إهداء إلى زوجتي وبناتي_ وأخوالهن الغنادرة
الغنادرة ، رجالٌ أنبتوا الرزق، ونساءٌ صنعن معه الحياة
حين أكتب عن الغنادرة، فإنني لا أكتب عن أناس عرفتهم من بعيد، أو سمعت عنهم في مجالس الحديث. أكتب عن أهل وصلتني بهم صلة الأم، ثم زادتني المصاهرة قرباً منهم ومعرفة بهم. فأمي المسناوية، المنتمية إلى جماعة بوحمام، جعلت لي في هذه الأرض جذراً، وجاءت زوجتي وأخواتها لتجعل لهذه الصلة وجهاً يومياً من المحبة والعشرة والوفاء.
ومن عاشر الناس عرف ما لا تقوله عنهم الألقاب، ولا تختصره حكايات الأسواق.
عرفت في الغنادرة رجالاً ونساءً تربّوا على أن الرزق يحتاج إلى سعي، وأن البيت يقوم بتعاون أهله، وأن الإنسان يُقاس بما يصنع وبما يحفظ من عهد. أخذوا عن آبائهم وأمهاتهم الصبر على التعب، والاعتزاز بالعمل، والحرص على أن يأكل الأبناء من ثمرة الجهد.
كانت الأرض مدرسة أجيال منهم. في الحرث تعلّموا أن الغرس يسبق الحصاد، وأن الفصول لا تستجيب لاستعجال الإنسان، وأن سنةً تشحّ فيها السماء لا تُسقط حقّ الأرض في أن تُزرع من جديد. وبين الزرع والماشية وتدبير شؤون البيت، اكتسبوا معرفةً بالحياة لا تمنحها الكتب وحدها.
ثم حمل كثير منهم هذه التربية إلى التجارة. دخلوا السوق ومعهم صبر الفلاح، وحساب المواسم، ومعرفة قيمة الشيء والجهد المبذول فيه. ومن الحقل إلى الدكان، وإلى الهري ومن تدبير المحصول إلى تدبير المعاملة، وتدبير المقاولة ، اتّسعت أبواب السعي، وبقي أصل الحكاية كما يقول المعلق الرياضي جواد بادة المغربي واحداً: عملٌ يتبعه عمل، وثقةٌ تُبنى مع الأيام.
وحين يُذكر توفّقهم في التجارة، يُعجبني أن نتذكّر ما سبق ذلك من تعب. فالنجاح الذي يراه الناس في واجهة متجر، قد تكون وراءه أعوام من الاستيقاظ قبل الفجر، وأسفار، وتجارب، وخسارات تعلّم منها صاحبها كيف يبدأ مرة أخرى. ناضلوا في طلب العيش الكريم، واجتهدوا، ونال كثير منهم ثمرة اجتهاده.
ولنساء الغنادرة في هذه الحكاية مقام لا يستقيم الكلام من دونه.
أقولها من معرفة بزوجتي وأخواتها: نِعم النساء في المودة، وفي احتمال مشاق الحياة، وفي الوقوف إلى جانب الأسرة. رأيت فيهن ما يجعلني أفهم أن نجاح الرجل قد يحمل، إلى جانب اسمه، تعب امرأة لم يُكتب اسمها على باب متجر ولا على وثيقة ملكية.
نساءٌ شاركن في تدبير المعيشة، وحفظن البيوت، وربّين الأبناء، وأحسنّ الموازنة بين حاجات اليوم وأمل الغد. منهن من عملت في الأرض، ومن حملت مسؤولية البيت، ومن جمعت بين أعمال كثيرة لا ينتبه الناس إلى حجمها إلا حين تغيب صاحبتها.
ولهنّ فضلهنّ وقيمتهنّ بما بذلن وصنعن، وبما ربّين في أبنائهن وبناتهن من اعتزاز بالنفس واحترام للعمل. ففي كنف الأمهات، كما في صحبة الآباء، تعلّم الأبناء أن الأمانة رأس مال، وأن حسن المعاملة يبقى أثره بعد انقضاء البيع والشراء.
ذلك ما أعتزّ به في صلتي بالغنادرة: تربيةٌ تتوارثها الأسر، وتعاونٌ يخفّف مشقّة الطريق، وكرامةٌ يجدها الإنسان في سعيه وفي انتمائه إلى أهله.
ولست بحاجة إلى الانتقاص من أحد حتى أمدحهم؛ ففيما عرفته بينهم من خير ما يكفي للشهادة والمحبة. أكتب وفاءً لأمي المسناوية، وتقديراً لزوجتي وأخواتها، وتحيّةً لكل رجل وامرأة من الغنادرة جعلا من الكدّ طريقاً إلى حياة أفضل.
