عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب.. قارئ واحد.. وأربع حكايات في حقيبة واحدة

في رف من رفوف السير الذاتية والمذكرات، كانت أربعة كتب تتجاور على الرف، كأنها تنتظر قارئا يفتح معها أبواب الذاكرة.
"بعيدا عن الضريح" لعبد الغني أبو العزم، و"تزممارت "لأحمد المرزوقي، و"السجينة" لمليكة أوفقير، و"ميموزا" لصلاح الوديع.
اقترب أحد القراء من الرف، وتأمل العناوين قليلا، ثم أخذ الكتب الأربعة واحدا تلو الآخر، يقلب صفحاتها، وكأنه يصغي إلى أصوات أصحابها، ويبحث بين السطور عن شيء لا تمنحه القراءة العابرة ؛ لم يتردد طويلا، ولم يكتف بكتاب واحد ، لقد جمع المذكرات الأربع، ومضى بها في طريقه.
راقبت المشهد من مكاني، وأنا أفكر في سر هذا الاختيار ؛ أربعة كتب، وأربع تجارب مختلفة، وأربع حيوات تتقاطع فيها الذاكرة مع التاريخ، والخاص مع العام، والإنساني مع ما تتركه الأيام في النفوس من ندوب وأسئلة.
ترى، أي رحلة يستعد هذا القارئ لخوضها؟ وأي موعد ضربه مع هذه الصفحات؟ هل أراد أن ينصت إلى أربع شهادات، أم أن لكل كتاب منها نافذة يطل منها على جانب من جوانب الحياة؟
في المكتبة، لا نعرف دائما ما الذي يدفع القارئ إلى اختيار كتاب دون غيره، لكننا ندرك أن بعض القراء لا يأتون بحثا عن عنوان واحد، وإنما عن حكايات تستحق أن تُعاش من خلال القراءة.
وعندما غادر القارئ المكتبة، حاملا الكتب الأربعة، ظل سؤال صغير يلاحقني: أي سر جمعه بهذه السرعة بين هذه الحكايات المتباعدة؟ وهل كان يدرك أنه لا يحمل مجرد مذكرات، وإنما حاز أربع ذاكرات مثقلة بما عاشته، وأربعة أبواب قد تفضي به إلى عوالم لم يكن يتوقعها؟
غاب الرجل عن ناظري، لكنني تخيلته في مكان ما، يفتح الكتاب الأول، ثم يتوقف عند سطر يشده إلى الثاني، قبل أن يجد نفسه أسير الثالث، وينتهي به المطاف إلى الرابع. وربما، حين يفرغ منها جميعا، لن يعود الشخص نفسه الذي دخل إلى المكتبة ذلك اليوم ، إلا إذا كان من عشاق ومتمرسي الغوص في المذكرات والسير الذاتية التي لها صلة بأدب السجون .
هكذا تفعل الكتب أحيانا؛ يدخل القارئ ليشتريها، ويخرج بها تحت ذراعه، دون أن يدري أن بعضها قد يشتري شيئا من روحه، ويتركه هناك، بين السطور، إلى الأبد.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...