علي بنساعود - رائحة الطباشير...

ـ ألو... أهلا وسهلا.
ـ أهلا بك. أريد الأستاذ سامي.
ـ معك، تفضلي.
ـ شكرا. سعيدة لأنك لم تغيّر رقم هاتفك منذ ذلك الوقت.
ـ أي وقت؟
ـ منذ كنت تلميذة عندك.
صمت قليلا، ثم قال:
ـ من معي؟
ـ معك سناء ح.
حاول أن يستحضر الاسم، لكن ذاكرته خانته. كان تجاوز الستين من عمره، يحتفظ بأسماء الشعراء والقاصين الذين قرأ لهم منذ شبابه، وينسى أحيانا ما تناوله على الغداء. قال بصوته المعتاد:
ـ سامحيني يا بنيتي، الذاكرة لم تعد كما كانت.
قاطعته ضاحكة:
ـ ولماذا تصر، أستاذي، على كلمة «بنيتي»؟ لو تدري كم كنت أكرهها حين كنت تلميذتك.
ضحك هو الآخر. أعادته الجملة إلى الأقسام الإعدادية، إلى الطاولات الخشبية والسبورة السوداء وغبار الطباشير الذي كان يستقر على أطراف أصابعه. لم يتذكر وجهها تماما، لكنه أحس أن الاسم بدأ يفتح بابا قديما في ذاكرته.
ـ حسنا، سأحاول ألا أقولها مرة أخرى. تفضلي، أستمع إليك.
قالت إنها الآن امرأة متزوجة، وأم لطفلين، وإنها ظلت سنوات تؤجل مكالمة أرادت إجراءها منذ زمن. ثم سكتت لحظة قبل أن تضيف:
ـ أريد أن أقول لك شيئا لم أ جرؤ على قوله أبدا.
لم يقاطعها. خبرته الطويلة علمته أن بعض الكلام يحتاج إلى فسحة من الصمت كي يجد طريقه إلى الخارج.
قالت إنها سعدت كثيرا حين درست عنده ثلاث سنوات. وفي بداية السنة الثانية، نُقِلَت إلى فصل آخر، فحزنت وبكت، ثم طلبت من أبيها أن يذهب إلى المدير ليعيدها إلى قسمه. ظل أبوها يلح حتى استجاب المدير لطلبه.
بدأت الذاكرة تستجيب. تذكر أبا جاء إلى الإعدادية غاضبا، وأصر على أن ابنته لا تريد إلا ذلك الأستاذ. يومها، لم يفهم سبب إصراره، ولم يسأل نفسه طويلا عن الأمر.
قال:
ـ أتذكر الآن شيئا من ذلك. كنت تلميذة هادئة، أليس كذلك؟
ـ هادئة؟ كنت أبدو كذلك فقط. الحقيقة أنني كنت متعلقة بك.
لم يرد.
تابعت، كأنها تخشى أن تتراجع إذا توقفت:
ـ كنت أراك الرجل الذي أحلم به. كنت وسيما وأنيقا، وكان لك عطر لم أشم مثله من قبل. قبل حصتك، كنت أتسابق لأكون أول الطابور، ثم أختار المقعد الأول، قبالة مكتبك. لم يكن ذلك من أجل الدرس وحده. كنت أريد أن أكون قريبة منك، وأن أشم عطرك.
سكتت. ربما كانت تنتظر ضحكة، أو عتابا، أو كلمة تنهي بها هذا الاعتراف الذي تأخر زهاء عشرين سنة.
أما هو، فظل ينظر من النافذة. في الغرفة سبورة صغيرة يكتب عليها أحيانا لأحفاده، وإلى جانبها علبة طباشير بيضاء. تذكر فجأة دفترها المرتب بعناية، وخطها الكبير، ويدها التي كانت ترتفع باستمرار، حتى حين لا تكون متأكدة من الجواب. كان يظن أنها تريد أن تلفت انتباهه إلى اجتهادها، ولم يخطر بباله أن وراء ذلك كله حكاية أخرى.