تحيّة لرجالهم الذين حرثوا الأرض وطرقوا أبواب الرزق، ولنسائهم اللواتي شاركنهم التعب وصنعن معهم دفء البيوت ومستقبل الأبناء. فبعض الثمار تنبت في الحقول، وأجملها ينبت في التربية
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
الغنادرة ، رجالٌ أنبتوا الرزق، ونساءٌ صنعن معه الحياة
حين أكتب عن الغنادرة، فإنني لا أكتب عن أناس عرفتهم من بعيد، أو سمعت عنهم في مجالس الحديث. أكتب عن أهل وصلتني بهم صلة الأم، ثم زادتني المصاهرة قرباً منهم ومعرفة بهم. فأمي المسناوية، المنتمية إلى جماعة بوحمام، جعلت لي في هذه الأرض جذراً، وجاءت زوجتي وأخواتها لتجعل لهذه الصلة وجهاً يومياً من المحبة والعشرة والوفاء.
ومن عاشر الناس عرف ما لا تقوله عنهم الألقاب، ولا تختصره حكايات الأسواق.
عرفت في الغنادرة رجالاً ونساءً تربّوا على أن الرزق يحتاج إلى سعي، وأن البيت يقوم بتعاون أهله، وأن الإنسان يُقاس بما يصنع وبما يحفظ من عهد. أخذوا عن آبائهم وأمهاتهم الصبر على التعب، والاعتزاز بالعمل، والحرص على أن يأكل الأبناء من ثمرة الجهد.
كانت الأرض مدرسة أجيال منهم. في الحرث تعلّموا أن الغرس يسبق الحصاد، وأن الفصول لا تستجيب لاستعجال الإنسان، وأن سنةً تشحّ فيها السماء لا تُسقط حقّ الأرض في أن تُزرع من جديد. وبين الزرع والماشية وتدبير شؤون البيت، اكتسبوا معرفةً بالحياة لا تمنحها الكتب وحدها.
ثم حمل كثير منهم هذه التربية إلى التجارة. دخلوا السوق ومعهم صبر الفلاح، وحساب المواسم، ومعرفة قيمة الشيء والجهد المبذول فيه. ومن الحقل إلى الدكان، وإلى الهري ومن تدبير المحصول إلى تدبير المعاملة، وتدبير المقاولة ، اتّسعت أبواب السعي، وبقي أصل الحكاية كما يقول المعلق الرياضي جواد بادة المغربي واحداً: عملٌ يتبعه عمل، وثقةٌ تُبنى مع الأيام.
وحين يُذكر توفّقهم في التجارة، يُعجبني أن نتذكّر ما سبق ذلك من تعب. فالنجاح الذي يراه الناس في واجهة متجر، قد تكون وراءه أعوام من الاستيقاظ قبل الفجر، وأسفار، وتجارب، وخسارات تعلّم منها صاحبها كيف يبدأ مرة أخرى. ناضلوا في طلب العيش الكريم، واجتهدوا، ونال كثير منهم ثمرة اجتهاده.
ولنساء الغنادرة في هذه الحكاية مقام لا يستقيم الكلام من دونه.
أقولها من معرفة بزوجتي وأخواتها: نِعم النساء في المودة، وفي احتمال مشاق الحياة، وفي الوقوف إلى جانب الأسرة. رأيت فيهن ما يجعلني أفهم أن نجاح الرجل قد يحمل، إلى جانب اسمه، تعب امرأة لم يُكتب اسمها على باب متجر ولا على وثيقة ملكية.
نساءٌ شاركن في تدبير المعيشة، وحفظن البيوت، وربّين الأبناء، وأحسنّ الموازنة بين حاجات اليوم وأمل الغد. منهن من عملت في الأرض، ومن حملت مسؤولية البيت، ومن جمعت بين أعمال كثيرة لا ينتبه الناس إلى حجمها إلا حين تغيب صاحبتها.
ولهنّ فضلهنّ وقيمتهنّ بما بذلن وصنعن، وبما ربّين في أبنائهن وبناتهن من اعتزاز بالنفس واحترام للعمل. ففي كنف الأمهات، كما في صحبة الآباء، تعلّم الأبناء أن الأمانة رأس مال، وأن حسن المعاملة يبقى أثره بعد انقضاء البيع والشراء.
ذلك ما أعتزّ به في صلتي بالغنادرة: تربيةٌ تتوارثها الأسر، وتعاونٌ يخفّف مشقّة الطريق، وكرامةٌ يجدها الإنسان في سعيه وفي انتمائه إلى أهله.
ولست بحاجة إلى الانتقاص من أحد حتى أمدحهم؛ ففيما عرفته بينهم من خير ما يكفي للشهادة والمحبة. أكتب وفاءً لأمي المسناوية، وتقديراً لزوجتي وأخواتها، وتحيّةً لكل رجل وامرأة من الغنادرة جعلا من الكدّ طريقاً إلى حياة أفضل.
تحيّة لرجالهم الذين حرثوا الأرض وطرقوا أبواب الرزق، ولنسائهم اللواتي شاركنهم التعب وصنعن معهم دفء البيوت ومستقبل الأبناء. فبعض الثمار تنبت في الحقول، وأجملها ينبت في التربية
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي