبدأ الرسوم المتحركة؟
كنت أراقب رجال الحي من باب بيتنا وهم يناقشون موضوع الجمهورية والانقلاب. "سي يوبا" بدوره رجع لفتح دكانه في نفس اليوم، وكثر اللغط والتحليل بين الناس طيلة أسبوع كامل، وهم يتابعون الأحداث ويرددون أن انتصار الملك على الجمهورية راجع إلى نسبه الشريف الذي يمتد إلى النبي، لذلك فهو محمي ومحفوظ من الله. وكل من يكرهه تكون عاقبته سيئة..... قالت " الطيابة العاملة بحمام الحي" لأمي: إن الملك يحبه الله فهو سبط النبي ولذلك نصره الله على أعدائه.... ومن عداه فهو يعادي الله ورسوله. وبدأت النساء جميعا في "جلسة الحمام" تصلي على النبي!!
في اليوم التاني بدأ التلفزيون في بث الأخبار حول الحدث الكبير في تاريخ البلاد، وبدأ الناس في سرد الأحداث كل واحد وما يلتقطه من أخبار متناقلة، ويزيد عليه لمزيد من الإثارة.
أكثر شيء ظل عالقا في ذهني، هي تلك الأخبار عن إصابة بعض المدعوين بجروح طفيفة وهم ينبطحون تحت طاولات مكتظة بما لذ وطاب من المأكولات "خوفا" وكيف سقط رجل سياسة معروف بقوته، يرتجف من الخوف والرعب؟ وكيف سقط الإنقلاب؟وكيف أنقد الجندي الملك؟ وكيف تم إعدام الكثير من العسكريين؟ ما زال البث المباشر لإعدامهم عالقا في ذهني كدملة... وكيف كان الكبار يتحدثون عن الجمهورية والانقلاب اللذان حرضا هؤلاء العسكريين على تهديد حياة الملك؟ وكيف فكرتُ في الحلويات التي على طاولات الاحتفال بعيد ميلاد الملك؟ وهل أصابها سوء وسقطت على الأرض هي الأخرى بعد اختباء المدعويين تحت الطاولات؟ أم أنها ما زالت سالمة؟ وشهيتي الطفولية تتصور أنواعها. وكيف عادت جدتي إلى بيتها بعد أن هدأت الأوضاع بدون "طيفور الفضة" المفضل لديها، لقد خجلتْ من أخذه معها وإعادته إلى بيتها.
كنت مندهشة كيف تركتْ طيفورها؟ هذا الرمز المقدس للعائلة، الذي شهد تاريخا من الأفراح والأعراس، وحمل الكثير من أنواع الحلويات اللذيذة الفخمة في المناسبات العائلية الكبيرة.
قلت مع نفسي وأنا أنظر إلى الطيفور بغطائه الطويل المنقوش بزخرفة متميزة بعد أن غادرتنا جدتي: إنها خسائر كثيرة حصلت في يوم واحد؟!
ويكرر أخي السؤال بإلحاح: متى سيبدأ البث، نريد مشاهدة الرسوم المتحركة؟
---------------
هوامش
*) حديدان : هو بطل حكاية كان الصغار والكبار يحكونها في السهرات العائلية
**) فيس: تعني اصمت "وهي توجه للمؤنث والمذكر بنفس الصيغة"
***) هايي فيساغ: ها انا صمتت
***) مول الكروصا: صاحب البسطة
**** الطيفور: إناء من الفضة