قال بعد صمت:
ـ شكرا لأنك أخبرتني الآن.
ـ لماذا الآن تحديدا؟
ـ لأنك كبرت، وصرت تعرفين ما تريدين قوله. لو قلت لي ذلك يوم كنت تلميذتي، لربما ارتبكت، ولَأَعَدْتُكِ إلى دفترك ودرسك. لم أكن أريد أن أجرحك، ولا أن أجعل أمرا جميلا في نفسك سببا للحرج.
سمع شهقة خافتة من الطرف الآخر. لم يعرف إن كانت تبكي أم تحاول أن تضحك.
ثم سألته:
ـ هل ما زلت تستعمل العطر نفسه؟
ابتسم.
ـ لا. لم أعد أستعمل العطر منذ سنوات. الآن، إذا أردت أن تعرفي رائحتي، فهي رائحة الدواء والطباشير.
ضحكت.
ـ ما زلت تحتفظ بالطباشير إذن؟
ـ أحتفظ بأشياء كثيرة لا أعرف لماذا لم أتخلص منها. ربما لأنني لا أُجيد توديع الأشياء القديمة.
ثم أضاف، بعد لحظة:
ـ كنت أظن أن الأستاذ يحتاج إلى الأناقة حتى يحترمه تلاميذه. كبرت، واكتشفت أن بعضهم يحتفظ بك لأسباب لا تعرفها، وأنك قد تنسى أسماءهم، بينما يظلون هم يتذكرونك.
قالت بهدوء:
ـ أنا لم أنسك.
أطرق برأسه، كأنها قالت شيئا أكبر مما يحتمل الرد.
ـ وأنا لن أنساك الآن. سأكتب اسمك في دفتري، حتى لا يضيع مني مرة أخرى.
ـ وماذا ستكتب بجانبه؟
ـ سأكتب أنك أم لطفلين، وأنك اتصلت بي بعد عشرين سنة لتخبريني بحكاية لم أكن أعرفها.
ـ وهل أزعجتك؟
كاد يقول: «لا يا بنيتي»، لكنه تدارك نفسه في اللحظة الأخيرة.
ـ لا يا سيدتي. بل أسعدتني. ذكّرتني بأنني كنت، في يوم من الأيام، سببا في أن يأتي أحد إلى القسم بفرح. وهذه جائزة لم يمنحني إياها أي مفتش.
ضحكت، وشكرته، ثم أنهت المكالمة.
ظل الهاتف في يده لحظات... وضعه على الطاولة. لم يتذكر عطر تلك السنوات، ولم يستطع أن يستعيد وجه الفتاة كاملا. لكنه شعر أن شيئا صغيرا عاد إلى مكانه في ذاكرته، مثل قطعة طباشير عثر عليها بعد طول غياب.
اقترب من السبورة. مسح ما كتبه أحد أحفاده في اليوم السابق. ثم جلس، وفتح دفترا قديما كان يحتفظ فيه ببعض الأسماء.
لم يجد اسمها. كتبه في صفحة جديدة، وتوقف قليلا قبل أن يكتب إلى جانبه: "لم تنسني."
عندها تذكر آخر يوم من السنة الدراسية، حين وقفت تلميذة في الصف الأول وكتبت على السبورة بخط كبير: "شكرا أستاذي".
ظل ينظر إلى العبارة طويلا. يومها، ظن أن الخط الكبير دليل على أنها لم تتقن الكتابة بعد.
ابتسم الآن، وهو يتخيل يدها الصغيرة وهي تضغط بالطباشير على السبورة، كأنها تريد أن تجعل الكلمات أكبر من أن تمر من أمامه دون أن يراها.
ولأول مرة، فهم لماذا كان الخط كبيرا جدا.

علي بنساعود
التفاعلات: عبدالعزيز فهمي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...