عبدالمنعم الهراق - يوميات بائع كتب

في المكتبة ، اعتدت أن أرى أشياء كثيرة تستوقفني؛ قارئا يبحث عن كتاب غيّر مجرى حياته، وآخر يتلمس بين العناوين ما يواسي به روحه، وثالثا يأتي من أقاصي المدن بحثا عن مؤلف طال انتظاره.
لكن ما وقع لي هذا اليوم جعلني أكتشف أن بعض الدروس لا تسكن بطون الكتب، وإنما تستوطن قلوب الذين يأتون لاقتنائها.
دخل شاب أنيق إلى المكتبة، وكان برفقة أبيه ؛ طلب منه أن ينتظره جالسا على أحد الكراسي، ثم استأذنه في أن يتجول بين الرفوف، بحثا عن بعض الكتب التي يرغب في قراءتها.
فمضى يتنقل بين أجنحة القسم الفرنسي، تحيط به آلاف العناوين، وتتنافس أمام عينيه أغلفة الكتب وأسماؤها ؛ غاب بعض الوقت، ثم عاد إلى أبيه وفي يده كتاب واحد، انتزعه اختياره من بين ذلك الحشد الكبير من العناوين.
ظننت أن الحكاية انتهت عند هذا الحد، وأن الأب وابنه سيغادران المكتبة بعد إتمام عملية الشراء ؛غير أن الشاب، وقبل أن ينصرفا، مد الكتاب إلى أبيه وطلب منه أن يوقعه بخط يده!
توقفت عند المشهد، واستبد بي الفضول ؛ ما الذي يدفع شابا إلى طلب توقيع أبيه على كتاب اشتراه للتو مع أنه ليس مؤلف الكتاب ولا كاتبه ؟
سألته عن سر هذه الرغبة، فكان جوابه أبسط من أن أتوقع، وأعمق من أن أنساه: أريد أن أتبارك بيد أبي الميمونة، قبل أن أبدأ قراءة الكتاب.
يا الله!
كم من الكتب قرأت، وكم من المواقف سجلت في ذاكرتي خلال سنوات طويلة قضيتها بين رفوف المكتبة، لكنني لم أصادف من قبل شابا يجعل من توقيع أبيه على كتاب لحظة من لحظات البر، ومن أثر يده بركة يستفتح بها رحلة القراءة.
لم يكن يبحث عن توقيع كاتب مشهور، ولا عن إهداء يرفع من قيمة الكتاب في أعين الناس، وإنما كان يفتش عن أثر أبيه على الصفحة الأولى؛ كأنه أراد أن يقول إن أول ما ينبغي أن يلامس هذا الكتاب ليس عينيه، وإنما يد الرجل الذي كان سببا في وجوده، والذي ربما علّمه أولى حروف الحياة قبل أن يتعلم حروف الكتب.
في زمن يتسابق فيه بعض الناس إلى جمع توقيعات المشاهير، اختار هذا الشاب أن يستأثر بتوقيع لا يحتاج إلى شهرة كي يكون عظيما، ولا إلى مكانة أدبية من أجل الاحتفاظ به ؛ يريد توقيع أبيه، فحسب.
غادر الاثنان المكتبة، وبقيت أنا أمام المشهد، أستعيد تفاصيله في صمت ؛ وفكرت أن ذلك الكتاب مهما كان موضوعه، قد حصل على أجمل إهداء قبل أن يقرأ صاحبه سطرا واحدا منه.
لقد علمني ذلك الشاب الأنيق، من غير أن يقصد، أن البر بالوالدين قد يختبئ في حركة صغيرة، لا ينتبه إليها أحد، لكنها تكشف عن قلب يعرف كيف يمنح الأشياء معناها الحقيقي ، لأن بعض الكتب تبدأ القراءة من الصفحة الأولى، أما هذا الكتاب فقد بدأت حكايته من يد الأب.
ومن يدري؟ لعل الشاب نسي بعد سنوات عنوان الكتاب الذي اقتناه في ذلك المساء، لكنه لن ينسى أبدا تلك اليد التي تركت توقيعها على صفحته الأولى؛ اليد التي أراد أن يستفتح بها قراءته، وكأنه يستأذن دعاء أبيه قبل أن يستأذن الكلمات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...